الإقصاء من الترشّح للتشريعيات.. "جرح سياسي" لا يتوقف عند حدود الصندوق
11 يونيو 2026
لم تقف تداعيات إبعاد ورفض بعض الشخصيات الحزبية والنيابية من الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة عند حدود الكلفة السياسية الفورية، بل تعدتها لتحدث صدمة نفسيةً واجتماعيةً عميقةً ارتدت شظاياها على المحيط العائلي والمهني للأشخاص المُبعدين، وأجبرت الكثير منهم على إعادة رسم معالم نضالهم السياسي في المستقبل بكثير من الحسرة والأسى.
إن طموح الوصول إلى منصب نيابي أو مقعد في مجلس ولائي أو محلي يظل حقًا مشروعًا ومكفولًا لكل مناضل تراكمت خبراته وتجربته داخل الأروقة الحزبية؛ حيث يمثل المنصب داخل أجهزة الدولة التشريعية أو التنفيذية أو إدارة الشأن المحلي خطوة منطقية وتتويجاً طبيعياً لمسار نضالي.
ومع ذلك، فإن قطع الطريق أمام ارتقاء الكفاءات الحزبية إلى المسؤولية السياسية عبر تفعيل "المادة 200" المثيرة للجدل، لا يهدد فقط الطموحات الفردية، بل يبعث برسائل سلبية قد ترخي بظلالها على المشهد العام، وتكبح رغبة الأجيال القادمة في الانخراط في العمل السياسي أو الثقة في جدوى مساره.
طويت الصفحة
وفي السياق الموضوع، أوضح الإعلامي محمد إيوانوغن، الذي كان مترشحًا ضمن قائمة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، أن قرار رفض القائمة جاء بسبب ما اعتبرته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عدم استيفاء شرط التوقيعات، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي قرار رفض شخصي يتعلق بملفه، بل إن القضية تخص القائمة الحزبية ككل.
وأضاف إيوانوغن في حديث لـ "الترا جزائر" أنه تقبل القرار منذ اللحظة الأولى، قائلاً إنه طوى هذه الصفحة مباشرة بعد اطلاعه على خبر رفض القائمة، وعاد إلى ممارسة عمله الصحفي بشكل عادي.
محمد إيوانوغن: أهم تحول تحقق منذ الحراك الشعبي يتمثل في اتساع دائرة المواطنين الذين أصبحوا أكثر تشكيكًا في المبررات التي تقدمها السلطات لتبرير قراراتها السياسية والإدارية
وبخصوص رد فعل المحيط العائلي والمهني بشأن هذا الرفض، أشار المتحدث إلى أن محيطه المهني والشخصي لم يتعامل مع الأمر باعتباره خسارة شخصية، بل إن الكثيرين عبّروا عن ارتياحهم لعودته إلى الصحافة، معتبرين أن مكانه الطبيعي هو العمل الإعلامي أكثر من العمل البرلماني.
وفي حديثه عن ظاهرة إقصاء المترشحين بصفة عامة، وما ارتبط بها من تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، أكد إيوانوغن أن نظرة شريحة واسعة من المواطنين إلى التهم والمبررات التي تُستعمل لإقصاء بعض المترشحين قد تغيرت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
وأشار محدّث "الترا جزائر" أن هناك فئات من المجتمع ما تزال تتبنى الرواية الرسمية، غير أنه يلمس في المقابل تناميًا واضحًا لوعي مجتمعي ناقد يرفض منطق التضييق والإقصاء السياسي.
واعتبر أن أهم تحول تحقق منذ الحراك الشعبي يتمثل في اتساع دائرة المواطنين الذين أصبحوا أكثر تشكيكًا في المبررات التي تقدمها السلطات لتبرير قراراتها السياسية والإدارية، مشدداً على أن هذا الوعي المجتمعي يمثل مكسباً مهماً بغض النظر عن نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وبشأن مستقبله السياسي والنضالي، عبر إيوانوغن على أنه لم يحسم بعد أي خيارات سياسية أو انتخابية مستقبلية، موضحًأ أن قراره الوحيد في الوقت الراهن هو مواصلة أداء عمله الصحفي وفق قناعاته المهنية وأخلاقيات المهنة، لا وفق الأدوار أو الممارسات التي بات يُنتظر من بعض الصحفيين القيام بها.
هناك احباط لكن النضال مستمر
بدوره، أكد الناشط السياسي سمير بلعربي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن محاربة المال الفاسد ومنع تغلغل أصحاب المصالح المشبوهة داخل الحياة السياسية والانتخابية يعد مطلبًا مشروعًا وضروريًا لضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، خاصة بعد سنوات من هيمنة رجال المال والأعمال على عدد من الأحزاب والقوائم الانتخابية، لاسيما خلال المواعيد الانتخابية التي شهدتها البلاد منذ سنة 2007.
وأوضح بلعربي أن جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية كان يطالب منذ سنوات بوضع آليات قانونية تحول دون تأثير المال الفاسد على العملية الانتخابية، غير أنه شدد على أن القوانين المنظمة لهذا المجال يجب أن تكون دقيقة وواضحة، وأن تتضمن معايير موضوعية لا تترك مجالاً للتأويل أو التعسف في التطبيق.
وفي هذا السياق، انتقد الناشط السياسي الطريقة التي تم بها تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، معتبرًا أن الفقرة الأخيرة منها جاءت بصياغة فضفاضة ومرنة إلى حد كبير، بما جعلها تسمح بإقصاء مترشحين استناداً إلى مجرد الشبهة دون وجود أدلة أو قرائن إثبات واضحة.
الناشط السياسي سمير بلعربي: قرارات الرفض التي طالت آلاف المترشحين تحت مبرر "العلاقة بأوساط المال والأعمال المشبوهة" أثارت إشكالات قانونية وسياسية، خاصة في ظل صعوبة الفصل في مثل هذه الاتهامات قضائيًا عند غياب الأدلة المادية التي تثبتها
وأضاف أن قرارات الرفض التي طالت آلاف المترشحين تحت مبرر "العلاقة بأوساط المال والأعمال المشبوهة" أثارت إشكالات قانونية وسياسية، خاصة في ظل صعوبة الفصل في مثل هذه الاتهامات قضائيًا عند غياب الأدلة المادية التي تثبتها.
ويرى بلعربي أن ما حدث ألحق ضررًا بصورة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أكثر مما ألحقه بالمترشحين المقصين أنفسهم، معتبراً أن هذه القرارات الإدارية أفضت إلى استبعاد عدد من الكفاءات والوجوه السياسية التي كانت تستعد لخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة.
اقرأ أيضًا: تشريعيات 2026.. المقصيون بين الطعون والبراءة وحلم البرلمان
كما أشار محدثنا إلى أن حالة من الإحباط سادت مختلف الأحزاب السياسية، بما فيها الأحزاب التي دعمت قانون الانتخابات، بعدما وجدت نفسها من بين أكثر المتضررين من تطبيق هذه المادة على عدد من مرشحيها.
وعلى الصعيد الشخصي، أوضح بلعربي أن قرار إقصائه من الترشح تسبب له، كما لغيره من المترشحين المقصين، في بعض الإحراج والإشكالات داخل محيطه المهني والعائلي، نتيجة الصورة السلبية التي قد تترتب عن قرارات الرفض وما يرافقها من تأويلات وأحكام مسبقة. ومع ذلك، أكد أنه تعامل مع القرار باعتباره محطة سياسية عابرة وليست نهاية لمساره النضالي.
ووصف بلعربي ما جرى بأنه "نقطة سوداء" في مسار السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وإخفاق جديد يضاف إلى جملة من الإخفاقات التي شهدتها العملية الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن ذلك يستدعي مراجعة الآليات القانونية والإجرائية المعتمدة مستقبلاً بما يضمن احترام الحقوق السياسية للمواطنين ويعزز الثقة في المؤسسات الانتخابية.
وفي حديثه عن مستقبله السياسي، شدد بلعربي على أن العمل السياسي والنضالي لا يتوقف عند استحقاق انتخابي واحد، وأن إقصاء مترشح من سباق انتخابي لا يعني إقصاءه من الحياة العامة. وأكد أن المرحلة الحالية تقتضي من جميع المترشحين الذين لم يحالفهم الحظ في المشاركة مواصلة العمل داخل أحزابهم وتنظيماتهم السياسية، وتقديم الدعم للقوائم التي يمثلونها خلال الحملة الانتخابية.
وأضاف أنه، وفاءً للمبادئ والقيم السياسية التي يؤمن بها، سيواصل دعم ومساندة قائمة جبهة العدالة والتنمية خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، كما سيعمل على التحضير للاستحقاقات السياسية القادمة، وعلى رأسها الانتخابات المحلية.
وختم محدثنا أن قرار رفض ملف ترشحه لم يثنه عن مواصلة نشاطه السياسي، بل زاده إصراراً على مواصلة النضال بالوسائل السلمية والقانونية والديمقراطية، والدفاع عن قناعاته ومواقفه داخل الفضاء السياسي والحزبي، مؤكداً أن التغيير والإصلاح يتطلبان نفساً طويلاً وإيماناً راسخاً بالعمل السياسي المسؤول.
رفض الترشح ليست نهاية المسار السياسي
من جانبه، عبّر ياسين مامي، القيادي في حزب جيل جديد، عن استغرابه من قرار رفض ملف ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة، مؤكداً أن المشاعر التي انتابته عقب اطلاعه على القرار كانت مزيجاً من الحسرة والأسف من جهة، ومن الإصرار والعزيمة على مواصلة النضال السياسي من جهة أخرى.
وأوضح ياسين مامي في تواصل مع "الترا جزائر" أن أكثر ما أثار استياءه في هذه التجربة هو ما وصفه بـ "العنف الانتخابي والإداري"، مشيراً إلى أنه فوجئ بتبرير قرار الإقصاء بعبارات تتضمن اتهامات ثقيلة تمس سمعته وشخصه، من قبيل كونه "معروفاً لدى العامة" بارتكاب أفعال مشبوهة، دون أن تُرفق هذه الادعاءات بأي أدلة أو مبررات ملموسة.
ياسين مامي، القيادي في حزب جيل جديد: مثل هذه الممارسات من شأنها أن تساهم في تعميق عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، وتؤثر سلباً على مستوى الثقة في المؤسسات الانتخابية
وأضاف المتحدث أن خطورة هذه الاتهامات لا تكمن فقط في آثارها السياسية، بل أيضًا في انعكاساتها المعنوية والإنسانية، متسائلًا عن الكيفية التي يمكن لهيئة إدارية أن تصدر أحكامًا بهذا الحجم في حق مواطنين ومترشحين دون تقديم ما يثبتها أو يبررها قانونياً.
وأكد القيادي في حزب جيل جديد أنه كان يعول على مسار الطعن القضائي من أجل الاطلاع على طبيعة الاتهامات الموجهة إليه والأسس التي استندت إليها الجهات المعنية في اتخاذ قرار الرفض، غير أنه تفاجأ، بحسب قوله، بعدم تقديم أي معطيات أو أدلة جديدة خلال مراحل الطعن، والاكتفاء بتكرار المبررات نفسها دون سند قانوني واضح.
ورغم ما خلفته هذه التجربة من استياء شخصي وسياسي، شدد القيادي في حزب جيل جديد على أنه لا يشعر بالإحباط أو الرغبة في الانسحاب من العمل العام، بل على العكس من ذلك، يرى فيما حدث دافعاً إضافياً لتعزيز التزامه بالنضال السياسي والدفاع عن دولة القانون والمؤسسات.
اقرأ أيضًا: إقصاء المترشحين يشعل جدلاً سياسياً.. ما مصير البرلمان المقبل في الجزائر؟
واعتبر محدثنا أن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تساهم في تعميق عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، وتؤثر سلبًا على مستوى الثقة في المؤسسات الانتخابية، مؤكدًا أن بناء حياة سياسية سليمة يتطلب ضمان المساواة بين جميع المترشحين واحترام الحقوق السياسية للمواطنين بعيداً عن أي قرارات مبهمة أو اتهامات غير مؤسسة.
وفي حديثه عن مستقبله السياسي، أوضح ياسين مامي أن رفض ترشحه لا يعني نهاية مساره النضالي أو الحزبي، مؤكدًا أن مشروع التغيير الذي يؤمن به حزب جيل جديد يتجاوز المواعيد الانتخابية الظرفية، ويرتبط برؤية طويلة المدى تهدف إلى ترسيخ دولة القانون وتعزيز الممارسة الديمقراطية.
وخلص المتحدث أن المرحلة المقبلة ستكون بالنسبة إليه فرصة لمواصلة العمل السياسي والحزبي بنفس العزيمة، مشددًا على أن النضال من أجل جزائر تقوم على سيادة القانون والشفافية والعدالة يبقى هدفًا ثابتًا لا يتأثر بقرار إداري أو استحقاق انتخابي عابر، وأن خدمة الوطن والدفاع عن تطلعات المواطنين مسؤولية مستمرة تتجاوز حدود الترشح والمناصب.
الكلمات المفتاحية
بعد تثبيت النتائج النهائية للتشريعيات.. ما السيناريو الأقرب للحكومة المقبلة؟
بعد مصادقة المحكمة الدستورية على النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو/ تموز الحالي، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية والمتمثلة في تقديم الوزير الأول سيفي غريب استقالته إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تمهيدا لتشكيل حكومة جديدة.
الأرسيدي: العزوف الانتخابي يعكس رفض الجزائريين للوضع السياسي القائم
أكد المجلس الوطني لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي)، أن الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 جويلية 2026 لم تنجح، بحسب الحزب، في استعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات، معتبراً أن نسبة المقاطعة المرتفعة شكلت أبرز مؤشر سياسي على استمرار الفجوة بين السلطة والناخبين.
المعارضون في الخارج ودعوات العودة إلى الجزائر... هل تكفي الرسائل؟
يأتي هذا التوجه في سياق مسار متجدد، يهدف إلى تعزيز الانفتاح على بعض معارضي الخارج، بحسب عدة الأطراف، إلى جانب توجيه رسائل بشأن توسيع مساحات المصالحة وتشجيع الراغبين منهم على العودة إلى البلاد.
النتائج النهائية لتشريعيات 2026.. أحزاب الموالاة تتصدّر مشهد البرلمان الجديد
أعلنت المحكمة الدستورية النتائج النهائية لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، مؤكدة خريطة برلمانية جديدة حملت تغييرات في موازين القوى بين الأحزاب، مع احتفاظ حزب جبهة التحرير الوطني بصدارة المشهد السياسي، وتعزيز التجمع الوطني الديمقراطي لموقعه، مقابل تغييرات في تمثيل عدد من التشكيلات السياسية مقارنة بالنتائج المؤقتة.
ماذا قال سانشيز عن مستقبل العلاقات بين الجزائر وإسبانيا؟
وأوضح سانشيز، خلال ندوة صحفية مشتركة مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أن الحوار السياسي يمثل الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات بين الجزائر وإسبانيا، مشددًا على أهمية إنجاح الاجتماع المرتقب عبر إطلاق مشاورات سياسية بين الجانبين ابتداءً من اليوم.
موجة الحر في الجزائر.. وزارة الصحة تحذّر هذه الفئات
شددت وزارة الصحة على ضرورة الالتزام بجملة من الإجراءات الوقائية، أبرزها إغلاق الستائر والنوافذ المعرضة للشمس خلال ساعات الذروة، وتجنب الخروج بين الساعة الحادية عشرة صباحًا والرابعة مساءً إلا للضرورة، مع الحرص على البقاء في الظل
كيف علّق قيادي في "جيل جديد" على تركيبة البرلمان الجديد؟
اعتبر نائب رئيس حزب "جيل جديد"، زهير رويس، أن مصادقة المحكمة الدستورية على النتائج النهائية للانتخابات التشريعية والفصل في الطعون المقدمة بشأنها، أسهما في رسم معالم المشهد البرلماني الجديد بشكل أوضح، مؤكدا أن الأغلبية البرلمانية ما تزال قائمة رغم تراجع عدد النواب المستقلين مقارنة بالعهدة السابقة.
منذ الفاتح من ماي.. 3719 حريقًا تضرب الجزائر وخسائر الغطاء النباتي تتضاعف
تعيش الجزائر منذ نحو 12 يومًا موجة استثنائية من حرائق الغابات والأحراش، في ظل ارتفاع كبير في درجات الحرارة، ما أدى إلى تسجيل مئات الحرائق عبر مختلف ولايات الوطن، وسط استمرار عمليات الإخماد والتدخل الميداني للحد من انتشار النيران.