أزمة السيارات في الجزائر.. وِلادة مِهن الظلّ
8 يونيو 2025
تجاوزت أزمة السيارات في الجزائر حُدود النُّدرة الحادة وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، لتُفرز واقعًا جديدًا تمثّل في بُروز مِهن جديدة، نشأت في ظلّ غياب إطار تنظيمي وهيكلي واضح في السوق.
تُدار مهن الظلّ من خلف الشاشات، حيث وُلدت من رحم أزمة السيارات وفرضت وجودها في السوق بلا إطار قانوني
في غياب الحلول الجذرية لتحديات سوق السيارات في الجزائر، ظهرت مهن ظلّ تُدار من خلف الشاشات، يُمارسها شباب خارج الأطر الرسمية، لكنهم باتوا يحرّكون السوق من وراء الكواليس، في واقع جديد وُلد من رحم الأزمة.
أزمة السيارات.. الفُرص من الفوضى
في زاوية صغيرة من غرفته المتواضعة، وبين سرير غير مرتب وطاولة بسيطة، يجلس ياسين على كرسي بلاستيكي، مستغرقًا في مكالمة هاتفية تجاوزت الساعة، وكأنها صفقة تجارية كبرى. لكنه في الواقع لا يملك مكتبًا، ولا سيارة، ولا حتى وثيقة رسمية تُثبت انتماءه لقطاع السيارات.
ورغم ذلك، يتلقى يوميًا اتصالات من مختلف ولايات الوطن: بعضهم يبحث عن سيارة، وآخرون يطلبون وساطة، أو يسعون لنصيحة حول السوق.
هو شاب في العشرينيات من عمره، إذ لم يدرس ياسين التسويق ولا التجارة، لكنه نجح في ظرف أشهر قليلة في أن يفرض اسمه داخل مجموعات "فيسبوك" المخصّصة لبيع وشراء السيارات.
بهاتف محمُول واتصال بالإنترنت فقط، يمارس عملاً غير رسمي لكنه مُربِح؛ إذ يُوفّق بين البائع والمشتري، ويحصل على عمولته دون أن يرى السيارة أو يلمسها.
ياسين ليس حالة فريدة، بل يُمثّل نموذجًا لآلاف الشباب المنتشرين في مختلف ولايات الجزائر، ممن رأوا في أزمة السيارات فرصة غير متوقعة لتحقيق دخل سريع.
لكلّ واحد منهم طريقته الخاصة في الإقناع، وشبكته من البائعين والمشترين، لكن ما يجمعهم جميعًا أنهم يعملون خارج الأطر القانونية، في نشاط لم يُعترف به رسميًا، رغم تحوله إلى عنصر فاعل في السوق.
قائمة بالمِهن الجديدة
تعُود أزمة السيارات في الجزائر إلى سنة 2019، حين توقّف الإنتاج المحلي بشكل شبه كلّي بعد تورّط أصحاب مصانع التجميع في قضايا فساد، ما أدّى إلى غلق هذه الوحدات وخروجها من السوق.
ورغم محاولات إطلاق مشاريع بديلة، إلا أنّ هذه الأخيرة لم تنجح في سدّ الفجوة، خاصة مع تأخّر دخول المصانع الجديدة حيّز الخدمة، باستثناء مصنع "فيات" الذي شرع فعليًا في الإنتاج سنة 2024، ولكن بطاقة إنتاج محدودة لا تلبّي الحاجيات المتزايدة للسوق المحلية.
منصات التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى ساحات بيع وشراء ووساطة خارج القانون
وفي الوقت نفسه، توقّفت الجزائر تمامًا عن استيراد السيارات بعد تطبيق نظام "كوطة الاستيراد" سنة 2023، والذي فرض قيودًا صارمة على الواردات في إطار سياسة تهدف إلى حماية الصناعة الوطنية وتقليل التبعية للأسواق الخارجية.
غير أنّ هذه الإجراءات، وعلى الرغم من وجاهتها الاقتصادية، تسبّبت في خلق فجوة ضخمة في السوق لم تُسدّ، ما نتج عنه نقص حاد في السيارات وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، بحسب الخبير الاقتصادي كمال ديب.
وسط هذا المشهد المتأزم، ظهرت مجموعة من المهن الجديدة التي نشأت من رحم الأزمة، والتي بدأت تلعب دورًا ملموسًا في السوق، رغم كونها غير منظّمة ولا تخضع لأي إطار قانوني واضح.
من أبرز هذه المهن؛ نشاط مستوردي السيارات المستعملة التي يقلّ عمرها عن ثلاث سنوات، حيث يقوم هؤلاء بشراء سيارات من الخارج باسم الزبائن مقابل عمولة محددة، ما يمنح هؤلاء فرصة اقتناء مركبات شبه جديدة بأسعار تنافسية، رغم التعقيدات الإدارية والمخاطر القانونية المرتبطة بالاستيراد المباشر.
إلى جانب ذلك، برز وسطاء الاتصالات الرقمية الذين يربطون بين البائعين والمشترين عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويسهّلون إبرام الصفقات عن بُعد، بالإضافة إلى مستشاري الأسعار الذين يقدمون نصائح للزبائن حول التوقيت الأمثل للشراء بناءً على تحليل متغيرات السوق.
كما برز محللو سوق السيارات الذين يجمعون البيانات حول العرض والطلب ويصدرون تقارير دورية تساعد الفاعلين على اتخاذ قرارات أكثر دقة، في حين يعمل مزودو خدمات تتبّع الإعلانات على إخطار الزبائن فور ظهور عروض جديدة عبر الإنترنت.
الخبير الاقتصادي كمال ديب لـ" الترا جزائر": تقنين هذه الأنشطة لا يعني القضاء عليها، بل يُسهم في تعزيز شفافيتها وتقليل مخاطر الاحتيال
من جهتهم، يتولّى منسقو مواعيد المعاينة ترتيب زيارات المعاينة بين الطرفين، ما يساهم في تقليص التنقلات غير الضرورية وتسريع العملية.
وواكب صانعو المحتوى الرقمي المشهد، حيث يقدمون فيديوهات ومقالات تعريفية تسهّل على الزبائن فهم تحولات السوق، رغم أن هذا المحتوى غالبًا ما يفتقر إلى الأسس المهنية الدقيقة.
في ظلّ غياب قروض السيارات، ظهر أيضًا وسطاء يقدمون حلول تمويل غير رسمية للشراء، ما يزيد من المخاطر المالية، في حين يشرف مشرفو مجموعات البيع والشراء على تنظيم التفاعل داخل منصات التواصل وضبط النقاشات بين البائعين والمشترين.
وقد برز كذلك خبراء تقييم السيارات عن بُعد، الذين يقدمون تقديرات تقريبية لحالة المركبة بناءً على الصور والمعلومات المقدّمة، فيما يسهّل منسقو الوثائق غير الرسميين الإجراءات الإدارية، غالبًا عبر تجاوز البيروقراطية المألوفة في القنوات الرسمية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي كمال ديب أنّ هذه المهن، رغم طابعها غير الرسمي، أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة سوق السيارات في الجزائر.
ويرى ديب في تصريحات لـ" الترا جزائر" أنّ تقنين هذه الأنشطة لا يعني القضاء عليها، بل بالعكس، يُسهم في تعزيز شفافيتها وتقليل مخاطر الاحتيال والاستغلال، ما سينعكس إيجابًا على استقرار السوق وحماية حقوق كل من العاملين والمستهلكين.
تنظيم سوق السيارات مِحور مُقترحات برلمانية
في ظلّ هذه التطورات غير الرسمية التي تشكل واقع سوق السيارات اليوم، يبرز الدور الحيوي للسلطات التشريعية، حيث عبّر النائب أحمد بلجيلالي عن رُؤية متكاملة تسعى إلى تقنين وتنظيم هذه المِهن والممارسات، لضمان استقرار السوق وحماية حقوق المواطنين.
هذه المهن، رغم طابعها غير الرسمي، أصبحت مكوّنًا رئيسيًا في منظومة سوق السيارات في الجزائر
من جانبه، أبدى النائب في المجلس الشعبي الوطني وعضو لجنة المالية والميزانية، أحمد بلجيلالي، اهتمامًا خاصًا بملف أزمة السيارات، معتبرًا أن معالجته تتطلب نهجًا واقعيًا وهادئًا يأخذ في الاعتبار تطلعات المواطنين والتحديات الراهنة.
وفي مراسلات موجهة إلى وزير الصناعة ووزير التجارة، اطلعت عليها "الترا جزائر"، دعا بلجيلالي إلى تسريع وتيرة الحلول وتنظيم السوق بشكل يعيد له التوازن ويطمئن المواطنين.
ويتعلق ذلك خاصة بأولئك الذين دفعوا تسبيقات مالية تصل إلى عشرة بالمئة من سعر المركبة منذ أكثر من سنة دون أن يحصلوا على مؤشرات واضحة بشأن مواعيد التسليم.
النائب أحمد بلجيلالي لـ" الترا جزائر": تنظيم سوق السيارات لا يقتصِر على التدخل التقني، بل يتطلب رؤية شاملة تستند إلى مبادئ الشفافية والانضباط
وأكد النائب في تصريح لـ"الترا جزائر" أنّ مُعالجة هذه الإشكالات لا تقتصر على التدخل التقني من الجهات الوصية فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تستند إلى مبادئ الشفافية والانضباط في تنفيذ الالتزامات التجارية.
وأضاف أنّ تنظيم سوق السيارات عبر ضبط عمليات الاستيراد، وتفعيل الرقابة على عقود البيع، وإعادة تقييم قدرات الوكلاء، من شأنه إعادة الثقة في السوق الوطنية ودعم جهود الدولة لمحاربة الفوضى والمضاربة.
كما نوّه بلجيلالي بأهمية تقنين المهن الجديدة المرتبطة بسوق السيارات وتسوية وضعية المركبات المحجوزة والتي لم تُسلّم بعد، معتبرًا ذلك جزءًا من حل متكامل يساهم في الحدّ من السوق الموازية ويدعم استقرار القطاع.
وختم معبرًا عن ثقته في تجاوب السلطات المعنية مع هذه المقترحات، ومؤكدًا استعداد البرلمان ولجانه المختصة لمرافقة أي توجه إصلاحي يخدم المواطن ويعزز مبدأ الشفافية ضمن رؤية اقتصادية مُتوازنة.
الكلمات المفتاحية
الجزائر توسّع حضورها البنكي في إفريقيا.. كيف يُمكن تدارك سنوات الغياب؟
وشكل الغياب المصرفي للجزائر في القارة السمراء أحد العوائق التي كانت تصعّب دخول المنتجات الجزائرية إلى أفريقيا، إلا أن هذا الأمر أصبح أحد الملفات التي تعمل الحكومة على تذليله ضمن خططها لرفع الصادرات خارج المحروقات، وذلك بفتح بنكين في موريتانيا والسنغال في 2023، والسعي لتوسيع العملية إلى دول أخرى.
الجزائر تُنوّع شراكاتها الاقتصادية.. انفتاح محسوب أم إعادة تموضع؟
وبين من يعتبر هذا التحول بداية لبراغماتية اقتصادية جديدة، ومن يراه مجرد إعادة تموضع تدريجي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تعيد الجزائر فعليا صياغة خريطة شركائها الاستثماريين، أم أنها تحاول فقط الانتقال نحو توازن خارجي أكثر اتساعا؟
الجزائر ثاني أكبر مورّد للغاز إلى إسبانيا.. ماذا تكشف الأرقام؟
وبلغت صادرات الغاز الجزائري إلى إسبانيا نحو 9.79 تيراواط/ساعة خلال أبريل/نيسان الماضي، ما يمثل 34.1 بالمائة من إجمالي واردات مدريد من الغاز، مقابل 11.37 تيراواط/ساعة في مارس 2026 و9.87 تيراواط/ساعة في أبريل 2025.
الجزائر توسّع حضورها البنكي في إفريقيا.. كيف يُمكن تدارك سنوات الغياب؟
وشكل الغياب المصرفي للجزائر في القارة السمراء أحد العوائق التي كانت تصعّب دخول المنتجات الجزائرية إلى أفريقيا، إلا أن هذا الأمر أصبح أحد الملفات التي تعمل الحكومة على تذليله ضمن خططها لرفع الصادرات خارج المحروقات، وذلك بفتح بنكين في موريتانيا والسنغال في 2023، والسعي لتوسيع العملية إلى دول أخرى.
بالصور.. مشاهد صادمة من داخل كبرى المسابح بالجزائر العاصمة
بحسب بيان ولاية الجزائر "شملت الزيارة أحواض المركب المائي بالمركب الأولمبي"محمد بوضياف"، ومسبح المركب الرياضي النسوي ببن عكنون، ومسبح أول ماي، ومسبح المركب الرياضي أحمد غرمول بسيدي امحمد،
أول طائرة شحن تصل إلى قسنطينة محمّلة بأضاحي مستوردة من المجر
أوضح المسؤول، في تصريح لوسائل الإعلام، أن هذه الحصة تمثل "الدفعة الأولى من الأغنام المستوردة من دولة المجر"، مشيرًا إلى تسخير أسطول جوي ابتداءً من يوم السبت وإلى غاية الثلاثاء لضمان سير العملية في ظروف منظمة وسريعة
طقس الجزائر.. أجواء مستقرة وسماء صافية في معظم المناطق
أفاد الديوان الوطني للأرصاد الجوية، بأن الأجواء ستكون مستقرة وصافية عبر مختلف مناطق الوطن، اليوم الأحد، مع سماء خالية من السحب في أغلب الفترات.