14-سبتمبر-2019

الرمي العشوائي للنفايات تسبّب في انسداد البالوعات (إنفو ترافيك ألجيري)

لم يعد هطول الأمطار مرتبطًا في أذهان الجزائريّين، خلال السّنوات الأخيرة، بالنّعمة، فالمطر في المخيال الشّعبيّ الموروث يعني الخير والبركة، حتّى أنّ مدوّنة الطّقوس الشّعبيّة تتضمّن جملة من الطّقوس والعادات لاستجلابه، بل بات مرتبطًا بالنّقمة، التّي تؤذي المكان والإنسان والحيوان. وقد يتجاوز أذى الأمطار الخسائر الماديّة إلى الخسائر البشريّة.

لعب روّاد موقع التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك دورًا واضحًا في نقل مشاهد السّيول، عبر الصّور والفيديوهات

يعود السّبب الرئيسي بحسب ممتبّعين، إلى الغشّ الذّي أصبح ثقافة عامّة في إنجاز المنشئات، من طرف الحكومات المتعاقبة، حيث باتت تمنح الصّفقات إلى غير المؤهّلين، مع استقالة مصالحها من المراقبة التّقنيّة، وإن فعلت فبروح متواطئة في كثير من الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: بعد دقائق من تساقط المطر.. السيول تغمر العاصمة وعدّة مدن داخلية

ولا ينفي المصوّر سامي الأعرج، دور المواطن في تمكين السّيول من أن تفعل فعلتها بالمدينة الجزائريّة، من خلال تساهله في رمي قمامته بالأساليب غير السّليمة، "ممّا يؤدّي إلى سدّ البالوعات والمجاري المخصّصة لتصريف المياه". يسأل: "هل يحقّ للمواطن الذّي يرمي قارورات الماء والأكياس البلاستيكيّة كيفما اتفق، على مدار شهور الصّيف، حيث يختفي المطر، أن يحتجّ إذا غمرت أمطار الخريف عمارته؟".

غير أنّ محدّث "الترا جزائر"، يستنكر الاكتفاء بتحميل المواطنين مسؤوليّة ما يقع عند هطول الأمطار، "فهم ليسوا مسؤولين عن إنجاز طرقات وبالوعات لا تخضع للمعايير الدّولية، حتّى أنّ منسوبًا بسيطًا من الأمطار بات يتسبّب في خرابات واضحة". ويلفت سامي الأعرج إلى أنّ عبارة "المعايير الدّوليّة" باتت غريبة عن الحكومة الجزائريّة، "فهي لا توظفها إلّا لذرّ الرّماد في العيون مؤقّتًا، ثمّ يفضحها أدنى تساقط للأمطار".

حدث هذا، الخميس، في الجزائر العاصمة وضواحيها، حيث تساقطت كمّيات معتبرة من الأمطار، سبق لديوان الأرصاد الجوّية أن تنبّأ بها في نشريّة خاصّة، فخلقت مشاهد أحالت الأذهان على فياضانات باب الواد، التّي خلّفت أكثر من 2000 قتيل عام 2001. وكان السّبب يومها، حسب تقارير رسمية، سدّ المجاري الكبرى بالإسمنت المسلّح، حتّى لا يستعملها الإرهابيون في الاختباء والتسلّل، من غير العودة لإزالتها، بعد أن استتبّ الأمن في البلاد.

لعب روّاد موقع التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك دورًا واضحًا في نقل مشاهد السّيول، عبر الصّور والفيديوهات، خلال وبعيد حدوثها، مرفوقة بتسمية الأماكن المتضرّرة، من قبيل "بير مراد رايس تغرق" و"بيلكور تغرق" و"حي العربي بن مهيدي يغرق" و"ساحة أوّل ماي تغرق"، بما جعل نبرة الدّعاء بالسّلامة طاغية على الحسابات الفيسبوكيّة للجزائريّين، طيلة أمسية الخميس وليلة الجمعة.

كما تطوّع البعض بالإشارة إلى المفاصل، التّي لم يعد العبور منها متاحًا. وإلى المناطق المتضرّرة والمحتاجة إلى تدخّل المواطنين ورجال الحماية المدنيّة، الذّين أظهرت بعض الصّور عجز إمكانياتهم، أمام واحدة من أكبر السّيول، التّي شهدتها عاصمة البلاد.

لم تتمكّن السّيول من اكتساح الأحياء الشّعبيّة والبناءات الهشّة فقط، بل اكتسحت أيضًا منشئات ضخمة وحديثة لطالما تفاخرت بها الحكومة الموروثة عن زمن الرّئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، مثل المسجد الأعظم في ضاحية المحمّدية، وميترو الجزائر في أكثر من محطّة، والشّطر الإضافي من مطار الجزائر في ضاحية باب الزوّار.

تزامنُ هذه المشاهد الموصوفة بالكارثيّة مع إشادة رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدّفاع الوطنيّ أحمد قايد صالح بالوزير الأوّل نور بدوي، الذّي لا يزال مدرجًا ضمن الباءات المرفوضة، من طرف قوى الحراك الشعبيّ، الذّي انطلق يوم 22 شبّاط/ فيفري الفائت، وبحكومته التّي قال عنها إنّها لم تدّخر جهدًا في خدمة مصالح الشّعب، خلق حالة من السّخرية اللّاذعة لدى "الفسابكة" الجزائريّين.

في السّياق، كتب الإعلاميّ إبراهيم قارة علي أنّ مطار الجزائر يتحوّل إلى ميناء الجزائر. وكتب الممثل محمّد شاوش أنّ الدّولة لم تعد لا مدنيّة ولا عسكريّة، بل صارت برمائيّة. في إشارة منه إلى النّقاش الدّائر في الأوساط الجزائريّة مؤخّرًا حول طبيعة نظام الحكم.

وبالرّوح السّاخرة نفسها، كتب النّاشط محمّد زرواط أنّه تمّ حبس الأمطار بتهمة إضعاف معنويّات البالوعات، في إشارة منه إلى اعتقال النّاشط السياسيّ كريم طابو بتهمة إضعاف معنويّات الجيش.

وفي الوقت الذّي نشر فيه البعض، صورًا لبالوعات معزولة عن الطّرق أو مسيّجة بالإسمنت، قائلين إنّ الحكومة تحمي البالوعات من الماء، كتب المسرحيّ أحمد رزاق: "أليس ربّكم السّابق هو الذّي أنجزه وربّكم الحالي قال عنه إنّه من الإنجازات الكبرى؟". في إشارة منه إلى الشّطر الجديد من مطار الجزائر، الذي تمّ تدشينه، أيّامًا بعد استقالة بوتفليقة.

في المقابل، كتب الإعلامي أحمد راشدي، أنّ الأمطار لم تكن قطراتٍ لدقائق، بل كانت سيولًا جارفة لنصف ساعة، "سياسة التّرقيع كانت سببًا من أسباب الكارثة، لكنّ رمي النّفايات بشكلٍ عشوائيٍّ كان من الأسباب الرّئيسيّة لانسداد البالوعات. إنّ الفيضانات ليست ظاهرة جزائريّة، بل إنّ كل المدن والعواصم عبر العالم تشهد مثل هذه الظّاهرة".

 يبدو أنّ حكومة نور الدّين بدوي لم تعد تواجه غضب الشّارع فقط؛ بل غضب الطّبيعة أيضًا

 يبدو أنّ حكومة نور الدّين بدوي لم تعد تواجه غضب الشّارع فقط؛ بل غضب الطّبيعة أيضًا، بما يضعها أمام أصعب مراحلها. فهل يؤدّي بها ذلك إلى الاستقالة، مثلما يُطالب به قطاع واسع من الجزائريّين؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مدينة جانت.. نكَبتها الأمطار والجغرافيا والإعلام

بعد الثلوج.. الجزائر تغرق!