ارتفاع أسعار النفط.. فرصةٌ ذهبية للاقتصاد الجزائري لعدم تكرار أخطاء الماضي
9 مارس 2026
تتابع الجزائر كغيرها من دول العالم باهتمام كبير التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط التي تضغط يومًا بعد يوم على الاقتصاد العالمي، والذي ستكون له تأثيرات مباشرة على مختلف الاقتصاديات ومنها الاقتصاد الجزائري الذي يبدو في ظاهره أنه مستفيد من هذا الوضع بارتفاع أسعار النفط، لكن المتابعين يتخوفون من عدم الاستثمار في هذه الاستفادة الجزئية مثلما حدث في امتحانات نفطية سابقة.
بحكم اعتماد الاقتصاد الجزائري بنسبة كبيرة على عائدات البترول والغاز، فإن التطورات الجارية في الشرق الأوسط وضغطها على أسعار الطاقة تؤثر مباشرة على أداء الاقتصاد الجزائري.
وتجد الجزائر اليوم نفسها أمام سيناريو جديد متعلق بتقلبات أسعار النفط مرت به في السبعينات وبداية الألفية الجديدة يتعلق بارتفاع سعر برميل النفط حتى وإن لم تصل التداولات الحالية إلى الأرقام المسجلة وقتها، وهو ما يشكل تحديًا حقيقيًا لها بإيجاد الطريقة المثلى للاستفادة من الوضع الحالي وعدم تكرار أخطاء التجارب السابقة التي انحصرت في تزايد الريع البترولي فقط دون الذهاب لتنويع الاقتصاد.
وضع منتظر
وصل سعر النفط في آخر إغلاق له يوم الجمعة الماضي إلى 92.69 دولارا للبرميل، في ذروة لم تسجل منذ أكثر سنوات، وهو ما شكل تحولا في هذا المؤشر، خاصة وأن بنك غولدمان ساكس يتوقع أن تتجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل هذا الأسبوع، إذا لم تظهر مؤشرات على حل الأزمة التي تعطل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية.
وقال الخبير الاقتصادي وحيد صرارمة في تصريح لـ "الترا جزائر" إن التطورات الراهنة كانت متوقعةً إلى حد كبير، سواء من زاوية السوق النفطية العالمية أو من زاوية تأثيرها على الاقتصادات المعتمدة على المحروقات.
وأضاف صرارمة أن الارتفاع السريع في أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة ينسجم تمامًا مع المنطق الاقتصادي والجيوسياسي الذي يحكم أسواق الطاقة العالمية.
وبيّن صرارمة أن المخاوف تتركز أساسًا حول مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، إضافة إلى أن توقف حركة ناقلات النفط عمليًا بعد إعلان إيران إغلاق المضيق أدى إلى صدمة فورية في الأسواق، حيث ارتفع سعر خام برنت إلى ما يفوق 90 دولارًا للبرميل، مسجلًا زيادة تقارب 30% خلال أسبوع واحد، وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2024.
الخبير الاقتصادي وحيد صرارمة: التطورات الراهنة كانت متوقعةً إلى حد كبير، سواء من زاوية السوق النفطية العالمية أو من زاوية تأثيرها على الاقتصادات المعتمدة على المحروقات.
وأوضح الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية البروفيسور نصر الدين ساري إن الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة العالمية تشهد حالة من التفاعل السريع مع التطورات الجيوسياسية التي يعرفها الشرق الأوسط،وهو أمر كان متوقعًا إلى حد كبير بحكم ارتباط هذه المنطقة بمعادلة الإمدادات العالمية للنفط والغاز.
ولفت ساري في حديثه مع "الترا جزائر" إلى أن هذه المنطقة تمثل أحد أهم مراكز الإنتاج والتصدير في العالم، كما تمر عبرها ممرات بحرية إستراتيجية لنقل الطاقة، وهو ما يجعل الأسواق عادة تتفاعل بسرعة مع أي توترات أو مخاطر محتملة قد تؤثر على سلاسة الإمدادات.
وأرجع ساري ارتفاع الأسعار إلى المخاوف المرتبطة باحتمال تعطل جزء من الإمدادات العالمية وتوقف الإنتاج في العديد من المناطق بسبب هذه التوترات الجيوسياسية.
تأثير مباشر
بحكم اعتماد الاقتصاد الجزائري بنسبة كبيرة على عائدات البترول والغاز، فإن التطورات الجارية في الشرق الأوسط وضغطها على أسعار الطاقة تؤثر مباشرة على أداء الاقتصاد الجزائري.
وأشار ساري إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يمكن أن ينعكس إيجابًا على المداخيل الخارجية وعلى توازنات المالية العمومية في الجزائر، باعتبار أن المحروقات ما تزال تمثل مصدرًا أساسيًا للإيرادات، فكل تحسن في الأسعار الدولية يساهم عادة في تعزيز عائدات التصدير وتحسين احتياطات الصرف، وهو ما قد يمنح الاقتصاد الوطني هامشا أكبر لتمويل المشاريع التنموية والاستثمارية.
نصر الدين ساري: ارتفاع أسعار النفط والغاز يمكن أن ينعكس إيجابًا على المداخيل الخارجية وعلى توازنات المالية العمومية في الجزائر، باعتبار أن المحروقات ما تزال تمثل مصدرًا أساسيًا للإيرادات، فكل تحسن في الأسعار الدولية يساهم عادة في تعزيز عائدات التصدير وتحسين احتياطات الصرف
واعتمدت الجزائر سعراً مرجعياً لبرميل النفط بـ 60 دولاراً في ميزانية 2026، مع توقعات بأن يصل إلى 70 دولارا في أحسن الظروف، وهو ما يعني أن هذه الزيادة ستوجه مباشرة إلى صندوق ضبط الإيرادات التي تآكل رصيده في الفترة الأخيرة، وسيمنح الحكومة هامشًا إضافيًا في تمويل المشاريع الكبرى.
لكن الدكتور وحيد صرارمة يرى أن هذه الانعكاسات الإيجابية لهذه التطورات على الاقتصاد الجزائري تظل ظرفيةً منحصرةً في ارتفاع عائدات المحروقات، كون اقتصاد الجزائر يعتمد بدرجة كبيرة على هذا القطاع، الذي يمثل نحو 60% من إيرادات الدولة وحوالي 90% من عائدات الصادرات.
وأشار صرارمة إلى أن عائدات تصدير المحروقات بلغت نحو 31 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025، مع تسجيل ارتفاع في صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا بنسبة تجاوزت 12%.
وأوضح الخبير الاقتصادي ذاته بأن موقع الجزائر كمورد طاقة مستقر وموثوق خارج مناطق التوتر يمنحها أفضلية نسبية في السوق الأوروبية، خاصة في ظل سعي دول الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة، والظرف الحالي يصب في خانة تعزيز هذا الدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة المتوسطية.
وحيد صرارمة: هذه الانعكاسات الإيجابية لهذه التطورات على الاقتصاد الجزائري تظل ظرفيةً منحصرةً في ارتفاع عائدات المحروقات، كون اقتصاد الجزائر يعتمد بدرجة كبيرة على هذا القطاع، الذي يمثل نحو 60% من إيرادات الدولة وحوالي 90% من عائدات الصادرات
غير أن صرارمة نبّه إلى أن هذه المكاسب قد تبقى ظرفيةً، إذ تشير تقديرات إلى أن سعر النفط اللازم لتحقيق توازن الميزانية الجزائرية هو 142 دولارا للبرميل، وهو مستوى أعلى بكثير من التوقعات المتوسطة للأسعار العالمية خلال السنوات القادمة، وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار الحالي لا يعالج الاختلالات الهيكلية في المالية العمومية.
مخاوف التضخم
تمكنت الحكومة العام الماضي من تخفيض نسبة التضخم إلى مستويات لقيت إشادة حتى من المؤسسات المالية الدولية، وتسعى بكل الطرق للحفاظ على هذا المؤشر المهم في رسم السياسات الاقتصادية، إلا أن التطورات الجارية في الشرق الأوسط قد تتسبب في أحد جوانبها بإعادة هذا المؤشر للارتفاع مجددًا.
وأوضح البروفيسور ساري إلى أن التأثير الإيجابي لتطورات الشرق الأوسط يبقى نسبيًا، لأن الأسواق العالمية تشهد في الوقت نفسه ضغوطًا تضخميةً قد تمتد إلى أسعار المواد الغذائية والمواد الأولية وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف الاستيراد بالنسبة لعدد من الدول بما فيها الجزائر.
وقال وحيد صرارمة إن "الجانب الأكثر حساسية بالنسبة للاقتصاد الجزائري يكمن في انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على أسعار السلع الغذائية والمواد الأولية عالميًا".
وأضاف أن "الجزائر تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، وبالتالي فإن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة فاتورة الاستيراد. وقد سجلت الواردات بالفعل ارتفاعا يقارب 25% خلال النصف الأول من عام 2025، مدفوعة خصوصا بزيادة واردات الغذاء والآلات".
نصر الدين ساري: التأثير الإيجابي لتطورات الشرق الأوسط يبقى نسبيًا، لأن الأسواق العالمية تشهد في الوقت نفسه ضغوطًا تضخميةً قد تمتد إلى أسعار المواد الغذائية والمواد الأولية وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف الاستيراد بالنسبة لعدد من الدول بما فيها الجزائر
ولفت صرارمة إلى "مفارقة اقتصادية معروفة في الاقتصاديات الريعية، حيث قد تستفيد الجزائر من ارتفاع أسعار النفط، لكنها في الوقت نفسه تتحمل كلفةً أعلى لاستيراد الغذاء والسلع الأساسية، وهو ما يتطلب سياسات اقتصادية متوازنة لتفادي تضخم مستورد قد يؤثر على القدرة الشرائية".
وبخصوص التحذيرات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية بشأن تأثير الأزمة الجارية في الشرق الأوسط، يرى صرارمة بأن الجزائر معنية بها بدرجة كبيرة، خاصة في ظل عاملين رئيسيين عما مدة الأزمة ومستوى الهشاشة الهيكلية للاقتصاد.
وأضاف: "إذا كانت صدمة أسعار الطاقة قصيرة الأجل، فإن تأثيرها سيكون محدودًا نسبيًا، أما إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، فقد يؤدي ذلك إلى موجة تضخم عالمي تؤثر سلبا على النمو الاقتصادي".
فرصة للاستغلال
لا يعد الارتفاع المتوقع في أسعار النفط التجربة الأولى التي مر بها الاقتصاد الجزائري، ولعل من أبرزها الأسعار العالية التي وصل إليها برميل النفط خلال السنوات الـ15 الأولى من الألفية الجارية، حينما بلغ 145 دولار في 2008، والذي سمح للجزائر بتحقيق عائدات عالية لم تستغلها الحكومات السابقة.
وتجد الحكومة الحالية نفسها في اختبار الاستفادة من التجارب السابقة واستغلال الفرصة النفطية المتوقعة، خاصة وأنها ستساهم في رفع أسهم الجزائر كمصدر طاقوي موثوق يضاف إلى ما كسبته بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وحرص الرئيس تبون منذ وصوله إلى سدة الحكم في 2019 على رفع تحدي تحرير الاقتصاد من التبعية لبرميل النفط، بتعزيز الإنتاج الوطني في عدة قطاعات، والعمل على رفع الصادرات خارج المحروقات، وهو ما يجعل هذه الظرفية فرصة للحكومة لتحقيق الأهداف المسطرة.
وشدد الخبير الاقتصادي وحيد صرارمة أن الجزائر تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، وبالتالي فإن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة فاتورة الاستيراد. وقد سجلت الواردات بالفعل ارتفاعا يقارب 25% خلال النصف الأول من عام 2025، مدفوعة خصوصا بزيادة واردات الغذاء والآلات.
وحيد صرارمة: الجزائر تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، وبالتالي فإن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة فاتورة الاستيراد. وقد سجلت الواردات بالفعل ارتفاعا يقارب 25% خلال النصف الأول من عام 2025، مدفوعة خصوصا بزيادة واردات الغذاء والآلات
ودعا المتحدث ذاته إلى ضرورة تسريع برامج الأمن الغذائي عبر دعم الإنتاج الزراعي المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، إلى جانب الحفاظ على استقرار أسعار الطاقة في السوق المحلية لحماية القدرة الشرائية والمؤسسات الصغيرة.
وألح الخبير الاقتصادي نفسه على أهمية الاستثمار في الفرصة الأوروبية الحالية في مجال الغاز، عبر تعزيز البنية التحتية للتصدير وزيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة، بما يسمح للجزائر بتثبيت موقعها كمورد موثوق في السوق الأوروبية.
وبالنسبة لوحيد صرارمة، فإن الأزمة الحالية قد توفر للجزائر فرصة قصيرة المدى لتحسين إيراداتها، إلا أنها لن تكون فرصة طويلة الأمد إلا بالذهاب بعيدًا في مسار تنويع الاقتصاد وجعله ضرورة استراتيجية لا خيارًا ظرفيًا.
الكلمات المفتاحية
القوة الشرائية تبلغ 915 مليار دولار.. ماذا يمثل هذا المؤشر للاقتصاد الجزائري؟
وضع تقرير حديث لصندوق النقد الدولي الاقتصاد الجزائري في المرتبة الرابعة عربيًا، بعد أن قدر حجمه بـ915 مليار دولار وفق مؤشر تعادل القوة الشرائية.
الجزائر-فرنسا.. تراجع المبادلات التجارية بـ14.8% خلال 2025
سجلت المبادلات التجارية بين فرنسا والجزائر انخفاضاً ملحوظاً خلال عام 2025 لتبلغ قيمتها الإجمالية 9,4 مليار يورو، مقارنة بـ11,1 مليار يورو في 2024، مسجلة انخفاضاً نسبته 14,8%. وفق ما نقله موقع "الخبر" عن بيانات صادرة عن المديرية العامة للخزانة الفرنسية.
أسعار الذهب تنخفض في السوق الدولية.. ما صدى هذا التراجع في الجزائر؟
عادت أسعار الذهب للانخفاض عالميًا في تكريس للتقلبات التي تعرفها خلال هذا العام، لتوقف بذلك الارتفاع الذي شهدته في العامين الماضيين، وهو الانخفاض الذي يطرح تساؤلات بشأن مدى تطابقه مع مؤشرات المعدن الأصفر في السوق الجزائرية، وبالخصوص بعد أن وصلت الأسعار إلى معدلات قياسية لا تتلاءم مع القدرة الشرائية للجزائريين.
حزب العمال ينتقد تأخر المصادقة على استمارات التزكية ويحذر من تأثيره على العملية الانتخابية
وأفاد الحزب في بيان، أنّه "سجل اختلالات أخرى تمس عملية التصديق على الاستمارات على مستوى البلديات في معظم الولايات، حيث لم يتم تكليف الموظفين المسخرين، ما يثير استياءً بل وحتى نفورًا لدى المكتتبين الذين يترددون عدة مرات على البلديات دون جدوى.
ماذا قال الحكم الجزائري غربال وطاقمه بعد اختيارهم لمونديال 2026؟
وفي تصريح فيديولصفحة الاتحاد الجزائري لكرة القدم على فيسبوك، قال غربال: "الحمد لله على اختياري للمشاركة في كأس العالم 2026"، مشيراً إلى أن هذه المشاركة ستكون الثانية له في المونديال.
نذير بن بوعلي يروي لحظة الحلم مع "الخضر" ويكشف كواليس استدعائه الأول
عبّر الدولي الجزائري الجديد، نذير بن بوعلي، عن سعادته الكبيرة بعد تلقيه أول استدعاء لتمثيل المنتخب الوطني، مؤكداً أن هذه اللحظة مثّلت بالنسبة له تحقيق حلم الطفولة الذي ظل يرافقه منذ سنوات.
بعد صيانتها في اليونان.. عودة سفينة "طارق بن زياد" إلى الخدمة
تأتي هذه الزيارة بعد استكمال أشغال الصيانة والتجديد التي خضعت لها السفينة في ورشة إصلاح باليونان دامت أكثر من سنتين