الاقتصاد الرقمي في الجزائر.. الفرصة الضائعة

الاقتصاد الرقمي في الجزائر.. الفرصة الضائعة

الجزائر في المرتبة 150عالميًا في الخدمات الإكترونية (الصورة: تيكانا نيوز)

في غضون سنة 2008، أطلقت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والتكنولوجيات والرقمنة، مشروعًا أطلق عليه (E-ALGERIE)، إذ كان يهدف إلى تحقيق الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي في آفاق 2013، والوصول إلى تحقيق رقم أعمال بـ 8 مليار دولار من خلال التبادلات التجارية الالكترونية، أي ما يُعادل 8 في المائة من الناتج الداخلي.

احتلت الجزائر المرتبة 150 عالميًا في المؤشر العالمي للخدمات الإلكترونية الذكيّة

 يوفّر هذا المشروع للقطاع حسب الدراسات الأوّلية، حوالي مائة ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر سنويًا، واعتمدت الدراسة على القفزة النوعية والكميّة في اشتراكات الهاتف المحمول، الذي بلغ  في ذلك الوقت أي في سنة 2008، حدود 32 مليون مشترك، أمّا خدمة الإنترنت "أدياسال" الخاصّة بالهاتف الثابت فقد بلغت حوالي 800 ألف مشترك.

اقرأ/ي أيضًا: فرنسا تعلّق منح "الفيزا" للجزائريين بسبب الإنترنت

انسجامًا مع التطوّرات التكنولوجية والاقتصادية الحاصلة في العالم، سعت الحكومات المتعاقبة في الجزائر، إلى وضع توصيات وقرارات من شأنها تشجيع الاقتصاد الرقمي، وسُبل تطوير التجارة الالكترونية، وآليات الانتقال من الاقتصاد المادّي إلى الاقتصاد الرقمي.

إمكانيات الجزائر

تمتلك الجزائر في مجال التكنولوجيا والاتصالات، ثلاثة متعاملين في مجال الهاتف المحمول، تُوفّر خدمات الجيلين الثالث والرابع، ومؤسّسة عمومية تحتكر قطاع الهاتف الثابت، وتُغطّي الألياف البصرية على مساحة 149500 كلم. إذ بلغ حجم الاستثمار خلال السنوات الأخيرة في البلاد 1.32 مليار دولار، حيث تتوفّر الجزائر على شبكة من الكوابل الأرضية، قادرة على تقديم تدفّقٍ عالٍ للإنترنت، إضافة إلى ثلاثة كوابل بحرّية للألياف البصرية، تمتدّ إلى إسبانيا من خلال الخط الرابط بين وهران وفالنسيا، وبين الجزائر العاصمة وبالما، والخطّ الفرنسي الرابط بين مدينة عنابة ومرسيليا، وبحسب وزارة البريد، يبلغ مشتركو الجيل الثالث 19,239,448 مشترك، ومشتركو الجيل الرابع 20,621,452 مشترك، أما مشتركو الإنترنت للهاتف الثابت فبلغ عدد 3,063,835 مشترك في الجزائر.

في مقابل هذه الإمكانيات، احتلت الجزائر المرتبة 150عالميًا في المؤشّر العالمي للخدمات الإلكترونية الذكيّة، الصادر عن لجنة الأمم المتّحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية للعام 2018. وهي مرتبة متدنّية، على اعتبار أن 193 دولة شملها الترتيب والتقييم.

أين الخلل ؟

في سياق معرفة الأسباب التي تعرقل تطوّر القطاع الاقتصاد الرقمي في الجزائر، أوضح العيد زغلامي، الأستاذ المختصّ في مجال الإعلام والاتصال، أنّ الاقتصاد الرقمي مرتبطٌ بوجود مجتمع معرفي، أو مجموعات معلوماتية، وهو اقتصاد غير مادي، أي لا يعتمد على الموارد الطبيعية، بل يرتكز على الإنسان الذكي، وهو جوهر الاقتصاد الرقمي.

يُضيف زغلامي في حديثه إلى "الترا جزائر " أنّ الاقتصاد الرقمي، يحتاج إلى توفير الوسائل اللوجستيكي كالأقمار الصناعية، والحواسيب، والألياف البصرية والهواتف الذكيّة، كما يعتمد على توفر البرمجيات التطبيقية.

وفي تقدير المتحدّث، يعود فشل في تنمية قطاع الاقتصاد الرقمي، إلى عدم توظيف كامل القدرات اللوجستية التي تتوفّر عليها الجزائر؛ إذ أنّها تمتلك 60 ألف كلم من الألياف البصرية طاقة استخدامها لا تتعدّى 10 إلى 15 في المائة، ولا يتجاوز استغلالها إلا في المكالمات الهاتفية وتسجيل بعض المعلومات والبيانات.


إحصائيات وزارة البريد حول مشتركي الإنترنت في الجزائر

المقاربة الكلاسيكية 

 من جهته، يعتبر المختصّ في البرمجيات الإلكترونية يزيد أقدال، في حديثه إلى "الترا جزائر" أنّ الإختلالات التي تُعرقل انطلاقة التجارة الرقمية، يُمكن اختصارها في تأخّر صدور القوانين وغياب الجانب التنظيمي للتجارة الإلكترونية، إضافة إلى تأخّر فتح المنصّات الرقمية للدفع الإلكتروني للمتعاملين الاقتصاديين ومواقع التجارة الإلكترونية، ويعود هذا التأخّر حسب المتحدث، إلى تخوّف التجّار من التتبّع المالي لمعاملاتهم التجارية وعلاقتها بالضرائب، زيادة على ذلك، غياب ثقة المواطن العادي في وسائل الدفع الإلكترونية، خصوصًا مع غياب التحسيس الإعلامي حول أهميّة التجارة الإلكترونية، على حدّ قوله.

أمّا في الجانب الخدماتي، يُشير أقدال، إلى وجود نقص في شركات التوزيع والتوصيل التي تضمن إيصال البضائع إلى الزبائن، ويُردف المختصّ في التكنولوجيات، أنّ التعاملات مع الخارج في الاقتصاد الرقمي، هو الدينار الجزائري، وهي عملة غير قابلة للتحويل في المصارف الخارجية، فضلًا على وجود تباين كبير في سعر الصرف بين البنك الجزائري والسوق الموازية. الشيء الذي يقف حاجزًا في التبادلات المالية الرقمية مع الخارج. يضيف المتحدّث.

اهتمام سطحي

في السياق نفسه، يرى الخبير في مجال الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة، نورالدين تيكور، أنّ الجزائر تهتمّ أكثر من أيّ وقت مضى بالتكنولوجيات العصرية، لكن يبقى هذا الاهتمام، بحسب المتحدّث سطحيًا، مستشهدًا بعدم تطوّر شبكات الإنترنت والتي بقيت، رغم توفّرها على خدمات الجيل الثالث والرابع، تقدّم خدمات رديئة، على حدّ تعبيره.

 يُشير المتحدّث، إلى أن الدفع الإلكتروني في الجزائر، يشكّل الحلقة الأضعف في مجال التجارة الالكترونية، رغم وجود نصوص قانونية تسمح بذلك. مضيفًا في حديث إلى "الترا جزائر" أنّه رغم وجود أكثر من 30 مليون مستخدم للإنترنت في الجزائر، لكن كل التقارير تؤكّد أن الجزائر تتصدّر ذيل الترتيب لأنّ خدماتها ذات نوعية ضعيفة.

الدفع الإلكتروني، يدفع إلى النجاعة الاقتصادية، ويشكل آلية من آليات الشفافية في التعاملات المالية

غياب الإرادة السياسية

في مقابل ذلك، يستبعد بعض الخبراء، حصر أسباب فشل الجزائر في التوجّه نحو الاقتصاد الرقمي، إلى الجوانب التنظيمية وغياب البنية التحتية والهيكلية لتكنولوجيات والاعلام؛ ولكن إلى غياب الإرادة السياسية إذا قورنت بدول الجوار؛ فالمغرب مثلًا تجاوزت عتبة 33 مليار دولار سنة 2018 في التعاملات التجارية الإلكترونية، ومعدّل مليون عملية تجارية يوميًا، مع توزيع حوالي 15 مليون بطاقة بنكية، وكلّ هذا أملته الرغبة السياسية التي تُرجمت إلى إعادة النظر الشاملة في المنظومة المالية والبنكية. فالدفع الإلكتروني بالنسبة لهذه الدول يدفع إلى النجاعة الاقتصادية، ويشكّل آلية من آليات الشفافية في التعاملات المالية، بدل الاعتماد على المقاربة الكلاسيكية في عدم استخدام التكنولوجيات التي تفتح أبواب التلاعب والرشوة والفساد.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

انقطاع الإنترنت في الجزائر.. مصداقية البكالوريا تضرب الاقتصاد

إلغاء رحلات العمرة للجزائريين بسبب إجراءات السعودية الجديدة