أزمة الإسلام في فرنسا أم أزمة فرنسا؟

أزمة الإسلام في فرنسا أم أزمة فرنسا؟

جريمة مقتل المعلم الفرنسي أثارت استنكارًا واسعًا في العالم (الصورة: مونت كارلو)

أثار مقتل مدرّسٍ بالقرب من مدينة باريس، من طرف مراهق مسلم الديانة من جنسية شيشانية، جدلًا في الوسط السياسي والإعلامي والأكاديمي الفرنسي، ليُعاد طرح إشكالية اندماج الأجانب بشكلٍ عام في المجتمع الفرنسي، وبينما يُفضّل البعض طرح تساؤلات يراها عميقة وجريئة تتعلّق بمدى تقبل التعاليم الإسلامية للقيم العلمانية والتسامح الديني والتعايش، يرى آخرون أن ظاهرة التطرّف الديني تمسّ العالم الإسلامي والعالم الغربي على حدٍّ سواء.

اليمين المتطرّف يتغذّى اليوم من سلوكات عنيفة لمراهقي وشباب الضواحي بفرنسا

العنف المسلح باسم الدين عانت منه الدول العربية والمغاربية والإسلامية بشكلٍ أكبر؛ حيث كانت المنطقة ساحة للاقتتال والاغتيالات التي طالت علماءها ومفكريها وصحافييها وكلّ من عارض نهج "الخوارج الجدد".    

اقرأ/ي أيضًا:  ماكرون يشبه الاستعمار بالهلوكست.. اعترافٌ فرنسي أم انتقاصٌ من كفاح الجزائريين؟

في هذا السياق، هناك قراءات متعدّدة ومتنوّعة تناولت مسألة الإسلام في فرنسا، لكن دون تعميق النظر إلى سياقات كثيرة ساهمت في صناعة وتشكيل نموذج الإسلام الأوروبي، ويبدو جليًا أن الإسلام في الغرب ينمو بشكل متسارع ومتقابل مع صعود اليمين المتطرّف في فرنسا عمومًا، وأوروبا خصوصًا، مع صعود يميني يتغذّى من معاداة المهاجرين ودياناتهم، والتضييق على الفضاءات الدينية للمسلمين دون الديانة المسيحية واليهودية.

 في ظلّ هذا التدافع والتضييق بات الإسلام والمسلمون في حالة دفاع عن الوجود، وحماية للذات من الإقصاء والتنكر والتهميش، وقد يشكل العنف المادي إطارًا وحيدًا للتعبير عن الرفض والإدانة وإسماع الصوت، وللأسف ضحايا ذلك العنف هم الأبرياء والضعفاء من رجال الفكر والصحافة.

لقد أصبح العنف اليوم وسط هذا التدافع الكوني على المصالح الجيوسياسية والإقليمية والتوسّع الاقتصادي والمالي، تعبيرًا سياسيًا ونفسيًا جماعيًا أكثر منه دينيًا وعقائديًا؛ فلقد تًشكل العنف عند المراهق الشيشاني الذي أقدم على "نحر" الأستاذ، من خلال بنيته السلوكية وبيئته المجتمعية وظروف إقامته كلاجئ بفرنسا أكثر من إيمانه الفكري، فهو ينحدر من وسط متواضعٍ غير متعلّم، وبيئة  يُشكل فيها الشيشانيون في ضواحي باريس عصابات تنشط في المتاجرة بالأسلحة والمخدّرات والممنوعات، وبالتالي فهو قد لا يعبر عبر سلوكه العنيف عن توجّهٍ ديني، بل عن صياغة لهوية دينية، دون العمق الروحي والحضاري.

 تٌمثل هذه الهوية وفق وضعه كلاجئ أو مهاجرٍ شكلًا من أشكال الرفض والتمرّد على القانون، في ظلّ الرفض الرسمي والعداء العلني، وقد تُختزل الجمهورية الفرنسية في مخيلة ذلك الشاب، في كل شخص يمثّل القانون سواءً كان أبيض البشرة أو منحدرًا من أصول أفريقية أو مهاجرة؛ فالشرطي الفرنسي الذي يحتك به في الأحياء المهّمشة يمثل الهوية الفرنسية العنصرية في نظره.

يجدر التنبيه إلى أن البعد والمقاربات السياسية في تناول مسألة العنف المادي والتطرّف الديني في الإعلام الفرنسي، لا تهدف إلى معالجة الظاهرة؛ بل تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية وتوسيع الوعاء الانتخابي والتموقع في المشهد الإعلامي، كل هذاعلى حساب أمن المواطنين وسكينة المجتمع.

اليمين المتطرّف يتغذّى اليوم من سلوكات عنيفة لمراهقي وشباب الضواحي الذين يمثلون حالات استثنائية في المجتمعات الغربية، أمام آلاف من الدكاترة وخريجي المعاهد والجامعات من المهاجرين الذين استطاعوا الاندماج في المجتمع الفرنسي، مع المحافظة على خصوصياتهم الدينية واللغوية دون صراع مع الآخر.

يُطعم اليمين المتطرّف خطاباته أيضًا ببث الخوف والرعب ورسم سيناريوهات مخيفة عن المهاجرين، على غرار وصول رئيس مسلم منحدر من أصول مهاجرة إلى حكم دولة مسيحية تاريخيًا وعلمانية توجّهًا. كل هذا التصعيد يقابله تصعيد عند الطرف الثاني.

لا يُمكن تجاوز نقطة غاية في الأهمية أيضًا، وهي إخفاق فرنسا في تبنّي الإسلام بشكلٍ رسمي، بسبب لوبيات الأوساط المحافظة واليمينية التي ترفض أن يكون الإسلام جزءًا من الهويّة والثقافة الفرنسية، وقد سبق وأن تمكّن وزير الثقافة السابق جاك لوند، من احتواء الخصوصيات الثقافية والإثنية والفنية للفرنسين من ذوي الأصول المغاربية والأفريقية، ضمن الثقافة الفرنسية مع تقديمها في الوسط الإعلامي والفني.

عمومًا، بات اليوم توجيه أصابع الاتهام للديانة الإسلامية كمصدر للعنف تحصيل حاصل في قارة عرفت حربين عالميتين في العصر الحديث، واقتتالًا دينيًا بين الكاثوليك ووالبروتستانت دام لعدّة قرون، إضافة إلى محطات تاريخية مختلفة شهدت اضطاد اليهود.

لا يمكن استئصال الخصوم إلا بطريقة "فيلم العراب"، عندما قررت عائلة "كاروليوني" تصفية خصومها

لا يمكن بتاتًا إنكار ظاهرة التطرف الديني في المجتمعات المسلمة، ولا يمكن أيضًا تبرير العنف المادي والسلوكي، لكن معالجة الظاهرة أمنيًا وقضائيًا وسياسيًا، ستوسّع رقعة العنف والعنف المضاد، فلا يمكن استئصال الخصوم إلا بطريقة "فيلم العرّاب"، عندما قررت عائلة كاروليوني تصفية خصومها في ضربة استباقية واحدة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تصريحات ماكرون تفتح جرح الماضي بين فرنسا والجزائر

بنجامين ستورا: ماكرون يريد تسوية ملف الذاكرة مع الجزائر