ultracheck
ثقافة وفنون

أجبرته العنصرية على تغيير اسم حميد.. كزافيي لوكلار: خبز الفرنسيين صنع من عظام الجزائريين

22 أكتوبر 2025
كزافيي
حميد أيت طالب (كزافيي لوكلار)(صورة: فيسبوك)
طاهر حليسي
طاهر حليسي الجزائر

ما كان أحدٌ، بمن فيهم حميد أيت طالب نفسه- هذا الشاب المولود سنة 1979 في تيزي وزو بمنطقة القبائل شرقي الجزائر- يتوقّع أن يخوض واحدة من أقسى التجارب النفسية والثقافية في حياته، كأن يُساوِم نفسه على نفسه.

قال كزافيي في مقابلاتٍ عدة مع جرائد لوموند وراديو أر.أم.سي:"بمجرد ما صار اسمي كزافيي لوكلار، انهالت عليّ مئات العروض والطلبات، وتلقّى بريدي عشرات الرسائل، وهو ما لم يحدث قط حين كنتُ أحمل اسم حميد.

فبعد سنوات قليلة من وصوله إلى جامعة السوربون وتخرّجه منها بتفوّق، حاملًا شهادتي ماستر في العلوم الإنسانية والأدب المقارن، بعد مرحلة درس فيها علم الإجتماع والقانون بجامعة كون. كان يظن أن العلم الذي حُرِمَت منه عائلته القاطنة في جبال القبائل سيكون سلّمًا للترقّي الاجتماعي والمهني، في بلدٍ يرفع شعارات الثورة الفرنسية الثلاث: الحرية، الإخاء، والمساواة، لكن الواقع سينسف كل تلك التوقعات المثالية.

عنصرية صامتة

درس حميد بجدٍّ وكدّ طوال سنواته في فرنسا، بعد أن لحق بوالده محند السعيد أيت طالب، الذي تعرّض للتعذيب إبّان الثورة التحريرية، ثمّ هاجر بعد الاستقلال إلى فرنسا للعمل في مصانع الحديد والصلب بمنطقة النورماندي، مدبّرًا القوت لأولاده التسعة.

كان الأب مسكونًا بعقدة الخوف من الجوع، عقدةً موروثة من واقعٍ عاشه في طفولته القاسية، إذ كان كما يروي حميد، من بين أولئك الجوعى الذين كتب عنهم ألبير كامو مقالات عن يوميات الفقر والحرمان خلال رحلته إلى المنطقة، العام 1939 مبعوثا خاصا لجريدة الجزائر الجمهورية، تحت عنوان بؤس منطقة القبائل، التي حُوّلت إلى معزلٍ بائسٍ للفقراء المثقلين بالضرائب والمحرومين من التنقّل أو الاحتطاب من الغابات المجاورة حتى لغرض الطهي أو التدفئة. ولم يكن غريبًا أن يرصد صاحب الغريب غرباء في أوطانهم، حين شاهد أطفالًا بثيابٍ رثّةٍ وسحناتٍ هزيلة يتقاتلون مع الكلاب على بقايا طعام على قارعة الطرقات الحزينة.

برغبةٍ منه في مساعدة نفسه وعائلته، ظلّ حميد ينتظر تلك الفرصة معتقدا بناء على مؤهلاته العلمية بأنّ التوظيف مسألة وقت لا غير، لكن الانتظار طال، حتى سقط في دائرة الملل القاتل، قبل أن ينتهي إلى خيبةٍ دائمة. أرسل مئات طلبات العمل الممهورة بسيرته الذاتية، ولم يحظَ إلاّ بمقابلةٍ يتيمةٍ انتهت بلا جدوى، ولم تنل رسائله حتى شرف الردّ.

سقوط القناع

في سنة 2012، قرّر حميد أن يفاوض ذاته على هويته الإسمية، بعد أن أيقن في النهاية أنّ العنصرية ليست خطابًا سياسيًا لليمين الفرنسي فحسب، بل ثقافة بنيوية متجذّرة في المجتمع الفرنسي. فلجأ إلى إجراءٍ إداري لتغيير اسمه ولقبه، عسى أن يظفر بشيءٍ من الإخاء الإنساني، بعدما خذلته المساواة و العدالة. وهكذا أصبح  اسمه كزافيّي لوكلار، كما لو أنه غير جلده للنجاة بكينونته، مستعيرا حيلة أوليس ورفاقه في الأسطورة الإغريقية حين ربطوا أجسادهم تحت بطون الخراف وتغطّوا بجلودها ليفلتوا بين القطيع من قبضة الغول بوليفيموس، ويخرجوا من مغارة الظلام و آكل لحوم البشر.

و ما عاشه هذا الشاب الحالم لم يكن أسطورة، بل حقيقة مؤلمة في بلد الأنوار.

قال كزافيي في مقابلاتٍ عدة مع جرائد لوموند وراديو أر.أم.سي:"بمجرد ما صار اسمي كزافيي لوكلار، انهالت عليّ مئات العروض والطلبات، وتلقّى بريدي عشرات الرسائل، وهو ما لم يحدث قط حين كنتُ أحمل اسم حميد. هذا يعني أنّ الاسم كان عائقًا جوهريًا، وأنّ العنصرية واقعٌ ملموس لا مجرّد انطباع. صار الناس يبحثون عني ليقدموا لي وظيفة تناسب مؤهلاتي، بعدما أمضيت سنوات في طرق الأبواب دون أن يقبل أحد بتشغيلي".

الإسم المنقذ

واجه كزافيي انتقادات لاذعة من الجبهتين: من الجزائريين الذين رأوا في خطوته انسلاخًا عن الجذور وخيانةً للأصول، ومن الفرنسيين البرجوازيين الذين لاموه على تخلّيه عن الاسم الشرقي ذي الرنّة الغرائبية. وردّ على الطرفين قائلًا:

"غيّرت اسمي لكني لم أغيّر هويتي. إنه نوع من التأقلم مع واقعٍ عنصري، و مجاراة لسوق العمل. لأنّ كزافيي لوكلار هو الذي سمح لحميد أيت طالب بأن يأخذ فرصته في الحياة. كان عليّ أن أختار البقاء كضحية اسم أبدية أو أفقأ عين وحش إدارات التوظيف بيدي، وحتى خلال التغيير قمت فقط بترجمة اسمي من العربية إلى الفرنسية، فلوكلار كلمة ذات مدلول ديني مسيحي يرادف طالب التي تعني معلم القرآن أو الإمام".

حقق كزافييّ نجاحات مهنية بالعمل مع شركات راقية في مجال الألبسة والموضة مثل باربيري وغوتشي، كما أحدث اختراقاتٍ لافتة في مجال الرواية، إذ أنتج أعمالًا تتمحور حول الهوية، الأصل، الهجرة، والفقر الموروث. في روايته رجل بلا عنوان، الصادرة عن دار غاليمار، مجّد والده الذي عاش صامتًا، مثقلًا بعقدة الجوع ومسؤولية إطعام أبنائه. أراد كزافيي أن يكون الكتاب تكريمًا للأب رغم الخلافات الحادة التي نشبت بينهما بسبب خياراتٍ شخصية خالفت التقاليد الأسرية والاجتماعية.

وقد حقق الكتاب نجاحًا باهرًا ببيع خمسين ألف نسخة، ومنحه الجائزة الكبرى للأدب " ميتيس"، وجائزة الأدب لمسجد باريس الكبير في السنة نفسها، كما ترشّح ضمن القائمة النهائية لجائزة مونتيك للمقاومة والحرية سنة 2023.

معرض الجماجم

خلال السنة الجارية فاجأ هذا الشاب الذي صار كيانه الشخصي إدانة متحركة على قدمين ضد العنصرية، القرّاء  برواية أخرى حملت عنوان «خبز الفرنسيين»، ظهرت بغلافٍ تتوسطه صورة الطفلة زهرة، بطلة الحكاية، لا بل المأساة، بوجهها البريء وعينيها المنكسرَتين.

يعيد كزافيي التذكير بما تناوله الكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي في رواية الديوان الإسبرطي (الفائزة بجائزة البوكر عام 2020)، حول تجارة السكر المصنوع من بقايا عظام الجزائريين خلال مرحلة الغزو الأولى.

في هذه الرواية، ينزل الكاتب إلى دهاليز متحف الإنسان بحيّ التروكاديرو، على مقربةٍ من برج إيفل، ليفتح خزانة الماضي الاستعماري ويكشف المجازر المرتبطة بما يُعرف بـ«غزو الجزائر» الممتد بين 1830 و1882. 

يكشف في عدة مقابلات مصورة مع مؤسسات إعلامية فرنسية دوافع كتابة هذا النص المثير و الصادم و الحساس المبني حول قصة حقيقية، و يقول:"في أحد الأروقة القابعة في بطن متحف الإنسان صندوقٌ خشبيّ بلون البُنّ، بدا كعلبة أحذيةٍ عادية، لكنه يحتوي على جمجمة طفلةٍ لا يتعدّى عمرها سبع سنوات. علّق على فكها رقمٌ تسلسليّ دقيق يحمل رقمها الشخصي، لم يكن لها اسم فلقّبتها زهرة، وهي واحدة من 18 ألف جمجمة محفوظة في المتحف، بينها تسعة آلاف لأهالي و مقاومي المستعمرات السابقة. والطفلة زهرة واحدة من هؤلاء الضحايا الذين فُصلت رؤوسهم خلال حملات عسكرية على قرى القبائل نفذتها فيالق فرنسية تتكون من ألفين إلى ثلاثة آلاف جندي، العام 1845، وجُلبت إلى هنا على خلفية ما كان يُعرف بـ" نظرية الأعراق".

نظرية الأعراق

يستعرض كزافيي جذور هذه النظرية، التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر مع روّاد الأنثروبولوجيا الفيزيائية والداروينية الاجتماعية، حين تحوّلت المستعمرات إلى مختبرات لتصنيف البشر وإثبات تفوّق "الجنس الأبيض".

نشأ عن ذلك علمٌ زائف أطلق عليه اسم الكرانولوجيا، يقيس الجماجم لتحديد الذكاء والعبقرية، فكان أداة لتبرير الاستعمار وتسويغ فكرة «تمدين الشعوب الهمجية». ومن هناك انتشرت ظاهرة قطع رؤوس المقاومين وإرسالها إلى متحف الإنسان في باريس بوصفها عيناتٍ للدراسة أو حتى تذكاراتٍ للزينة و النصر، ودون أن يثير ذلك أدنى تأنيب للضمير الإنساني.

في روايته، يجعل كزافيي من جمجمة زهرة صوتًا حيًا يحاوره. فهي تحكي له كيف أُعدمت دون ذنب، وكيف سرق الفرنسيون طفولتها لتتحول إلى رقمٍ في متحفٍ بارد، بينما يروي هو لها الحياة التي سُرقت منها بين قمم جرجرة وأشجار الزيتون و الليمون، و من تحت شمس الجزائر المتوسطية. 

ومن خلال هذا الحوار الرمزي، و المتخيل، يكشف الكاتب الوجه المظلم للتاريخ، حيث تختلط الإنسانية بالوحشية والعلم بالهمجية.

خبز بشري

يعيد كزافيي التذكير بما تناوله الكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي في رواية الديوان الإسبرطي (الفائزة بجائزة البوكر عام 2020)، حول تجارة السكر المصنوع من بقايا عظام الجزائريين خلال مرحلة الغزو الأولى.

يوضح  متحدثا:"في تلك الفترة راجت صناعة الفحم الحيواني، بمزج العظام البشرية والحيوانية في أفران، واستُعملت عظام الجزائريين المطحونة لتبييض السكر المستخلص من الشمندر ولهذا السبب حرّم الأمير عبد القادر تناول السكر الفرنسي لأنه آدمي المصدر أي كانيبالي".

ويضيف:"كانت عمليات نبش قبور الجزائريين لجمع العظام تتمّ بشكل واسع، من طرف تجار ثم تُنقل عبر موانئ تولون ومارسيليا لتُباع كمادة خام، كما أن بعض الطرقات تمت تسويتها بهياكل عظمية بشرية".

يوضح الكاتب مغزى العنوان المثير قائلًا:

"لهذا اخترتُ اسم خبز الفرنسيين لأن بقايا العظام التي نتجت عن تكرير السكر استُعملت كسمادٍ في حقول القمح، أي أن الجزائريين صاروا مكوناتٍ حرفيةً للخبز الفرنسي. أردتُ أن أثبت هذه الحقيقة، وأقول إن عظامنا أصبحت جزءًا من هوية الأرض الفرنسية في نقض صريح للعنصرية التي نتعرض لها، و هو في نفس الوقت دعوة للتسامح و القبول بما أننا جزءمن هذا الخبز، و طبعا ينبغي أن نعرف جذور الشر كي نتجاوزه سويا بما فيها العنصرية".

في أحد اللقاءات التلفزيونية المؤثرة، كشف كزافيي عن الدافع العميق وراء كتابة الرواية:

"ذات يوم دخلتُ مع أبي إلى مخبزة لشراء الخبز في منطقة النورماندي، فرفض صاحبها بيعنا قائلاً بعبارةٍ عنصرية: "لا أبيع الخبز الفرنسي للبونيول! أي المنحطين". لم يقل أبي كلمة فأنصرف صامتا و تبعته مصدوما، و في صمته ذاك، أحسست بعمق الجرح".

تلك اللحظة، كما يروي، كانت أقسى من كل الهزائم السابقة، إذ شعر أنّ التاريخ يعيد نفسه؛ الفرنسي الذي يرفض بيع الخبز اليوم هو نفسه يخضع مجددا للمنطق الذي سمّد سنابله بعظام الجزائريين المسروقة.

ضرورة إنسانية

نال العمل إشادة واسعة من النقاد الفرنسيين، الذين وصفوا الرواية بأنها “مواجهة جريئة للذاكرة عبر الفن”. كما رأى آخرون أن كزافيي كتب مأساة تاريخية بلغةٍ جمالية وإنسانية عالية، تُوازن بين الألم والاعتراف و الدعوة لمداواة الجراح التاريخية الغائرة. 

خلال السنة الجارية فاجأ هذا الشاب الذي صار كيانه الشخصي إدانة متحركة على قدمين ضد العنصرية، القرّاء  برواية أخرى حملت عنوان «خبز الفرنسيين»، ظهرت بغلافٍ تتوسطه صورة الطفلة زهرة، بطلة الحكاية، لا بل المأساة، بوجهها البريء وعينيها المنكسرَتين.

وقد ردّ الكاتب في أحد اللقاءات قائلًا:

"هدفي أن يكون هناك تصالح جزائري فرنسي عبر مناقشة الذاكرة بدل طمسها، وأدعو السلطات في البلدين إلى التعاون من أجل إعادة الجماجم إلى أرضها لتُدفن بكرامة، وفي مقدمتها جمجمة زهرة التي باتت رمزًا إنسانيًا، وموضوع عريضة إلكترونية تطالب بعودتها إلى وطنها شأنها شأن تسعة آلاف جمجمة تبحث عن عدالة التاريخ و كرامة الذاكرة في متحف يسمى.. متحف الإنسان".
 

الكلمات المفتاحية

بنجامين ستورا
أخبار

ستورا يحذّر من صعود اليمين المتطرف في فرنسا.. ماذا توقّع بشأن العلاقات مع الجزائر؟

وقال ستورا، إن التحدي الأكبر في المستقبل لن يكون سياسياً أو اقتصادياً فقط، بل ثقافياً بالأساس، في ظل محاولات متزايدة لإعادة قراءة التاريخ الاستعماري من منظور يرفض الاعتراف أو الاسترجاع.

القمح
أخبار

الجزائر تشتري كمية جديدة من القمح.. ماذا عن الأسعار والكميات؟

أشارت التقديرات الأولية إلى أن سعر القمح تراوح بين 284 و285 دولاراً للطن شاملاً تكاليف الشحن إلى ميناء مستغانم، فيما بلغ نحو 292 دولاراً للطن بالنسبة للشحن نحو ميناء تنس،


الانتخابات
سياسة

تشريعيات 2026.. هل يصنع "الترند السياسي" المشهد الانتخابي في الجزائر؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في الجزائر، يشهد الخطاب السياسي لدى عدد من قادة الأحزاب تحوّلاً لافتاً نحو أساليب يعتبرها البعض أقرب إلى "الشعبوية السياسية"، فيما يرى آخرون أن طبيعة الاستحقاق الانتخابي تفرض خطاباً أكثر قرباً من المواطن وارتباطاً بانشغالاته اليومية.

أمطار
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية ورياح مرتقبة بعدة ولايات

وتوقع ديوان الأرصاد الجوية أجواء مشمسة تتخللها بعض السحب الركامية على الهضاب العليا ومنطقة الأوراس خلال فترتي الظهيرة والمساء، مع تسجيل تشكل ضباب خفيف قرب السواحل الغربية خلال الصبيحة.

الأكثر قراءة

1
أخبار

الأضاحي المستوردة.. إليك تفاصيل الشحنات والسفن من 6 دول نحو الجزائر


2
أخبار

بعد "هانتا".. استنفار صحي في الجزائر لمواجهة فيروس جديد


3
أخبار

وزيرة فرنسية سابقة تنتقد تأخر باريس في مراجعة علاقتها مع الجزائر


4
أخبار

لا استيراد يتجاوز القدرات المالية.. بنك الجزائر يشدد الرقابة على تمويل الواردات


5
أخبار

3 سنوات حبسًا نافذًا لطالب متهم بتسريب موضوع امتحان "البيام" عبر مواقع التواصل