التركيز على التخصصات التقنية في مسابقة الدكتوراه... هل يُهدّد مستقبل البحث في العلوم الإنسانية؟
5 ديسمبر 2025
يشهد الوسط الجامعي في الجزائر جدلًا واسعًا عقب الإعلان عن قائمة التخصصات المفتوحة لمسابقة الدكتوراه للسنة الجامعية 2025/2026، حيث برز غياب شبه تام لتخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مقدمتها علوم التسيير، علم الاجتماع، العلوم الاقتصادية، والآداب.
بينما تؤكد وزارة التعليم العالي توجّهها نحو تعزيز التخصصات العلمية والتقنية ذات الطابع التطبيقي، يرى العديد من الأساتذة والباحثين أن هذا التحول يحمل في طيّاته مخاطر واضحة على التوازن المعرفي داخل الجامعة الجزائرية
هذا الإقصاء غير المسبوق فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول خلفيات القرار، ودلالاته، والاتجاهات الجديدة التي تعكسها السياسة الجامعية في البلاد.
فبينما تؤكد وزارة التعليم العالي توجّهها نحو تعزيز التخصصات العلمية والتقنية ذات الطابع التطبيقي، يرى العديد من الأساتذة والباحثين أن هذا التحول يحمل في طيّاته مخاطر واضحة على التوازن المعرفي داخل الجامعة الجزائرية، وعلى مستقبل البحث في المجالات الإنسانية والاجتماعية، التي تُعدّ ركيزة لفهم التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع. وفي ظلّ غياب رؤية واضحة حول مكانة هذه التخصصات في منظومة التكوين والبحث.
ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل
عبّر عدد كبير من الطلبة عن غضبهم واستيائهم داخل مجموعات التحضير للمسابقة على فيسبوك، حيث اعتبر الكثيرون أن هذا القرار يمثّل شكلًا من أشكال الظلم والإقصاء الأكاديمي الذي يهدّد مستقبلهم المهني والعلمي. ويؤكد الطلبة أنّ إبعاد تخصصات كاملة من الترشح يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويقوّض الثقة في منظومة التعليم العالي التي يفترض أن تكون فضاءً للعدالة والبحث والإبداع.
ومع اتساع دائرة الجدل، يتصاعد شعور عام بالقلق لدى الآلاف ممن وجدوا أنفسهم خارج مسارات التدرّج العلمي دون توضيحات كافية، الأمر الذي يعيد طرح أسئلة أساسية حول دور الجامعة في احتضان مختلف مجالات المعرفة، وموقع العلوم الإنسانية والاجتماعية في مشروع التنمية الوطنية، ومدى التزام المؤسسات بضمان عدالة أكاديمية تحمي حق جميع التخصصات في مواصلة البحث دون استثناء أو تهميش.
التوجه نحو التخصصات التقنية
يقول الباحث في علم الاجتماع بجامعة قالمة، الدكتور عبيدي توفيق لـ"الترا جزائر"، إن إقصاء التخصصات الأدبية والعلوم الإنسانية من مسابقة الدكتوراه لهذا العام يعكس توجّهًا واضحًا نحو منطق الحوكمة الجديدة الذي تتبنّاه الوزارة في السنوات الأخيرة.
ويضيف أن هذا التوجّه يركّز على دعم تخصصات محددة مثل الرياضيات، الإعلام الآلي، الذكاء الاصطناعي، وبعض التخصصات التقنية التي تُعدّ وفق الرؤية الرسمية أكثر ارتباطًا بسوق العمل وأكثر مردودية اقتصادية.
أما العلوم الإنسانية والاجتماعية، بطبيعتها النقدية وعمقها التحليلي، فيُنظر إليها كتخصصات غير منتجة من الناحية الاقتصادية.
ويؤكد الباحث أنّ هذا المسار الأحادي من شأنه أن يُعيد تشكيل المشهد الجامعي نحو نمط من الكفاءات التقنية «التكنوقراط» بدل تكوين مثقفين ومفكرين، ما يهدد التوازن المعرفي والثقافي داخل الجامعة والمجتمع.
الانعكاسات الإجتماعية
وأضاف عبيدي أن هذا القرار ستكون له انعكاسات اجتماعية واسعة، خاصة أن الدكتوراه تمثّل في المخيال الاجتماعي وفي المسار الدراسي وسيلة للحراك الاجتماعي الصاعد.
وبالنسبة لآلاف الطلبة الذين يستثمرون في التعليم كرأسمال رمزي، فإن إقصاء تخصصاتهم من المنافسة يخلق شعورًا بالإحباط والاغتراب، ويُضعف إيمانهم بالعدالة الأكاديمية. كما يوسّع الهوة بينهم وبين زملائهم في التخصصات العلمية الذين ما يزالون يحظون بفرص للترقي العلمي.
ويرى المتحدث أن هذا النوع من القرارات، الذي يراعي الضرورات الاقتصادية فقط، يُعدّ شكلاً من العنف المؤسساتي تجاه كل من يطمح للوصول إلى المكانة العلمية والاجتماعية عبر البحث.
الباحث في علم الاجتماع بجامعة قالمة، الدكتور عبيدي توفيق لـ"الترا جزائر": العلوم الإنسانية، تشكل البنية التحتية للتفكير النقدي، وتمثل محركًا ضروريًا لفهم الذات الجماعية. والتقليص المستمر من حضورها يهدد بتحويل المجتمع إلى فضاء معرفي أحادي
وأوضح الباحث أن هذا التوجه يعكس أيضًا إعادة ترتيب للبنية المعرفية للمجتمع الجزائري نحو العلوم التقنية على حساب العلوم الإنسانية.
كما يشير الدكتور عبيدي إلى أن هذا التحول، رغم أهميته في عصر التكنولوجيا، قد يُضعف المشروع الثقافي والفكري للمجتمع، لأن استيراد التكنولوجيا دون فهم سياقاتها ودون وجود فكر نقدي يواكبها يجعل المجتمع قادرًا على الاستعمال لكنه غير قادر على التحليل والتفسير.
العلوم الإنسانية قاعدة التفكير والنقد
فالعلوم الإنسانية، كما يقول عبيدي، تشكل البنية التحتية للتفكير النقدي، وتمثل محركًا ضروريًا لفهم الذات الجماعية. والتقليص المستمر من حضورها يهدد بتحويل المجتمع إلى فضاء معرفي أحادي، يمتلك الخبرة التقنية لكنه يفتقر إلى القدرة على تشخيص أزماته الاجتماعية ومعالجة مشكلاته البنيوية.
غياب البحث السوسيولوجي قد يؤدي إلى قصور في تفسير التحولات المجتمعية، وبالتالي إلى سلسلة من القرارات غير المتكيفة مع الواقع
وفي السياق نفسه، أشار عبيدي إلى أن تراجع البحث في علم الاجتماع تحديدًا يشبه إغلاق الرادار الذي يرصد التغيرات في المجتمع. فدراسة الظواهر الاجتماعية ضرورة لفهم الأزمات قبل انفجارها، ولصياغة سياسات عمومية ملائمة للسياق الجزائري. ومن دون الاعتماد على الدراسات السوسيولوجية، تصبح السياسات مفصولة عن الواقع، وتفشل مهما كانت الموارد المادية المخصّصة لها، لأن الإحصائيات وحدها غير كافية لفهم العمق الاجتماعي والثقافي للمشكلات.
ويرى أنّ غياب البحث السوسيولوجي قد يؤدي إلى قصور في تفسير التحولات المجتمعية، وبالتالي إلى سلسلة من القرارات غير المتكيفة مع الواقع.
لتفادي تهميش العلوم الإنسانية مستقبلًا، وجب ربط الأبحاث بقضايا المجتمع، وإنتاج دراسات رصينة يمكن أن يعتمد عليها صانع القرار
وأكد الباحث أنّ الجامعة ليست مجرّد مؤسسة تمنح الشهادات، بل هي فضاء حضاري يحافظ على التوازن بين العلوم التقنية والعلوم الإنسانية.وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس على تركيبة المجتمع ووظائفه.
ولتفادي تهميش العلوم الإنسانية مستقبلًا، يدعو عبيدي إلى ضرورة ربط الأبحاث بقضايا المجتمع، وإنتاج دراسات رصينة يمكن أن يعتمد عليها صانع القرار.
كما يقترح إنشاء مراكز متخصصة في الدراسات الاجتماعية والنفسية، تُصدر تقارير دورية حول التحولات الجارية، وتساهم في بناء سياسات عمومية تستند إلى الواقع المعاش. ويؤكد أن الاستثمار في البحث السوسيولوجي ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء مجتمع قادر على فهم ذاته وتوجيه مساره التنموي بوعي ودراية.
الكلمات المفتاحية

مرضى الكلى في الجزائر.. بين تصاعد أعداد المصابين وتحديات التكفل الصحي
تُعدّ أمراض الكلى من المشكلات الصحية المزمنة المتزايدة في الجزائر، لما لها من تأثير مباشر على نوعية حياة المرضى وعلى المنظومة الصحية بصفة عامة. فقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المصابين بالقصور الكلوي، خاصة القصور الكلوي المزمن، نتيجة عوامل متعددة.

تحولات صامتة في المجتمع.. هل الشيخوخة في طريقها إلى الجزائر؟
بعد ربع قرن من الآن؛ هل توقفنا لنطرح السؤال التالي: إلى أين تتجه ه الأسرة الجزائرية؟مواليد 2026 سيطرقون أبواب العمل بعد التخرج من الجامعات، بينما يقف مواليد الـ 1970 والـ 1980 على عتبات سن التقاعد، وبين جيل وآخر تتغير التركيبة السكانية للمجتمع الجزائري في صمت.

تشريعٌ جديد لدور الحضانة في الجزائر..هل ينهي التجاوزات داخل بعض الروضات؟
لقي النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة التي تشمل دور الحضانة وروضة الأطفال والمؤسسات متعددة الاستقبال الذي كشفت عنه وزارة التضامن مؤخرًا ردود فعل مختلفة لدى أصحاب الروضات، وبالخصوص فيما تعلق بتمديد التوقيت إلى 12 ساعة ولسبعة أيام كاملة.

شهادات عليا خارج حسابات التوظيف في قطاع التربية.. ما القصة؟
لم يتوقع عشرات المترشحين لمسابقة التوظيف في قطاع التربية في أطوار التعليم الابتدائي والمتوسّط والثانوي، إقصاء شرط التكوين المكمّل لشهادة الليسانس سواء ماستر أو دكتوراه من ملف التقدم للترشح، وجاء ردّ وزارة التربية غير متوقعا خصوصا بعد عدم قبول الشهادتين في التوظيف والاكتفاء فقط بالليسانس.

طقس الجزائر.. أمطار غزيرة ورياح قوية تمس عدة ولايات
تشهد عدة ولايات شمال الوطن، ابتداءً من ليلة الخميس إلى غاية يوم الجمعة 23 جانفي 2026، اضطرابًا جويًا فعّالًا يتميّز بتساقط أمطار غزيرة أحيانًا تكون رعدية، مرفوقة برياح قوية، مع تسجيل تساقط للثلوج على المرتفعات.

طقس الجزائر.. ثلوج وأمطار غزيرة بعدة ولايات
الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الخميس، نشرية خاصة حذّر فيها من تقلبات جوية معتبرة، تتمثل في تساقط للثلوج وأمطار غزيرة تمس عدداً من ولايات الوطن.

التقلبات الجوية.. الحماية المدنية في حالة تجند قصوى عبر أكثر من 20 ولاية
أكدت مصالح الحماية المدنية دخولها في حالة تجند تام عبر أكثر من 20 ولاية من الوطن، على خلفية التقلبات الجوية الحادة التي تشهدها عدة مناطق، والتي تميزت بتساقط معتبر للأمطار، بلغت كمياتها في بعض الولايات نحو 120 ملم.

طقس الجزائر.. ثلوج كثيفة وأمطار غزيرة في عدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، نشرية خاصة حذّر فيها من اضطرابات جوية شديدة، تشمل تساقط ثلوج كثيفة وأمطارًا غزيرة جدًا، مرفوقة برياح قوية، تمس عددًا من ولايات الوطن.
