أزمة شفافية… تكاثف شعب وشمّاعة المؤامرة
2 سبتمبر 2026
مقال رأي
تُعرّي حرائق ولاية جيجل ومناطق متفرقة في الشّرق الجزائري، مثلها مثل الكوارث السّابقة التي حلت بالجزائر، ضعف الميكانيزمات المؤسّساتية الّتي بلغت أقصى درجات الإنهاك الهيكلي، حيث يسيطر العجز المزمن على نية الاستباق، ويسيطر التّقصير على إمكانية التّدخل المبكر، مع نقص فادحٍ في الإمكانيات اللوجستية، إضافةً إلى الإسراع إلى إيجاد حلول سريعة ومسكّنات ظرفية.
يتطلّب تجاوز هذه الفجائع المتكرّرة قطيعةً جذريةً مع التّسيير الانفعاليّ وإدارة الكوارث عبر الخطاب السّياسي الواضح، مع الانتقال الفوريّ نحو حوكمةٍ مؤسّساتيةٍ قائمةٍ على الشّفافية والجاهزية، من خلال خطواتٍ عمليةٍ ومفصلية، مثل إنشاء هيئةٍ مستقلةٍ لإدارة الكوارث والمخاطر الكبرى تُكلَّف حصريًا بتتبّع المخاطر البيئية
يكشف كلّ هذا عن مؤشّراتٍ مخيفة تكشف السّتار على أزمة عميقةٍ تعدّت منذ زمن حدود الإخفاق التّقني لتغدو فلسفةً مُعتمدةً لإدارة الأزمات. وأمام هذه الكارثة، تلجأ بعض الجهات الرسمية إلى غلق منافذ المعلومة.
من هذا المُنطلق، يحوّل هذا التّملص المنظّم والهروب المستمرّ نحو الخطاب "المؤامراتيّ" هذه الفاجعة الإنسانية إلى شرخٍ سياسيٍّ واجتماعيّ، وأزمة مزمنة في الثّقة، وفي ظل هشاشةٍ مُناخية متزايدة في المنطقة، يُكرّس احتكار البيانات والامتناع عن إعلان الحصيلة الدّقيقة انقطاعَ رابط الحماية والأمان المفترض بين السّلطة والمواطنين
ضبابية الإحصاء الرّسميّ
تنتج إدارة مثل هذه الكوارث عبر التكتّم والصّمت المُريب حالةً من تضارب المعلومات الّتي تُفقد الفعل الرّسميّ نجاعته وتسلبه مشروعية التّدخل، وعوض أن تؤدّي المؤسّسات الرّسمية دور النّاشر الموثوق والمصدر الأوّليّ للبيانات، تكتفي ببلاغاتٍ مُقتضبةٍ تتّسم بالعمومية الشّديدة والصّياغات الجافة، وغياب فادح للأرقام الدّقيقة، ما يزيد المشهد تعقيدًا وغموضًا.
يُلغي هذا الامتناع عن مسك سجلّاتٍ دقيقةٍ ومفتوحة للضّحايا والخسائر المادية ذلك البعد الإنسانيّ والأخلاقيّ للكارثة، ويجعل من حصر الأضرار عمليةً إداريةً مجرّدةً وبائسة.
من ناحيةٍ أُخرى، يمنع هذا التّكتم مراكز البحث العلمي والخبراء البيئيّين من تحليل النّماذج السّلوكية للحرائق، وهو ما يعطّل بناء أي استراتيجيات استباقية أو خرائط مخاطر دقيقة مستقبلاً
انكسار الإعلام وانتشار الرّصد الرّقمي
يتجلّى هذا العجز الإداريّ بوضوح أيضًا في سلوك المشهد الإعلاميّ السّائد، حيث تخلّت وسائل الإعلام الرّسمية والخاصّة على حدّ سواء عن أدوات الاستقصاء الميدانيّ لصالح نقل الخطاب الرّسمي ورواياته المُقتضبة وقراراته العشوائية، إضافة إلى تغطية النّشاط البيروقراطيّ.
وبدل أن يتنقل الصّحفيّون مثلًا إلى ولاية جيجل والمناطق المتضرّرة والمنكوبة في أقاصي المداشر والقرى النّائية لجمع الشّهادات وتقييم كفاية الوسائل ورصد الثّغرات اللوجستية، اكتفت غالبية هذه الوسائل بالصياغات الرّسمية الجاهزة، والتّركيز الفولكلوريّ على استعراض زيارات الطوارئ للوفود الحكومية والهبّات الشّعبية وكذا التّصريحات الرّسمية الّتي تجنّبت الحديث عن عدد الضّحايا .
إنّ هذا التّقصير واكتفاء الصحافة بدور "مكبّر الصّوت" للسّلطات أدّى إلى شلّ الوظيفة الرقابية للإعلام في أحرج اللّحظات الوطنية، كما دفع هذا الفراغ الإعلاميّ الرّهيب بالمجتمع المحليّ والناشطين إلى الارتجال الرّقمي للحلول، حيث تولّت المبادرات الفردية والجمعوية مهمّة بناء قاعدة بياناتٍ بديلةٍ عبر شبكات التّواصل الاجتماعي
في هذا السّياق، اعتمدت هذه الشّبكات الشّعبية على قوائم مفتوحة وتتبّعٍ ميدانيٍّ مباشر لتشخيص الاحتياجات، وحصر أسماء المفقودين والضّحايا، وتوثيق حجم الدّمار الذي لحق بالممتلكات والثروة الحيوانية.
قد تعكس هذه الجهود الذّاتية حيويةً مدنيةً وقدرةً عاليةً على التّنظيم التّشاركي في أوقات الشّدة، لكنّها تُبرز من جهةٍ أُخرى فراغًا مؤسساتيًا فشلت فيه الهياكل المكلفة بالتواصل العمومي في الرّبط بين الدولة والمجتمع
التّضامن الشّعبي واختزال الواجب الرّسميّ
لقد امتدّ هذا التبدّل الوظيفيّ الخطير إلى مجال الإغاثة والمساعدات الميدانية، حيث قُوبلت الكارثة - كالعادة - بعاطفةٍ اجتماعيةٍ جارفة جنّدت الإمكانيات الأهلية وسيّرت القوافل الإنسانية العابرة للولايات نحو جيجل والمناطق المنكوبة.
مع ذلك، أصبح تحويل هذا التّضامن التّلقائي النّبيل إلى آليةٍ مسلّمٍ بها للتّغطية على نقص التّجهيز الحكوميّ الّذي يمسّ بشرعية ومفهوم "الدّولة الحديثة
تبقى حماية المواطنين وإجلاء العائلات في أوقات الخطر، وإعادة بناء المناطق المتضررة التزاماتٍ سيادية أصلية مرتبطة بإدارة المال العام وتوزيع أعباء الضّرائب، ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال إخضاعها لمنطق "الهَبّة" أو السّخاء التبرعي للمواطن الجزائريّ.
مع الأسف، أفرغ ارتياح السّلطة لتكفّل التّضامن الشّعبي بالتّبعات المادية والإنسانية للإغاثة ذلك العقد الاجتماعي من مضمونه الحقوقي، واستبدل الحق المكتفل به دستوريًا وقانونيًا بالواجب الأخلاقيّ المجرّد للمجتمع، كما أنّ هذا الامتصاص الأمنيّ والتّنظيمي لآثار الكارثة عبر الوعاء الأهلي أعفى المؤسّسات التّنفيذية والوزارات المعنية من الخضوع للمساءلة والمحاسبة عن غياب مخطّطات الطّوارئ وتأخّر التّدخّل اللوجستي، كما تُستغلّ النخوة الشعبية لحجب تقصير جهاز الدولة عن أداء مهمته الأولى الّتي تكمن في حماية الأرواح والممتلكات
تضحيات الميدان والبطولات الإنسانية
وسط هذا الانكسار الهيكليّ، يدخل أفراد الحماية المدنية وسلك الغابات في مواجهة غير متكافئة أمام جحيم النّار، ليتحوّلوا إلى خطّ الدّفاع الأخير بين المواطن والموت.
خاض هؤلاء الأعوان معاركهم في التّضاريس الوعرة بأجسادهم وحواسهم، مجهزين بإمكانيات غير كافية لا تصمد أمام التّحولات المناخية العنيفة ومفاجآت الرّياح والنّيران، فأُجبروا على تعويض العجز اللوجستي بالاستبسال الفردي واستنزاف الجهود البدنية والصحية.
في خضمّ ذلك، نجد أنّ أعمق أشكال الظّلم الاجتماعيّ والسّياسي لا تكمن في قساوة الميدان، لأنّ هذه المهنة الشريفة والبطولية تتطلّب ذلك، ولكن في تعاطي المسؤولين مع هذه التّضحيات ، فيُحوّل هذا التّوظيف الرّمزي عون الحماية المدنية من منفّذ لخدمة عمومية تضمنها الدّول الحديثة، إلى حطب سياسيّ يُستهلك لتغطية العورة، فتُستبدل المساءلة عن غياب وسائل الوقاية بالإشادَة العاطفية بـ "البطولة"،
ما يكرّس استنزافًا بشريًا غير عادل يُحمّل أفراد الصّفوف الأمامية، كما المواطن، ذلك الثّمن النّهائي للإفلاس المؤسّساتي.
شمّاعة "اليد الخفية" والهروب من المساءلة
يتم الاعتماد في تفسير الكوارث البيئية المتكرّرة على السّردية المؤامراتية، وتستغلّ كأداةٍ سياسيةٍ مجرّبة لتحويل الاتّهام وإغلاق باب النّقاش التقني والمؤسساتي والمُحاسبة، ومن ناحيةٍ أخرى، يُعاد تدوير مقولة "الفاعل الخارجي" أو "أيادي التّخريب والإجرام" مع كلّ حريق صيفيّ لتبرير الإخفاقات الكبرى، مثل عجز الأسطول الجويّ المتخصّص، وضعف التّنسيق العملياتي بين القطاعات الوزارية، وتدهور شبكات الإطفاء الأرضية.
يحيد هذا التفسير المؤامراتي، والتّلويح بعقوبة الإعدام كعقاب لهؤلاء بالنّقاش العمومي عن مجاله الإداريّ والتّقني، ليلغي أيّ مكانةٍ للنّقد الهيكلي أو للمحاسبة الدّورية للمسؤولين عن القطاعات الغابية والحماية المدنية والإدارة المحلية. ويمنح تحويل الكارثة الطبيعية أو التقصير الإداري إلى مواجهة أمنية السلطة غطاءً مريحًا لتجنّب مراجعة سياساتها الوقائية، وتأجيل الاستثمار الحقيقيّ في البنيات التّحتية لإدارة المخاطر الكبرى. كما أنّ هذا الخطاب يكرّس ثقافة ردّ الفعل السياسيّ على حساب ثقافة التّخطيط البيئيّ، ما يفاجئُ الدولة والمواطن كلّ صيف بنفس الكارثة ونفس السيناريو.
نحو إدارةٍ عقلانيةٍ للمخاطر
يتطلّب تجاوز هذه الفجائع المتكرّرة قطيعةً جذريةً مع التّسيير الانفعاليّ وإدارة الكوارث عبر الخطاب السّياسي الواضح، مع الانتقال الفوريّ نحو حوكمةٍ مؤسّساتيةٍ قائمةٍ على الشّفافية والجاهزية، من خلال خطواتٍ عمليةٍ ومفصلية، مثل إنشاء هيئةٍ مستقلةٍ لإدارة الكوارث والمخاطر الكبرى تُكلَّف حصريًا بتتبّع المخاطر البيئية، ونشر البيانات الإحصائية الموحّدة في أوقاتِ استجابةٍ قياسية، مع إصدار قوائم رسمية ومحيّنة للضّحايا والممتلكات المتضرّرة، لضمان مصداقية المعطيات وحماية حقوق المواطنين في التعويض.
وجب إقرار اللّامركزية في صنع القرار البيئي والعملياتي، من خلال منح المجالس المحلية والإدارات الولائية صلاحياتٍ تنفيذية واسعة وميزانيات طوارئ مُستقلة تُتيح التّدخّل السّريع والمباشر فور نشوب أولى البؤر
نحن بحاجة ماسّة إلى إعادة هيكلة منظومة الوقاية والإنقاذ الغابيّ، من خلال رصد موارد مالية مستدامة لتأسيس وصيانة أسطولٍ جويّ وطنيّ متخصّص في إطفاء الحرائق، ومملوك بالكامل للدولة، مع فتح وتحديث المسالك الغابية الإستراتيجية، وصيانة نقاط التّزود بالمياه في الولايات ذات الحساسية العالية كولاية جيجل.
من النّاحية الإعلامية، وجبَ تحرير العمل الصحفي والتدفق المعلوماتيّ من خلال إلغاء القيود أمام التّغطية الميدانية المستقلة، وتسهيل وصول وسائل الإعلام للبيانات والمعطيات الميدانية، باعتبار الصّحافة الحرّة والمسؤولة شريك أساسي لمحاربة الشّائعات وتقييم النّجاعة العمومية.
في نفس السّياق، وجب إقرار اللّامركزية في صنع القرار البيئي والعملياتي، من خلال منح المجالس المحلية والإدارات الولائية صلاحياتٍ تنفيذية واسعة وميزانيات طوارئ مُستقلة تُتيح التّدخّل السّريع والمباشر فور نشوب أولى البؤر، دون انتظار الأوامر أو الإمدادات المركزية التي غالبًا ما تبتلعها التّعقيدات البيروقراطية.
إن هذه الحرائق التي تلتهم الشّعب الجزائري وأمنه وسلامته كلّ صيف لم تعد ظاهرة مناخية قاهرة أو مؤامرة محبوكة، لأنّها تتحوّل مع مرور السّنوات إلى نتاجٍ مباشرٍ لضعف الاستباق وثقافة التّكتم الممتدة في مؤسّسات الدولة. كما أنّ صيانة الاملاك العامة وحماية أرواح المواطنين تقتضيان التّخلي النّهائيّ عن إدارة الأزمات بأسلوب الإنكار والهروب إلى الأمام، وتبنّي سياساتٍ عموميةٍ شُجاعة تجعل من الشّفافية معيارًا أساسيًا لتسيير الدولة، ومن المساءلة قاعدة لا استثناء فيها للحفاظ على حقّ المواطن وكرامته.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
"ترند" المهلوسات في الجزائر .. عندما تغدو مأساة الشّباب مُحتوى ساخر
تَشهدُ منصّاتُ التّواصل الاجتماعي في الجزائر مؤخرًا موجةً كبيرةً من المقاطع السّاخرة التي تتعاطى - بنوعٍ من الهزل الشّديد والفكاهة - مع أزمة شُحّ المؤثّرات العقلية والأدوية المهلوسة وتشديد الرّقابة على المروّجين عبر الأحياء الجزائرية. وبين غرابة تلك النّكات المتداولة حول اختفاء "الأقراص الحمراء" وارتفاع أسعارها الخيالية في السّوق السوداء، يُمارس المجتمع نوعًا من التّخدير الذّاتي…
كيف قتلت الخوارزميات إنسانية نجوم الكرة في مأساة الحرائق؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن بعض اللاعبين يكونون قد ساهموا ماديًا في دعم المتضررين عبر جمعيات موثوقة في الخفاء، مفضلين الابتعاد عن أضواء الكاميرات
في السياسة.. الصمت أيضًا رسالة
عندما لا نتحكم في رسالتنا، ينتهي بنا الأمر إلى الخضوع لرسائل الآخرين، ففي السياسة، لا يكفي أن تكون لديك فكرة صحيحة، أو أن تتخذ قرارًا صائبًا. يجب أن يعرف الناس لماذا اتخذت هذا القرار، وما الذي يعنيه بالنسبة إليهم، وماذا سيترتب عليه.
فيات غراندي باندا تدخل مرحلة التسويق في الجزائر.. هذه آخر المستجدات
دخلت سيارة فيات غراندي باندا مرحلة التسويق في السوق الجزائرية، بالتزامن مع التحضيرات الجارية لإطلاق إنتاجها المحلي بمصنع "ستيلانتيس" في طفراوي بولاية وهران.
طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة على الولايات الشمالية اليوم
تشهد الولايات الشمالية للوطن، بداية من منتصف نهار اليوم الخميس، تساقط أمطار رعدية غزيرة، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية في تنبيه جوي.
من بينهم جزائرية.. 3 قتلى و36 مصابًا في اعتداءين على مطارين سعوديين
قُتل 3 أشخاص وأصيب 36 آخرون، في اعتداءين استهدفا مطاري أبها والملك خالد الدوليين في السعودية، يومي الثلاثاء والأربعاء، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية.
ثانوية بولاية جزائرية تحدد شروط استقبال الأولياء.. من يحق له ذلك؟
أصدرت ثانوية المجاهد بحري بكار بولاية الوادي (نوب الجزائر) تعليمة بشأن تنظيم استقبال الأولياء الشرعيين للتلاميذ، حددت فيها الحالات التي يمكن فيها للأم تولي إجراءات متابعة شؤون أبنائها داخل المؤسسة،