أزمة الدكتوراه المُعلّقة بالجامعات.. هل شطب الأطروحات هو الحل؟
24 يونيو 2025
في أيار/ ماي 2024، أُتيحت فرصة ثمينة لعدد من الباحثين للمشاركة في دورة تدريبية تناولت تحديات البحث العلمي وظروف إنجاز أطروحات الدكتوراه. طُرحت خلالها، قضايا جوهرية تتعلق بتأخر إنجاز البحوث الأكاديمية، وتكشّفت أبعاد متعددة لهذه الظاهرة التي لم تعد تُختزل في تقصير الطلبة فقط.
قرار الشطب أثار جدلاً واسعًا وأعاد فتح النقاش حول مسؤوليات الطلبة والمؤطرين والإدارة
وقد تجسّد عمق هذه الأزمة مؤخرًا في قرار شطب 129 طالبًا من طلبة الدكتوراه في جامعة المسيلة، وهو قرار أثار جدلًا واسعًا وأعاد فتح النقاش حول مسؤوليات الطلبة والمؤطرين والإدارة، ومدى فاعلية منظومة التأطير والمتابعة.
من يتحمل تأخير إتمام أطروحات الدكتوراه في الجامعات الجزائرية؟، سؤال يتردّد منذ أيام في أروقة الجامعات الجزائرية، خاصة مع تصاعد مخاوف الطلبة الذين تجاوزوا الآجال القانونية لإتمام أطروحاتهم من خطر الإقصاء وفقدان الحق في المناقشة.
إجرائيا، تتراوح الآجال القانونية لإتمام الدكتوراه بين خمس إلى ست سنوات حسب النظام (LMD أو النظام الكلاسيكي، لكن العشرات من الطلبة تجاوزوا هذه المدة، في ظلّ منظومة تعاني من اختلالات متعددة بحسب المنخرطين في المجال الأكاديمي، وشهادات استقتها "الترا جزائر" من الميدان.
أزمة تأخير أطروحات الدكتوراه.. مسؤوليات متعددة
تطرح الأزمة تساؤلات عدة: هل يكمن الخلل في تأخر الطلبة فقط، أم أن مسؤولية التأطير والمراقبة تقع على عاتق المشرفين والهيئات الأكاديمية؟ ما دور الوزارة في وضع آليات متابعة صارمة؟ وكيف يمكن التوفيق بين حقوق الطالب في التكوين وتحقيق الجودة البحثية؟
تأخير إتمام أطروحات الدكتوراه في الجامعات الجزائرية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه منظومة التعليم العالي والبحث العلمي في البلاد.
الطالب في مرحلة الدكتوراه لا يعمل في فراغ، بل ضمن علاقة إشرافية تتطلب تواصلاً علميًا مستمراً وتصحيحًا منهجيًا لمسار البحث
فمع مرور السنوات، تزايد عدد الطلبة الذين لم ينجزوا بحوثهم ضمن الآجال القانونية المحددة، مما خلق ضغطًا متزايدًا على المؤسسات الأكاديمية.
يضع قرار شطب 129 طالبًا دكتوراه؛ الآلاف أمام مخاطر الإقصاء وفقدان حق المناقشة، كما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول جذور هذه الأزمة ومسؤوليات الأطراف المعنية.
هذا التجاوز لا يُفسر فقط بإهمال الطالب أو تأخره، بل يعكس تحديات متعددة، منها ضعف المتابعة المستمرة، وتراكم الضغوط الأكاديمية والاجتماعية. في بعض الأحيان، تُمنح تمديدات، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية التي ترتبط بنظام متابعة غير فعّال وآليات تحفيز غير كافية.
يطرح هذا الواقع تساؤلاً هامًا حول مدى ملاءمة النظام الحالي مع واقع البحث العلمي في الجزائر، وإمكانية إعادة النظر في الآليات التي تسمح بمرونة أكبر دون المساس بجودة البحث.
قائمة تفتح باب الأسئلة
من خلال قراءة للقرار؛ يرى البعض أن ما حدث في جامعة المسيلة بتاريخ 12 جوان 2025 لم يكن مجرد قرار إداري عادي بشطب مجموعة من طلبة الدكتوراه، بل هو إشارة قوية إلى وجود خلل عميق في منظومة التأطير والبحث العلمي داخل الجامعة.
بعد أن استنفد هؤلاء الطلبة جميع الفرص القانونية للتمديد والتسجيل، وانقطعوا عن إنجاز مشاريعهم البحثية، أقر المجلس العلمي قرار الشطب، وهو قرار قانوني لا غبار عليه.
لكن ما أثار الانتباه هو ما كشفته القائمة المنشورة من بيانات مثيرة: تكرار اسم أحد الأساتذة المشرفين في 11 ملفاً من طلبة الدكتوراه المشطوبين، ما يشير إلى أنّ 11 مشروع بحثي فشلوا تحت إشراف نفس المؤطر.
الباحثة جميلة جفال من جامعة باتنة لـ" الترا جزائر:" المسؤولية موزعة بين الطرفين، الطلبة والمؤطرين، لكن جزءًا كبيرًا من التأخر يعود إلى سلوكات شخصية لدى بعض الطلبة
يطرح هذا التكرار الملفت تساؤلات عميقة تتجاوز مسؤولية الطلبة وحدهم، وتثير علامات استفهام حول جودة منظومة التأطير ذاتها.
هل من المعقول أن يفشل هذا العدد الكبير من الطلبة بشكل مستقل وبالصدفة تحت إشراف شخص واحد؟ أم أن الخلل الحقيقي يكمن في جودة الإشراف وتطبيق قواعده؟ وهل كان هذا المؤطر يفي بواجباته كما تفرضها القوانين، أم اقتصر دوره على توقيع إداري دون متابعة فعلية؟
من الناحية القانونية، يُلزم القانون الأستاذ المؤطر بمتابعة أعمال الطلبة بانتظام، وتقديم تقارير سنوية دقيقة عن تقدمهم وفقًا للمادة 57 من المرسوم التنفيذي رقم 22-208 الصادر بتاريخ 5 حزيران/ جوان 2022.
ومن خلال هذه الجزئية الإدارية؛ فإنّ تكرار حالات الفشل بهذا الشكل يفتح احتمالين: إما أن هذه التقارير كانت شكلية ولا تعكس الواقع، أو أن الإدارة الجامعية تغاضت عن تقصير واضح في متابعة عملية التأطير.
وبالتالي فإنّ تحميل الطلبة وحدهم مسؤولية هذا الفشل الجماعي يُعد تبسيطًا مخلًا للواقع، وقد يُفسر كتجاهل ممنهج لتقييم أداء التأطير.
قرار صادم
في سياق الجدل الذي أثاره قرار شطب العشرات من طلبة الدكتوراه بجامعة المسيلة، تباينت آراء الباحثين حول من يتحمّل مسؤولية هذا الإقصاء الجماعي.
كثير من الطلبة يعانون من ضغوط اجتماعية وعائلية لا يُفهم حجمها خارج القاعات الدراسية
كما دعا عدد من الباحثين في سلك الدكتوراه إلى عدم تجاوز هذه القضية دون فتح تحقيق إداري وأكاديمي شامل، يشمل مراجعة جميع التقارير السنوية والتثبت من مدى احترام المؤطر لمهامه، والاستماع إلى شهادات الطلبة حول طبيعة الدعم والإشراف الذي تلقوه.
واعتبرت الباحثة جميلة جفال من جامعة باتنة (شرق الجزائر)، أنّ المسؤولية موزعة بين الطرفين، الطلبة والمؤطّرين، لكنّها أكدت أن جزءًا كبيرًا من التأخّر يعود إلى "سلوكات شخصية" لدى بعض الطلبة، قائلة:
"قد يستحق البعض فرصة أخرى لأسباب تتعلّق بالمشرف أو صعوبة النشر أو طبيعة موضوع الأطروحة، بل حتى لظروف اجتماعية أو نفسية قاهرة. لكنّ الغالبية، للأسف، تماطلوا وتساهلوا حتى مرّت السنوات دون تقدّم يُذكر".
وأضافت: "كونك طالب دكتوراه لا يُعفيك من المسؤولية، بل قد تُحاسب أكثر من غيرك لأنك فشلت في تنظيم أولوياتك، وهذا بحد ذاته دليل على أنك غير مؤهّل لتحمّل تبعات هذه الشهادة".
أمّا الباحثة نورية غضاب من جامعة الشلف، فعبّرت عن استغرابها من تنفيذ قرار الشطب دون المرور بمراحل إنذارية، مشيرة إلى أن العديد من الجامعات قامت بإشعار الطلبة المتأخرين ومنحتهم مهلة قانونية لمناقشة أطروحاتهم.
وقالت لـ" الترا جزائر" :"قبل الشطب، ألم يكن من المفروض أن يتم توجيه إنذارات رسمية للطلبة؟ كثير من الجامعات سبقت إلى هذه الخطوة، وأعطت فرصة أخيرة للمتأخرين، فلماذا لم تُمنح في هذه الحالة؟".
الباحث كريم سعيداني من جامعة الجزائر: المسؤولية مزدوجة بين الطالب والمؤطر، لكن القرار كان يجب أن يُراعي خصوصية بعض الحالات
من جهته، اعتبر الباحث في التكنولوجيا بجامعة الجزائر كريم سعيداني أن المسؤولية مزدوجة بين الطالب والمؤطّر، لكنه انتقد ما وصفه بـ"المقاربة الإقصائية"، مبرزًا أن القرار كان يجب أن يُراعي خصوصية بعض الحالات.
وقال:"مهما كان الأستاذ سيئًا، لا يمكن أن يفشل كل الطلبة دفعة واحدة. كل طالب يتحمّل جزءًا من مسؤولية إخفاقه، وكان عليه أن يُبادر بالشكوى أو طلب التغيير قبل الوصول إلى قرار الإقصاء".
وتابع:"لا يجوز شطب هؤلاء الطلبة لأن عددًا منهم أساتذة جامعيون خريجو النظام القديم (ماجستير)، ومن غير المنصف أن يُسمح لجيل من الباحثين بإكمال الدكتوراه بعد 10 سنوات، ويُمنع آخرون من فرصة مماثلة".
وأشار في الأخير:" الطالب في مرحلة الدكتوراه لا يعمل في فراغ، بل ضمن علاقة إشرافية تتطلب تواصلاً علميًا مستمراً، وتصحيحاً منهجياً لمسار البحث."
تأخير الأبحاث.. الأسباب
تختلف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى تأخر الطلبة في إتمام أطروحات الدكتوراه، وهي تحديات "معقدة" أكاديمية ومادية وإدارية، يمكن تعدادها على النحو التالي:
- يعاني العديد من طلبة الدكتوراه من نقص واضح في الدعم الأكاديمي والإداري، حيث لا يجدون الإرشاد الكافي الذي يمكن أن يسهل عليهم تجاوز العقبات البحثية.
- كثيرون منهم يشكون من ضعف التواصل مع المشرفين، مما يتركهم في حالة من العزلة العلمية ويضعف من دافعيتهم، كما أكد ذلك بعض الباحثين الذين تحدثوا عن صعوبة الحصول على متابعة دقيقة، أو حتى لقاءات دورية منتظمة مع المشرفين.
- لا يمكن تجاهل التأثير الكبير للظروف المالية الصعبة التي يمر بها عدد كبير من الطلبة، إذ يضطر البعض منهم للعمل إلى جانب الدراسة لتأمين حاجاتهم المعيشية، مما يؤثر بشكل مباشر على تركيزهم وقدرتهم على الاستمرارية في البحث.
- يُواجه الطلبة أعباء بيروقراطية معقدة وعراقيل إدارية تعيق إنجاز الخطوات الأساسية في مسارهم الأكاديمي، من تسجيل، إلى طلب تمديدات، وحتى إجراءات المناقشة، ما يخلق شعورًا بالإحباط ويزيد من تأخره.
غير أن التحديات لا تقتصر على العوامل الخارجية فقط، بل أشار عدد من الأساتذة إلى وجود حالات من التسويف والتأجيل من قبل بعض الطلبة، الذين يستغلون ضعف الرقابة وعدم وجود عقوبات صارمة، مما يفاقم من المشكلة ويجعل إنهاء المشاريع البحثية أكثر تعقيدًا.
الحل .. غلق قائمة المتأخرين
لمواجهة هذه الأزمة المتفاقمة، بدأت بعض الجامعات في اتخاذ إجراءات لتحفيز الطلبة على إنهاء أبحاثهم ضمن الآجال المحددة. من بين هذه الخطوات، إعلان مهل نهائية واضحة لإنجاز الأطروحات، كما حدث في بعض الجامعات التي منحت الطلبة المتأخرين مهلة حتى نهاية عام 2025 قبل اتخاذ قرارات شطب نهائية.
ويؤكد المختصون على ضرورة تبني حلول شاملة تشمل وضع جداول زمنية صارمة، مع متابعات دورية وتقييمات مستمرة، ما يتيح تحديد مكامن الخلل مبكرًا ومعالجتها، وتطوير آليات المتابعة وتبسيط الإجراءات، في محاولة لإنهاء الأزمة وفتح فرص جديدة للباحثين الجُدد.
الكلمات المفتاحية

"فهل تم حذف الفلسفة؟".. رد الوزير يشعل جولة جديدة من الجدل
كان الوزير قد رد على مقال نشره الباحث كريم جدي بعنوان "رسالة إلى السيد وزير التربية.. إقصاء الفلسفة هو إعلان لموت العقل"، بعد أن بادر إلى التواصل معه لتوضيح موقف الوزارة من الجدل المثار بشأن المادة.

وصف طفلة بعبارات مهينة يفجّر موجة استنكار واسعة في الجزائر
وسرعان ما انتشر المقطع على نطاق واسع، مخلفًا موجة غضب كبيرة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت آراء المتابعين حول مضمون الفيديو، بينما أجمع عدد كبير من النشطاء على رفض استخدام أوصاف مهينة بحق طفلة قاصر، مؤكدين أن الأطفال لا ينبغي أن يكونوا محل إساءة أو تنمر، وأن أي نقاش يتعلق بلباسهم أو تربيتهم يجب أن يتم بلغة مسؤولة تراعي سنهم وتحفظ كرامتهم.

من التنمر إلى قبة البرلمان.. كيف تحولت زهية بن قارة إلى عنوان للنقاش حول الكفاءة في الجزائر؟
لم يكن فوز زهية بن قارة بمقعد في المجلس الشعبي الوطني عن ولاية ميلة حدثًا انتخابيًا عاديًا، بل أعاد إلى الواجهة قصة امتدت لسنوات، بدأت بحملات تنمر وسخرية استهدفتها على منصات التواصل الاجتماعي بسبب مظهرها وصوتها، وانتهت بوصولها إلى المؤسسة التشريعية بعد أن منحها الناخبون ثقتهم.

لم يغلق باب المنتخب.. سليماني يساند حمداني ويحدد شرط نجاحه مع "الخضر"
منح الدولي الجزائري إسلام سليماني دعمًا واضحًا للمدرب الجديد للمنتخب الوطني إبراهيم حمداني، داعيًا الجماهير الجزائرية إلى منحه الوقت والثقة، ومؤكدا أن الحكم على تجربته يجب أن يكون بعد خوضه أولى الاستحقاقات وليس قبلها.

مترشحو مسابقة التوظيف بقطاع التربية.. هذا موعد سحب الاستدعاءات
تستعد وزارة التربية الوطنية لفتح المنصة الرقمية الخاصة بمسابقة التوظيف على أساس الاختبارات للالتحاق بالرتب الإدارية بعنوان سنة 2026، أمام المترشحين المعنيين، لتمكينهم من سحب استدعاءاتهم الخاصة بالاختبارات الكتابية.

بعد مأساة أيوب.. طفل آخر يفقد حياته داخل بئر بسطيف
بعد أيام قليلة من مأساة الطفل أيوب بولاية البيض، عادت حوادث السقوط في الآبار إلى الواجهة، وهذه المرة من ولاية سطيف، حيث توفي طفل يبلغ من العمر 15 سنة إثر سقوطه داخل بئر بعمق نحو 30 مترا.

قرار جويلية يٌلغى.. ماذا سيتغير في مواقيت ومعاملات الثانوي؟
ألغت وزارة التربية الوطنية القرار رقم 20 المؤرخ في 28 جويلية 2026، والمتضمن المواقيت والمعاملات الخاصة بمرحلة التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، وذلك بموجب قرار جديد مؤرخ في 9 سبتمبر 2026، في خطوة تعيد تنظيم المرجعية المعتمدة في هذا الجانب مع اقتراب الموسم الدراسي 2026-2027.



