ultracheck
سياسة

أموال الجزائر المنهوبة في فرنسا.. هل تُعرقل السياسة مسار القضاء؟

7 أبريل 2026
الجزائر فرنسا
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

تُعدّ قضية استرجاع الأموال المنهوبة واحدة من أبرز الملفات التي تضعها السلطات الجزائرية في صدارة أولوياتها السياسية والقضائية، في إطار سعيها لترسيخ مكافحة الفساد واستعادة الأموال العمومية، وقد كثّفت السلطات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة جهودها عبر القنوات القانونية والدبلوماسية، من خلال توجيه إنابات قضائية دولية إلى عدد من الدول التي يُشتبه في إيواء أصول مالية وعقارية ناتجة عن تحويلات غير مشروعة.

هذا التباين يطرح عدة علامات استفهام حول خلفيات التعاطي الفرنسي مع هذا الملف الحساس، خاصة في ظل العلاقات التاريخية والاقتصادية التي تربط البلدين. 

وفي هذا السياق، يبرز تباين واضح في تعاطي الشركاء الدوليين مع هذه المساعي؛ فبينما لقيت الإجراءات الجزائرية تعاونًا ملحوظًا وترحيبًا من طرف كل من إسبانيا وسويسرا، حيث سُجل تقدم في دراسة الملفات والتجاوب مع الطلبات القضائية، يظل الموقف الفرنسي محل تساؤل بسبب ما يُوصف بالمماطلة والتأخر في الرد على الإنابات القضائية الموجهة إليه.

هذا التباين يطرح عدة علامات استفهام حول خلفيات التعاطي الفرنسي مع هذا الملف الحساس، خاصة في ظل العلاقات التاريخية والاقتصادية التي تربط البلدين. كما يفتح النقاش حول مدى التزام الحكومة الفرنسية بمبادئ التعاون القضائي الدولي، وضرورة تسريع الإجراءات بما يضمن تحقيق العدالة واسترجاع الأموال المنهوبة في آجال معقولة.

تباين أوروبي في الاستجابة القضائية

وفي هذا السياق، قال الدكتور مخلوف وديع أستاذ العلوم السياسية بجامعة قالمة، في تصريح لـ "التر جزائر"، إن بيان مجلس الوزراء كشف عن معطى بالغ الدلالة، يتمثل في توجيه الجزائر لـ 61 إنابة قضائية إلى فرنسا، تتعلق في غالبيتها بملفات فساد وتهريب أموال. وشدد على أن هذا الرقم يعكس حجم الرهان الذي تضعه الجزائر على آليات التعاون القضائي الدولي في مسار استرجاع الأموال المنهوبة.

وأضاف أن البيان ذاته أبرز، في المقابل، إشادة صريحة بالتعاطي الإيجابي لكل من سويسرا وإسبانيا مع الإنابات القضائية الجزائرية، حيث سجّل تقدّم ملموس في دراسة هذه الملفات، وهو ما تُوّج بتوجيه شكر خاص من رئيس الجمهورية لهذين البلدين، في خطوة تعكس تقدير الجزائر للشراكات القائمة على التعاون الفعلي واحترام الالتزامات القانونية الدولية.

وديع: التعاطي الفرنسي، الذي يتسم بالتأخر بل والرفض الضمني للنظر في عدد من الإنابات، يثير تساؤلات عميقة حول خلفياته الحقيقية

وأكد الدكتور وديع أن هذا التباين في المواقف يكشف بوضوح عن اختلاف في المقاربات الأوروبية تجاه قضايا الفساد العابرة للحدود، مبرزًا أن التعاطي الفرنسي، الذي يتسم بالتأخر بل والرفض الضمني للنظر في عدد من الإنابات، يثير تساؤلات عميقة حول خلفياته الحقيقية.

وأضاف أن السياق السياسي يلعب دورًا لا يمكن تجاهله في تفسير هذا الموقف، خاصة في ظل العلاقات المتوترة بين الجزائر وفرنسا، وهو ما انعكس، بحسب المتحدث، على مستوى الاستجابة القضائية الفرنسية.

واستدل في هذا الإطار بتدخلات إعلامية صادرة عن مسؤولين قضائيين فرنسيين في قضايا ذات طابع حساس، من بينها تصريحات وكيل الجمهورية المختص في قضايا الإرهاب، والتي أشار فيها إلى الجزائر، ما استدعى ردًا رسميًا من وكالة الأنباء الجزائرية.

ولفت وديع على أن مثل هذه المؤشرات تدعم فرضية تداخل الاعتبارات السياسية مع المسار القضائي في فرنسا، على نحو يتعارض مع المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني الفرنسي، وعلى رأسها مبدأ الفصل بين السلطات الذي ارتبط تاريخيًا باسم مونتسكيو.

وختم الدكتور مخلوف وديع بالتأكيد على أن فرنسا لا تزال حبيسة مقاربات تقليدية في تعاملها مع الجزائر، تقوم على منطق الآمر لا الشريك، وهو ما ينعكس سلبًا على مستوى التعاون القضائي. وتابع أن تعطيل الإنابات القضائية الجزائرية يبدو، في هذا السياق، أقرب إلى كونه قرارًا ذا أبعاد سياسية، بدل أن يُعالج كملف قانوني بحت تحكمه قواعد التعاون الدولي ومقتضيات العدالة

تغليب البعد السياسي على المسار القضائي

بدوره، اعتبر المحلل السياسي زهير رويس، في تواصل مع "التر جزائر"، أن مسألة صمت أو بطء فرنسا في التعامل مع الإنابات القضائية الجزائرية المرتبطة بالأموال المنهوبة لا يمكن اختزالها في بعد قانوني صرف، رغم حضوره.

رويس: هذا المعطى يبرز بوضوح وجود خلفية سياسية غير مُعلنة، يوازي أو ربما يفوق الاعتبارات القانونية

وأفاد المتحدث أن هذه الملفات تتجاوز الطابع التقني، كونها ترتبط بأصول مالية ضخمة يُعتقد أنها موجودة على الأراضي الفرنسية، وبشخصيات وشبكات نفوذ من النظام السابق، ما يمنحها حساسية سياسية ومالية عالية.

وفي تقدير زهير رويس، فإن هذا المعطى يبرز بوضوح وجود خلفية سياسية غير مُعلنة، يوازي أو ربما يفوق الاعتبارات القانونية، وتساءل عمّا إذا كان الأمر يتعلق فعلًا بقيود قانونية أم بخيار سياسي ضمني، خاصة في ظل غياب موقف فرنسي صريح: فهي لا تعلن رفض التعاون، لكنها أيضًا لا تؤكد انخراطًا كاملًا وفعالًا فيه.

وأكد محدثنا أن التعاون القضائي الدولي يقوم أساسًا على الثقة والمعاملة بالمثل، لا سيما في قضايا مكافحة الفساد، مشيرًا إلى أن أي اختلال في هذا المسار يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مصداقية الالتزام بهذا المبدأ.

التأثر بالمناخ السياسي

من جانبه، وفي حديث لـ"التر جزائر"، اعتبر الحقوقي آدام مقراني أن ما أُعلن خلال اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 5 أبريل/آذار 2026 يشكّل تطورًا مهمًا ولافتًا في مسار استرجاع الأصول المنهوبة. وأوضح أن توجيه 33 إنابة قضائية إلى سويسرا، مع دراسة وقبول 20 ملفًا منها ومعالجة 4 ملفات بشكل نهائي، مكّن الجزائر من استرجاع أكثر من 110 ملايين دولار، وهو ما يعكس في تقدير المتحدث فعالية التعاون القضائي عندما تتوفر الإرادة لدى الدول المعنية.

وأضاف مقراني أن شكر رئيس الجمهورية لكل من سويسرا وإسبانيا لا يمكن قراءته كمجرد مجاملة بروتوكولية، بل هو، حسب قوله، مؤشر تقني على وجود تعاون فعلي من الدول الحاضنة للأصول، سواء من حيث التنفيذ القضائي أو من خلال توفير بيئة سياسية وإدارية مناسبة لإعادة الأموال والممتلكات. وتابع أن استرجاع فندق "El Palace" في برشلونة وعودته إلى ملكية الدولة الجزائرية عبر صندوق الاستثمار الوطني يُعد مثالًا واضحًا على نجاح التقاء الأدوات القضائية مع الإرادة السياسية.

مقراني: استرجاع فندق "El Palace" في برشلونة وعودته إلى ملكية الدولة الجزائرية عبر صندوق الاستثمار الوطني يُعد مثالًا واضحًا على نجاح التقاء الأدوات القضائية مع الإرادة السياسية.

وفي المقابل، يرى الحقوقي أن الوضع مع فرنسا يطرح إشكالًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن الجزائر وجّهت 61 إنابة قضائية دون تلقي أي استجابة، وهو ما وصفه بالمعطى الثقيل سياسيًا وقانونيًا. لكنه شدد على ضرورة التمييز، في تقديره، بين وجود إطار قانوني للتعاون – سواء عبر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد أو الاتفاقيات الثنائية – وبين فعالية تطبيق هذا الإطار على أرض الواقع.

واعتبر مقراني أن الإشكال لا يكمن في غياب السند القانوني، بل في فجوة واضحة بين الإمكان القانوني والإرادة التنفيذية، موضحًا أن التعطيل قد يرتبط بعوامل متعددة مثل الأولويات السياسية، مستوى الثقة بين الدول، تقييم الأدلة، أو بطء المعالجة المؤسسية للطلبات.

كما أشار إلى أن فرنسا تعتمد آلية خاصة لاسترداد الأصول غير المشروعة منذ سنة 2022، تقوم على مصادرتها أولًا ثم إعادة توجيه عائداتها في شكل مشاريع تنموية لصالح الدولة المعنية، بدل تحويلها مباشرة. واعتبر أن هذا التصور، رغم وجاهته من زاوية الحوكمة، قد يخلق تباينًا مع توقعات الدول المطالِبة، خاصة من حيث طبيعة الاسترجاع وتوقيته.

ويعتقد مقراني أن هذا الملف مرتبط بالمناخ السياسي العام، مبرزًا أن العلاقات الجزائرية الفرنسية شهدت توترًا خلال سنة 2025، وهو ما قد يؤثر حسب تحليله، على مستوى التعاون القضائي في الملفات الحساسة، دون الجزم بأنه السبب الوحيد.

وخَلُص المتحدث إلى أن التجارب مع سويسرا وإسبانيا تثبت أن استرجاع الأصول المنهوبة ممكن، لكنه يتطلب عملًا قضائيًا دقيقًا، وتنسيقًا مؤسسيًا عالي المستوى، وإرادة سياسية مستمرة، إضافة إلى قنوات دبلوماسية فعالة. وأكد أن الرسالة الأهم اليوم هي أن نجاح هذا المسار مرتبط بتحويل النصوص القانونية إلى تعاون فعلي، وليس الاكتفاء بوجودها شكليًا.

https://whatsapp.com/channel/0029VaBBP2J5Ejxz0gwcXJ1t

 

 

الكلمات المفتاحية

البرلمان الجزائري يصادق على قانون الانتخابات

نقاش العهدة الثانية وقوائم الترشح.. من يواصل ومن يغادر البرلمان الجزائري؟

تأخذ ترتيبات الترشح للانتخابات التشريعية منحى العدّ التنازلي داخل دوائر الأحزاب، قبل أقل من شهرين من موعد الاستحقاقات بالجزائر، في وقت يعود فيه الجدل حول ترشح النواب لعهدة ثانية إلى الواجهة من جديد، دون الاكتفاء بواحدة.


الأحزاب السياسية في الجزائر

من القاعات إلى المنصات الرقمية.. الأحزاب الجزائرية تبحث عن جمهور أوسع

يَشهد الاتصال السياسي اليوم تحوّلًا عميقًا بفعل الانتشار الواسع لمنصات ووسائط التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً رئيسيًا لتداول الخطاب السياسي وصناعة الرأي العام.


العلاقات الجزائرية الفرنسية

بعد مؤشرات التقارب.. باريس تربط مسار عودة العلاقات مع الجزائر بملفي الأمن والهجرة

ركّز وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية⁠، على مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، مؤكدًا أن مرحلة “إعادة الانخراط” بين البلدين بدأت تعطي نتائج أولية، لكنه ربط الذهاب أبعد في مسار عودة العلاقات بملفات الهجرة والأمن والتعاون الاقتصادي.


الحراك الشعبي.jpg

من بومدين إلى الحراك الشعبي.. ناصر جابي يفكك سوسيولوجيا الاحتجاج في الجزائر

تُشكّل دراسة أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي حول الحركات الاحتجاجية في الجزائر مسعى تحليلي وتأويلي للحركات الاحتجاجية في الجزائر وارتباطاتها بمسار الدولة الوطنية والمجتمع منذ الاستقلال إلى غاية الحراك الشعبي سنة 2019، من خلال ربط التحولات السياسية بالبُنى الاجتماعية والثقافية للنخب الحاكمة والفئات المجتمعية، من خلال معاينة ميدانية واحتكاك بالفاعلين الأساسيين من صناع القرار السياسي إلى مختلف…

حالة الطقس
أخبار

طقس الجزائر.. أجواء مستقرة وسماء صافية في معظم المناطق

أفاد الديوان الوطني للأرصاد الجوية، بأن الأجواء ستكون مستقرة وصافية عبر مختلف مناطق الوطن، اليوم الأحد، مع سماء خالية من السحب في أغلب الفترات.

الانتخابات التشريعية 2026 في الجزائر تشريعيات
أخبار

300 ألف دينار لتغطية نفقات الحملة الانتخابية لفائدة الشباب المترشحين الأحرار

أقرت الحكومة تخصيص مبلغ 300 ألف دينار جزائري لتغطية نفقات الحملة الانتخابية لفائدة الشباب المترشحين الأحرار في التشريعيات المقبلة، والذين لا تتجاوز أعمارهم 40 سنة يوم الاقتراع، وذلك في إطار حزمة تنظيمية ومالية جديدة تهدف إلى ضبط وتمويل العملية الانتخابية.


الأضاحي المستوردة
أخبار

تعويض أصحاب خرفان العيد المستوردة عند النفوق.. توضيح رسمي يرفع اللبس

وجّه رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل إشعاراً إلى المواطنين المستفيدين من الأضاحي المستوردة بمناسبة عيد الأضحى، تضمّن إجراءات خاصة في حال نفوق الكبش

المادة 200 من قانون الانتخابات
أخبار

السلطة المستقلة للانتخابات تفنّد إشاعات حول تأطير مكاتب التصويت وتدعو للحذر من الابتزاز الرقمي

فندت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بشكل قاطع ما يتم تداوله عبر وسائط التواصل الاجتماعي من إعلانات تدعو المواطنين والمواطنات إلى التسجيل للمشاركة في تأطير مراكز ومكاتب التصويت، تحضيرًا لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني المقرر يوم 02 جويلية 2026، مؤكدة أن هذه المعطيات "مغلوطة وتهدف إلى الابتزاز والتأثير على السير الحسن للعملية الانتخابية".

الأكثر قراءة

1
رياضة

للمرة الثانية.. اتحاد العاصمة بطلاً للكونفدرالية الإفريقية بعد ملحمة مثيرة أمام الزمالك


2
أخبار

جامع الجزائر يكشف حكم الاشتراك في ثمن الأضحية


3
رياضة

من سيُقصى في اللحظات الأخيرة؟.. تفاصيل مثيرة عن قائمة بيتكوفيتش للمونديال


4
أخبار

خبرٌ سار لمكتتبي "عدل 3" بخصوص تسديد المرحلة الثانية من الشطر الأول


5

وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر الاثنين.. استرجاع الأموال المنهوبة على طاولة النقاش