أطفال الجزائر بين دفاتر المدرسة وقوارب الموت.. حين يتحول الحلم إلى هروب
10 سبتمبر 2025
أصبحت ظاهرة الهجرة غير النظامية في أوساط القُصَّر من أخطر القضايا الاجتماعية التي اهتزّ لها الرأي العام مؤخرًا، حيث غامر أطفال ومراهقون بعبور البحر نحو جزيرة إيبيزا الإسبانية بحثًا عن مستقبل أفضل، غير مبالين بالخطر الذي كان يهدد حياتهم ولا بانعكاسات أوضاع عائلاتهم.
تكشف هذه الظاهرة حجم الإحباط وفقدان الأمل في الوطن، وتطرح تساؤلات عميقة حول دور الأسرة والمجتمع والدولة في حماية هؤلاء القصر من الهلاك
تكشف هذه الظاهرة حجم الإحباط وفقدان الأمل في الوطن، وتطرح تساؤلات عميقة حول دور الأسرة والمجتمع والدولة في حماية هؤلاء القصر من الهلاك، إضافة إلى انعكاس تجربة هؤلاء "الحراڨة" الصغار على نفسية التلاميذ والمتمدرسين، وما قد يترتب عنها من تهديد لمستقبل التعليم في الجزائر.
مؤشر خطير
في هذا السياق، ترى المختصة النفسانية نوال مكيد في تصريحات لـ"التر جزائر" أنّ ظاهرة هروب الأطفال والمراهقين لم تعد مجرد حوادث معزولة أو أخبار عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشر خطير يعكس واقعًا اجتماعيًا ونفسيًا معقدًا.
وتساءلت: كيف يمكن أن تتحول الأسرة، وهي الحاضنة الأولى للطفل، إلى مصدر اغتراب؟ موضحة أن الأصل في البيت العائلي أن يكون فضاءً للأمان العاطفي، غير أن بعض الأسر أصبحت ساحة صراعات وصوتًا للخصام أكثر مما هي دفء واحتواء، ما يجعل الطفل يعيش حالة غربة داخل جدران منزله، محرومًا من أبسط حاجاته النفسية والعاطفية.
"الحراڨة" وجه من أوجه التمرّد
وبالعودة إلى الأسباب الكامنة وراء مغامرة بعض المراهقين في الهجرة غير النظامية، أكدت الخبيرة النفسانية أنّ مرحلة المراهقة بطبيعتها مرحلة بحث عن الهوية والاستقلال. فإذا لم يجد المراهق دعمًا واحتواءً من محيطه، يتحول بحثه إلى تمرّد، وقد يجد في الهروب مخرجًا وهميًا.
المختصة النفسانية نوال مكيد: مرحلة المراهقة بطبيعتها مرحلة بحث عن الهوية والاستقلال. فإذا لم يجد المراهق دعمًا واحتواءً من محيطه، يتحول بحثه إلى تمرّد، وقد يجد في الهروب مخرجًا وهميًا.
وبيّنت أن ما يصفه علماء النفس بـ"الانسحاب الدفاعي" يظهر جليًا هنا، حيث يختار الطفل أو المراهق مغادرة مكان يسبب له ضغطًا نفسيًا باحثًا عن بديل مجهول المصير.
السياق الاجتماعي والثقافي
وشددت المتحدثة على أن السياق الاجتماعي والثقافي لا يمكن عزله عن هذه الظاهرة، إذ يعيش الشباب انسدادًا في الأفق بسبب البطالة والحرمان، ويشعرون أنّ مستقبلهم مسدودًا. كما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تغذّي لدى الكثيرين صورة وردية عن "الفردوس الآخر" وراء البحار، وتزيد من إغراء فكرة الرحيل والهروب.
وأضافت نوال مكيد أنّ تراجع المنظومة القيمية في المجتمع جعل الأطفال والمراهقين يرون في البحر، على خطورته، أفقًا أوسع من واقع يومياتهم.
ماذا نفعل؟
وقصد التصدي لظاهرة الهجرة السرية، أشارت المتحدثة إلى أنه لا يمكن الاكتفاء بالحل الأمني، لأنه يعالج النتيجة لا الأسباب. وأوضحت أنّ المطلوب هو مقاربة شاملة تعيد بناء الثقة بين الأجيال، من خلال تفعيل لغة الحوار داخل الأسرة بدل السلطة والإهمال، إلى جانب توفير دعم نفسي ومساحات للتعبير داخل المدرسة، فضلًا عن فتح فضاءات ثقافية وتربوية تمنح الشباب إمكانية تحقيق أحلامهم داخل أوطانهم بدل البحث عنها خارجه.
المختصة النفسانية نوال مكيد: من الضروري أن ينقل الحقائق بموضوعية، ويكشف مخاطر الهجرة السرية بدل المساهمة في ترسيخ "أسطورة الفردوس الآخر"
كما شددت على دور الإعلام في التوعية، قائلة إنه من الضروري أن ينقل الحقائق بموضوعية، ويكشف مخاطر الهجرة السرية بدل المساهمة في ترسيخ "أسطورة الفردوس الآخر". ودعت إلى تسليط الضوء على قصص المعاناة والجحيم الذي يعيشه "الحراڨة"، حتى يدرك المراهقون أن الحل لا يوجد في الضفة الأخرى وإنما في إصلاح البيت الداخلي والمجتمع.
واختتمت نوال مكيد بالتأكيد على أنّ الهروب ليس فعلًا طائشًا أو نزوة مراهقة فحسب، بل هو صرخة استغاثة من أطفال ومراهقين لم يجدوا الأمان في بيوتهم ولا في محيطهم الاجتماعي. وحذّرت من أنّ تجاهل الحاجات العاطفية والنفسية للأبناء قد يدفع المزيد منهم إلى ركوب المجهول، وهو ما يجعل مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع أكبر من أي وقت مضى.
مستقبل التعليم
من جهته، أكد المستشار التربوي رضوان هوشات أنّ ظاهرة "الحراڨة" تعدّ من أخطر الظواهر الاجتماعية واسعة الانتشار والتأثير في مجتمعنا، خاصة في الوسط التربوي.
وأضاف أنّ التلاميذ والمراهقين باتوا يتداولون فكرة "الحرڨة" بشكل واسع، وهو ما ينعكس سلبًا على نفسيتهم ومسارهم الدراسي.
وبخصوص تأثير الصور المتداولة للحراڨة على نفسية التلميذ، أوضح هوشات أنّ أبرز الآثار المسجلة هي شعور التلاميذ بالإحباط واليأس وفقدان الثقة في جدوى التعليم، حتى بات يتردّد على ألسنتهم تساؤل: "لي قراو واش داروا؟" أو"ماذا صنع من تعلم ودرس؟"
المستشار التربوي رضوان هوشات: برز الآثار المسجلة هي شعور التلاميذ بالإحباط واليأس وفقدان الثقة في جدوى التعليم، حتى بات يتردّد على ألسنتهم تساؤل: "لي قراو واش داروا؟
وأشار إلى أن هذا الخطاب يجعلهم يرون أن مستقبلهم خارج الوطن، ويُضعف بالتالي إحساسهم بالانتماء لمجتمعهم. وأكد أنّ النتيجة المباشرة لذلك هي تراجع في التحصيل وانتشار اللامبالاة، بسبب انشغال التلميذ بفكرة الرحيل بدل التركيز على أهدافه التربوية.
وحول دور المستشار التربوي، أوضح أنه جزء أساسي من المنظومة التربوية، إلى جانب مستشار التوجيه وكافة الطاقم البيداغوجي والإداري، مبرزًا أنّ مهمته تقوم على الإصغاء للتلاميذ وتقديم التوجيه النفسي لهم، إضافة إلى تفكيك خطاب "الحرڨة" عبر توضيح مخاطره الحقيقية.
كما شدّد على ضرورة إحياء الأمل وتعزيز ثقافة النجاح داخل الوطن، من خلال تنظيم حصص توعية ونقاشات بالتنسيق مع الأساتذة والأولياء والجمعيات، فضلًا عن اقتراح أنشطة موازية تساعد التلميذ على بناء طموحات واقعية وإيجابية.
وفي ختام تصريحاته، دعا هوشات إلى تضافر جهود كل الفاعلين داخل المؤسسات التربوية وخارجها، من أولياء ومجتمع مدني ودولة ومسجد، لمواجهة هذه الظاهرة والحد من تداعياتها الخطيرة.
"الحراڨ" نموذج للنجاح
من جانبه، يرى المختص في وقاية الأطفال من العنف والمناصرة عبدي عبد الرؤوف أنّ ظهور القُصَّر في قوارب الموت يمثل كسرًا خطيرًا للسقف الزجاجي، ويجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا لأنها تمنح المراهقين نموذجًا جاهزًا للتكرار.
وفي قراءة قانونية لظاهرة هجرة القُصر، قال عبدي إنّ القانون الجزائري يجرّم الخروج غير الشرعي من التراب الوطني، لكنه في الغالب يعامل القُصَّر كضحايا بعقوبات طفيفة أو تدابير تصحيحية، ما يطرح إشكالية الردع والوقاية في آن واحد.
وتابع قائلًا: "لم يعد الحراڤ في الأحياء الشعبية مهمشًا، بل صار يُحتفى به ويُنظر إليه كبطل مغامر، وهذا ما يدفع المراهقين إلى تقليده والبحث عن الاعتراف الاجتماعي عبر الهجرة السرية."
رمزية "الحرڨة" عند المراهق
وأوضح عبدي أنّ الهجرة السرية تمر بثلاث مراحل مترابطة: عدوى الخيال التي تبدأ من قصص النجاح المنتشرة، ثم الانتقال إلى الفعل بعد التخطيط السري، وأخيرًا الاستقرار والنقل الرمزي حيث يعيد الناجحون إنتاج الظاهرة بين أقرانهم.
المختص في وقاية الأطفال من العنف عبدي عبد الرؤوف: أليست الهجرة غير النظامية أيضًا فعلًا سياسيًا صامتًا؟ كثير من الشباب يوثقون رحلاتهم بالصوت والصورة، ويعيدون توظيف تصريحات رسمية لتبرير مغامرتهم
كما تساءل المتحدث: أليست الهجرة غير النظامية أيضًا فعلًا سياسيًا صامتًا؟ كثير من الشباب يوثقون رحلاتهم بالصوت والصورة، ويعيدون توظيف تصريحات رسمية لتبرير مغامرتهم.
وأردف: نحن أمام قطيعة وفجوة بين الأجيال، شباب يعيشون زمن العولمة والاتصال، في مواجهة نخب سياسية واقتصادية ما تزال أسيرة ثقافة السبعينيات.
المعالجة الأمنية غير كافية
وشدّد عبدي على أنّ المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، فالهجرة غير الشرعية ليست مجرد مسألة حدود، بل قضية اجتماعية واقتصادية ورمزية، وتستوجب سياسة هجرة وطنية حقيقية.
وختم قائلًا: إنّ استخدام مراهقين لقوارب الموت هو إنذار خطير، إذ حين يغامر الأطفال وحدهم بالبحر فهذا يعني أن المجتمع توقف عن تقديم أفق لهم، ومن مسؤوليتنا جميعًا أن نعيد بناء هذا الأفق داخل الجزائر.
الكلمات المفتاحية
أين يسافر الجزائريون هذا الصيف؟ وجهات جديدة تفرض نفسها في 2026
ومع اقتراب كل صيف، لا يتغير المشهد كثيرا سوى في التفاصيل، رغبة في السفر، مقارنة بين الأسعار، بحث عن وجهة مناسبة، ومحاولة لإرضاء الأطفال دون إرهاق ميزانية العائلة، بين من يفضل البقاء داخل البلاد بحثا عن البحر القريب والراحة البسيطة، ومن يغامر نحو وجهات أبعد بحثا عن تجربة مختلفة، تتشكل اختيارات متعددة، لكنها لا تحسم دائما بسهولة.
شكاوى وتحقيق رسمي.. ماذا حدث فعلا في ملف الأضاحي المستوردة؟
وجاء هذا القرار على خلفية تسجيل جملة من الانشغالات والشكاوى التي رفعها مواطنون خلال مختلف مراحل العملية، حيث أكد بعض المسجلين عبر المنصة الرقمية أنهم أودعوا طلبات اقتناء الأضاحي دون أن يتم الاتصال بهم، بينما اشتكى آخرون من تفاوت أحجام الخرفان المعروضة للبيع، ووصف بعضهم الأضاحي التي تحصلوا عليها بأنها هزيلة مقارنة بتوقعاتهم
طقوس في الذاكرة .. كيف تغيرت أجواء عيد الأضحى في الجزائر؟
"حنا بكري"... عبارة يرددها الجزائريون يوميًا، تختصر المسافة بين جيل وآخر كما تحمل بين حروفها الحنين العميق إلى زمن مضى، حين كانت المناسبات تُعاش بروح مختلفة.
عيد الأضحى.. كيف تؤثر مشاهد الذبح على نفسية الأطفال؟
وبين من يرى أن مشاهدة الذبح تساعد الطفل على فهم الشعائر الدينية والتعرف على معاني التضحية والتكافل، ومن يعتبر أن بعض الأطفال قد يتأثرون نفسياً بهذه المشاهد، يؤكد مختصون في علم النفس أن طريقة تقديم الحدث للطفل، وسنه، وشخصيته، والبيئة المحيطة به، كلها عوامل تحدد طبيعة استجابته. فكيف يتفاعل الأطفال مع مشاهد الذبح؟
الجزائر والأرجنتين .. هذه القنوات الناقلة للمواجهة وسليماني محللًا لأول مرّة
تتجه أنظار الجماهير الجزائرية، فجر الأربعاء، إلى ملعب أروهيد بمدينة كانساس سيتي، الذي يحتضن المواجهة المرتقبة بين المنتخب الوطني الجزائري ومنتخب الأرجنتين بطل العالم، في افتتاح مشوار "الخضر" ضمن نهائيات كأس العالم 2026، بداية من الساعة الثانية صباحًا بتوقيت الجزائر.
بعد عرضه في مزاد علني بباريس.. الجزائر تسترجع مخطوطًا نادرًا يعود إلى مطلع القرن السابع عشر
استرجعت الجزائر مخطوطًا جزائريًا نادرًا يحمل عنوان "مفيد المحتاج في شرح السراج"، يعود تاريخ نسخه إلى الفترة الممتدة بين سنتي 1609 و1610، بعد أن كان معروضا للبيع ضمن مزاد علني بالعاصمة الفرنسية باريس.
قبل مواجهة الأرجنتين في مونديال 2026.. اليمين المتطرف الفرنسي يضغط لتقييد جماهير الجزائر
قبيل الظهور الأول للمنتخب الجزائري في كأس العالم 2026 أمام المنتخب الأرجنتيني، عاد ملف الجماهير الجزائرية في فرنسا إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي، بعدما أطلق اليمين المتطرف الفرنسي حملة جديدة تدعو إلى تشديد الإجراءات الأمنية والحد من التحركات الجماهيرية المرتبطة بمباريات "الخضر"، تحت مبرر التخوف من اضطرابات محتملة في الفضاءات العامة.
لوكا زيدان يكشف: ثقل الاسم العائلي كان عبئًا يلاحقني
قبل انطلاق منافسات كأس العالم 2026، فتح حارس المنتخب الجزائري لوكا زيدان قلبه للحديث عن واحد من أكثر الجوانب حساسية في مسيرته الكروية، ثقل الاسم العائلي الذي يرافقه منذ بداياته، باعتباره نجل أسطورة كرة القدم زين الدين زيدان.