ultracheck
سياسة

الجزائر والإمارات.. من التوتر الصامت إلى القطيعة المعلنة

11 سبتمبر 2026
الجزائر والإمارات
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

لم يكن قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة وليد تطورات متسارعة، بل جاء تتويجاً لمسار تصعيدي امتد سنوات، كشف عن تحوّل تدريجي في العلاقة بين البلدين من التوتر الصامت والرسائل الإعلامية إلى المواجهة المعلنة.

في يوليو/ تموز الجاري، أشارت مصادر إعلامية جزائرية عن اقتراب إعلان قطع العلاقات، وهو ما بدا الرئيس تبون نفسه يلمّح إلى تأجيله آنذاك "لاعتبارات عربية وأخوية"

فالمسار الذي يُفسر تعليق العلاقات لا يبدأ من قرار القطيعة نفسه، بل من سلسلة إشارات متصاعدة اللهجة أطلقتها المؤسسات الرسمية والاعلامية الجزائرية منذ مطلع 2024، حين عبّر المجلس الأعلى للأمن عن استيائه من "تصرفات عدائية" نسبها، من دون تسمية صريحة، إلى "بلد عربي شقيق" في إشارة مبطّنة إلى أبو ظبي.

وسرعان ما ترجم الرئيس عبد المجيد تبون هذا التحفظ الدبلوماسي إلى اتهام مباشر، حين ربط المال الإماراتي ببؤر التوتر الممتدة من مالي إلى ليبيا والسودان، قبل أن يكرر التحذير ذاته في أبريل/نيسان من العام نفسه، مؤكداً رفض الجزائر أن تُفرض عليها أساليب تَعامل مماثلة لتلك المتبعة مع أطراف إقليمية أخرى.

هذا التصعيد الخطابي الذي امتد قرابة عامين لم يظل حبيس التصريحات، إذ انتقل تدريجياً إلى جملة الإجراءات الميداني، فمع مطلع 2026 أعلنت الجزائر إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع أبوظبي منذ 2013، لتتوقف فعلياً رحلات الطيران الإماراتي إلى البلاد بحلول أواخر أغسطس/ آب.

وفي يوليو/ تموز الجاري، أشارت مصادر إعلامية جزائرية عن اقتراب إعلان قطع العلاقات، وهو ما بدا الرئيس تبون نفسه يلمّح إلى تأجيله آنذاك "لاعتبارات عربية وأخوية"، قبل أن يُحسم الأمر باستدعاء السفير الإماراتي ومطالبته بمغادرة الجزائر خلال 48 ساعة، في خطوة وصفتها وزارة الخارجية بأنها جاءت بعد استنفاد كل الوسائل المتاحة للحفاظ على العلاقات الثنائية.

قراءة سياسية ودبلوماسية

وفي هذا السياق، يرى النائب السابق عن حركة المجتمع السلم "حمس"، عبد الوهاب يعقوبي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن قرار الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة يستدعي قراءة هادئة وموضوعية، بعيدًا عن الانفعال والمواقف الجاهزة، باعتباره تتويجًا لمسار طويل من تراجع الثقة وليس، نتيجة حادثة منفردة.

تراكم الخلافات الاستراتيجية

وأضاف يعقوبي إن الأزمة تعود إلى تراكم خلافات حول عدة ملفات استراتيجية، مثل التوازنات في المغرب العربي، قضية الصحراء الغربية، تطورات منطقة الساحل وإفريقيا، إضافة إلى تباين الرؤى بشأن طبيعة التحالفات والترتيبات الأمنية الإقليمية.

وتابع المتحدث انه من المرجح أن تكون الجزائر قد خلصت إلى أن استمرار العلاقات الدبلوماسية بصيغتها السابقة لم يعد منسجمًا مع ما تعتبره مصالحها الوطنية وأمنها القومي، وهو ما يمنح القرار طابعًا سياسيًا وسياديًا واضحًا.

كما حذر النائب البرلمان السابق، من اعتبار قطع العلاقات نجاحًا دبلوماسيًا بذاته، إذ إن التقييم الحقيقي لأي قرار من هذا النوع يرتبط بنتائجه وبقدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد القطيعة.

النائب السابق عن حركة المجتمع السلم "حمس": قرار الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة يستدعي قراءة هادئة وموضوعية، بعيدًا عن الانفعال والمواقف الجاهزة، باعتباره تتويجًا لمسار طويل من تراجع الثقة وليس، نتيجة حادثة منفردة

مبرزا في هذا السياق جملة من تحديات، على غرار الحفاظ على توازن العلاقات مع بقية الدول العربية والخليجية، تفادي انعكاسات غير ضرورية على المصالح الاقتصادية والاستثمارية، ومنع تحوّل الخلاف الثنائي إلى اصطفافات إقليمية أوسع تضيّق هامش المناورة الدبلوماسية للجزائر.

كما شدد على ضرورة التمييز بين القطيعة الدبلوماسية والقطيعة الاقتصادية، بما أنه ليس من مصلحة أي من الطرفين تحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة شاملة.

الدبلوماسية الجزائرية في امتحان 

وأكد المتحدث أن المرحلة المقبلة، ستشكل اختبارًا مهمًا، ذلك أن القوة في السياسة الخارجية لا تُقاس فقط بالقدرة على اتخاذ قرارات حازمة، بل أيضًا بالقدرة على إدارة تداعياتها وتوسيع هامش التحالفات وتفادي العزلة.

وفي هذا الإطار، تسأل عبد الوهاب يعقوبي ما هي الاستراتيجية التي ستعتمدها الجزائر لإدارة ما بعدها؛ إذ لا تزال تقييمات الخيارات والسياسات العمومية، قبل اتخاذها وبعد تنفيذها، بحاجة إلى مزيد من المؤسسية والدراسة الموضوعية.

الحفاظ على مصالح الجالية الجزائرية

من جهته، طالب المتحدث بإبقاء الجالية الجزائرية في المهجر خارج دائرة الخلاف الدبلوماسي، واستمرار الخدمات القنصلية بشكل طبيعي ومنتظم، على غرار ما هو معتمد في حالات مشابهة.

ونبًه على أنه من غير المقبول أن تتحول الإجراءات الدبلوماسية إلى عوائق أمام الجزائريين المقيمين في الإمارات في تجديد جوازات سفرهم أو استخراج وثائقهم أو تسجيل حالاتهم المدنية، داعيةً السلطات إلى ضمان استمرارية التكفل القنصلي، بما في ذلك عبر آليات بديلة كالاستعانة بسفارة الجزائر في سلطنة عُمان عند الاقتضاء.

أبعد من الخلاف الدبلوماسي

وفي السياق مرتبط، قال آدم مقراني، الحقوقي والباحث في الشأن الدولي والإقليمي في تصريح لـ "الترا جزائر" إن القرار الجزائري لا يمكن فهمه باعتباره مجرد نتيجة لخلاف دبلوماسي مع دولة عربية.

موضحاً أن ما تغير خلال السنوات الأخيرة هو طبيعة التهديد كما تقرأه الجزائر.

وأضاف أن المسألة لم تعد اختلافاً حول ليبيا أو الساحل أو المغرب أو التطبيع مع إسرائيل، وإنما تراكم هذه الملفات داخل فضاء واحد يحيط بالجزائر من عدة جهات.

 آدم مقراني: الإمارات دعمت خلال سنوات الحرب الليبية معسكر خليفة حفتر، في مواجهة مقاربة جزائرية ترى أن الحسم العسكري يهدد وحدة الدولة الليبية.

وأوضح مقراني أن الجزائر تنطلق من عقيدة أمنية واضحة مفادها أن الدفاع عن أمنها لا يبدأ عند الخط الحدودي، بل من منع تحول جوارها إلى مصدر دائم للتهديد، مشيراً إلى أن عدم الاستقرار في ليبيا، وتفكك المجال الساحلي، والتوتر مع المغرب، والاختراق الأمني الإسرائيلي المتزايد في الجوار الغربي، ومحاولات التأثير في تونس، لا تُقرأ في الجزائر باعتبارها أزمات خارجية منفصلة، بل تشكل في مجموعها بيئة ضغط مباشرة على الدولة الجزائرية.

وهذا، بحسب المتحدث، ما يفسر انتقال نظرة الجزائر من منافس دبلوماسي إلى مصدر قلق استراتيجي، وهو ما يمنح عبارة الخارجية الجزائرية عن "التصرفات الاستفزازية أو العدائية" معنى يتجاوز الأزمة الثنائية الضيقة.

التطويق الاستراتيجي

واعتبر الباحث في الشأن الدولي والإقليمي أن مفهوم "التطويق الاستراتيجي" يصبح مشروعاً في قراءة الموقف الجزائري، بِشرط عدم تقديمه كمخطط سري مثبت، بل كنتيجة موضوعية لتحولات متزامنة.

ولفت المتحدث أن الحدود الغربية تشهد شراكة مغربية إسرائيلية تجاوزت البعد السياسي إلى التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي، بالتوازي مع اصطفاف إماراتي واضح إلى جانب المغرب.

وأشار إلى أن الإمارات دعمت خلال سنوات الحرب الليبية معسكر خليفة حفتر، في مواجهة مقاربة جزائرية ترى أن الحسم العسكري يهدد وحدة الدولة الليبية.

وأبرز مقرآني إلى توسع المنافسة على النفوذ في الساحل، وإلى ما خلصت إليه بعثة أممية حديثة من وجود أسباب للاعتقاد بأن شبكات مرتبطة بأفراد وكيانات في الإمارات ودول أخرى زودت قوات الدعم السريع في السودان بالسلاح واللوجستيات والتدريب، وهو ما تنفيه أبوظبي.

وشدد على أن الجزائر لا يمكنها، من منظورها، انتظار وصول نتائج هذه الاختلالات إلى حدودها قبل التعامل معها.

التقارب الإماراتي- والمحتل الإسرائيلي

اعتبر المتحدث أن البعد الإماراتي والمحتل الإسرائيلي يُمثل جوهر التحول النوعي في الأزمة، موضحاً أن الجزائر ليست في صراع مع الإمارات بسبب خيارها السيادي بالتطبيع في حد ذاته، وإنما لأن النظام الإقليمي الناتج عن اتفاقيات التطبيع بدأ يعيد تشكيل موازين القوة في المغرب العربي.

وفي هذا الصدد، قال الباحث:" إن تحول إسرائيل إلى شريك أمني وعسكري مباشر للمغرب، في ظل القطيعة الجزائرية المغربية والصراع حول الصحراء الغربية، إضافة إلى الدور الإماراتي الداعم للرباط والشراكة مع تل أبيب في آن واحد، يجعل من هذا التقاطع عاملاً مشروعاً في الحساب الأمني الجزائري". مؤكدا أن موقف الجزائر ليس موقف دولة تسعى لتوسيع نفوذها، بل موقف دولة تشعر بأن بيئتها الإقليمية يعاد تشكيلها بما يمس توازنها الاستراتيجي، مذكّراً بأن الرئيس تبون سبق أن اتهم الإمارات بالتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية.

كما أشار الباحث إلى أن قرار القطيعة يعكس حساباً سياسياً متأنياً وليس اندفاعاً، موضحاً أن الجزائر اختارت التدرج إدراكاً منها لثقل العلاقة التاريخية مع الإمارات وحساسية أي أزمة مع دولة خليجية. ونبّه إلى أن الجزائر حرصت على عزل أزمتها مع أبوظبي عن علاقاتها مع باقي دول الخليج، التي بقيت خارج هذا الصدام، بل إن الجزائر أكدت خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة تضامنها مع أمن الدول الخليجية، وهو ما يسقط في رأيه أي محاولة لتصوير موقفها كاصطفاف ضد الخليج أو انحياز آلي لإيران. وأضاف أن التباعد السعودي الإماراتي الذي بات أكثر وضوحاً خلال عام 2026 يمنح الجزائر مجالاً أوسع لعزل الأزمة في إطارها الثنائي.

قرار استباقي وردعي

وخلص الباحث إلى أن الجزائر اتخذت قراراً دفاعياً وردعياً أكثر منه هجومياً، رسالته الأساسية أن الجزائر تتحمل اختلاف المواقف لكنها لا تقبل أن يتحول محيطها الجغرافي إلى مجال دائم لإنتاج الضغوط عليها أو أن يمتد التنافس الخارجي إلى شؤونها الداخلية. و

شدد على أن نجاح هذا القرار لن يُقاس بمجرد قطع العلاقات، بل بقدرة الجزائر على تحويل موقفها الدفاعي إلى استراتيجية نفوذ إيجابية، عبر تعزيز حضورها في الساحل، ودعم استقرار تونس، والمساهمة في تسوية ليبية تمنع تحول الجنوب الليبي إلى قاعدة تهديد، وتقديم شراكات إقليمية في الطاقة والاستثمار والأمن.

البعد الاقتصادي ما بعد القطيعة

وبخصوص البعد الاقتصادي ما بعد القطيعة، استبعد الباحث أن تتصرف الجزائر بطريقة انفعالية تجاه الاستثمارات الإماراتية القائمة، باعتبار أن العلاقات السياسية شيء والالتزامات القانونية الدولية شيء آخر. وختم بالقول إن اجزائر لا تبدو دولة تبحث عن خصومة جديدة، بل دولة وصلت إلى قناعة بأن استمرار العلاقة بالشروط السابقة أصبح أكثر كلفة على أمنها من قطعها.

صون مصالح الجالية الجزائرية

وأكد الباحث والحقوقي أن الجزائر حريصة على ألا تتحول القطيعة السياسية مع أبوظبي إلى عقاب غير مباشر للجالية الجزائرية في الإمارات، مشيراً إلى أن استثناء الرحلات المدنية من قيود المجال الجوي يعكس فصلاً محسوباً بين مقتضيات الردع وحماية مصالح الرعايا.

وأوضح أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني تلقائياً قطع العلاقات القنصلية"، وفق المادة 2 فقرة 3 من اتفاقية فيينا، مستحضراً سابقة استمرار القنصليات الجزائرية في الدار البيضاء ووجدة رغم القطيعة مع المغرب منذ ".

وختم بالقول إن الجزائر تريد أن يبقى قرارها موجهاً إلى السلوك السياسي المهدد لأمنها القومي، لا إلى المواطنين أو حركة الأشخاص.

 

الكلمات المفتاحية

فيات غراندي باندا
أخبار

فيات غراندي باندا تدخل مرحلة التسويق في الجزائر.. هذه آخر المستجدات

دخلت سيارة فيات غراندي باندا مرحلة التسويق في السوق الجزائرية، بالتزامن مع التحضيرات الجارية لإطلاق إنتاجها المحلي بمصنع "ستيلانتيس" في طفراوي بولاية وهران.

أمطار
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة على الولايات الشمالية اليوم

تشهد الولايات الشمالية للوطن، بداية من منتصف نهار اليوم الخميس، تساقط أمطار رعدية غزيرة، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية في تنبيه جوي.


مطار أبها
أخبار

من بينهم جزائرية.. 3 قتلى و36 مصابًا في اعتداءين على مطارين سعوديين

قُتل 3 أشخاص وأصيب 36 آخرون، في اعتداءين استهدفا مطاري أبها والملك خالد الدوليين في السعودية، يومي الثلاثاء والأربعاء، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية.

ثانويات
أخبار

ثانوية بولاية جزائرية تحدد شروط استقبال الأولياء.. من يحق له ذلك؟

أصدرت ثانوية المجاهد بحري بكار بولاية الوادي (نوب الجزائر) تعليمة بشأن تنظيم استقبال الأولياء الشرعيين للتلاميذ، حددت فيها الحالات التي يمكن فيها للأم تولي إجراءات متابعة شؤون أبنائها داخل المؤسسة،

الأكثر قراءة

1
أخبار

مشروع قانون المالية 2027 يفتح الباب أمام تعديل أسعار الوقود


2
اقتصاد

مشروع قانون المالية 2027 في 11 نقطة.. تفاصيل الأجور والتوظيف ومشاريع السكن


3
أخبار

بينها الجزائر.. 4700 قاصر دخلوا إسبانيا من 4 دول إفريقية العام الماضي


4
رياضة

نوفل خاسف يرد على اتهامه بالخيانة ويكشف تفاصيل رحيله عن بلوزداد


5
أخبار

سيناتور فرنسي من أصول جزائرية يهاجم خطابًا ضد أبناء المهاجرين.. ماذا قال؟