الحراك الذي لا تحتكره السياسة.. مطالب حيوية ومعيشية من عمق الشارع الجزائري

الحراك الذي لا تحتكره السياسة.. مطالب حيوية ومعيشية من عمق الشارع الجزائري

كل مواطن حمل همه في الحراك الشعبي (الترا جزائر)

يتمسّكون بالحياة، ولأجلها يتمسكون بالتغيير. انتظار طال أمده لسنوات طويلة، كشفته الوجوه والشعارات المقتضبة التي تترجم قصصًا عميقة من قلب الحراك الشعبي. هموم ومشاكل لخّصها البعض في كلمات هي مطالب يتشارك فيها الملايين.

إن بدا الحراك الشعبي سياسي المطالب، فهو يعري حاجة أعمق من السياسة وتسبقها، إنها معاناة اقتصادية يعيشها الجزائريون

وجه آخر للحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر منذ 22 شباط/فبراير، والذي وإن بدا سياسي المطالب، فهو يعري حاجة أعمق من السياسة وتسبقها؛ معاناة اقتصادية يعيشها الجزائريون، في ظروف لم تتحسن كثيرًا منذ التسعينات.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات الجزائر.. العيش الكريم أولًا ودائمًا

دواء الانتظار

في الـ82 من العمر ولازالت الحاجة فاطمة تحلم وتنتظر. تنظر للجماهير في المسيرات، وترى فيهم احتفالًا باقتراب الفرج، بعد أن طحنتها تصبيرات الفشل البيروقراطي: "اصبري، ربما يرد اسمك في القائمة القادمة"، وهي العبارة التي يعرفها جيد آلاف الجزائريين ممن ينتظرون الحصول على مفتاح سكن يمثل الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية.

تقطن السيدة العجوز حي بلكور الشعبي ويعرف أيضًا بـ"بلوزداد". وفي هضبة تطلّ على خليج الجزائر، في مسكن قديم يعود بناؤه للفترة الاستعمارية، تتشاركه هي وغيرها من العوائل التي تنتظر بأمل يخفت تدريجيًا.

أحيى الحراك الشعبي آمال هؤلاء. تقول الحاجة فاطمة لـ"الترا جزائر": "في جزائر 2019 أجهز نفسي للحصول على مفتاح شقة جديدة"، موضحة بأنها تحوز كومة من الأوراق تضمّ أكثر من 25 طلبًا للحصول على سكن وجهته لبلدية بلوزداد، في قلب العاصمة الجزائرية، منذ سنة 1979، "لكن لا حياة لمن تنادي"، تقول المتحدثة.

تتشابه القصص التي يتداولها الآلاف من خلال الشعارات المرفوعة، فـ"العصابة" التي يطالبون برحيلها، ظلمت في توزيع الحقوق، وحق السكن من الحقوق الأولية للإنسان، التي حرم منها كثير من الجزائريين.  

هموم أفراد الحراك

لا يمكن أن تقرأ الشعارات والقصص المصاحبة لها في الحراك الشعبي، من زاوية واحدة، فـ"كل حمل معه همه"، على حد تعبير وردة لعبيدي، التي قالت لـ"الترا جزائر" إنها تخرج في كل مسيرة، وفي كل مرة تحمل معاها لافتة بشعار خاص.

وردة لعبيدي من ضحايا العشرية السوداء، هُجّرت من قريتها في منطقة خميس مليانة بولاية عين الدفلى، التي كانت تعتبر أحد أضلاع مثلث الموت في التسعينات. المثلث الذي يضم بالإضافة لعين الدفلى كل من ولايتي المدية والشلف.

هُجّرت لعبيدي بعد أن اغتيل والدها وهي في السابعة من عمرها. واليوم وهي على مشارف العقد الثالث، لا زالت تنتظر سكنًا يأويها هي وأمها وأخويها.

الحراك الشعبي

تجمع الجزائريون في الحراك الشعبي ككتلة واحدة، لكن المطالب الشخصية متمايزة، وإن انصهرت جميعها في مطلب أساسي أوّلي: "تناحو قاع". يرفع أحدهم لافتة كتب عليها: "زوجتي العزيزة: ستذهب العصابة ويصبح لنا سكن"، إنه عبد العالي البالغ من العمر 45 عامًا.

يقول عبدالعالي: "رموز الفساد سرقت من الملايين الحلم، كما سرقت منهم العمر، وعالجته بحلول الانتظار والصبر "، مضيفًا: "لكن جرعات العلاج أصبحت اليوم بلا فائدة، والجسد والقلب والعقل لم يعد لأيّ منها تقبّل أي وعود".

تعددت الشعارات وتنوعت في الحراك الشعبي؛ فمنها المضحك الساخر ومنها المبكي، ومنها الرمزي، ولكل جزائري قصته في هذا الحراك، ودافع شخصي.

كل يرى"العصابة" من زاويته، وكل يرى النقطة السوداء التي تركتها المنظومة السياسية خلال فترة 20 سنة من الحكم

لغة المطالب التي حملها الجزائريون تتعاظم مثل كرة الثلج، فيبدو أن الحراك الذي بدأ في 22 شباط/فبراير الماضي، كان القطرة التي أفاضت الكأس، وفتحت الجراح في الجزائر، فكل يرى ما باتت تسمى بـ"العصابة" من زاويته، وكل يرى النقطة السوداء التي تركتها المنظومة السياسية خلال فترة 20 سنة من الحكم، والإرث الثقيل الذي ورثته الجزائر، في سنوات الصمت لتتفجر خلال سبعة أسابيع من التظاهر المستمر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أسواق البطالين" في الجزائر.. عبقرية الحاجة

في الجزائر.. العمل دون عقد أو تأمين اجتماعي