الدبلوماسية الجزائرية في زمن كورونا.. عين على ليبيا وأخرى على مالي

الدبلوماسية الجزائرية في زمن كورونا.. عين على ليبيا وأخرى على مالي

الجزائر تسعى للقيام بدور الوساطة في ليبيا (الصورة:MCD)

فتح إعلان مصر بطريقة منفردة لمبادرة سياسية لحل الأزمة في ليبيا، ودون تنسيق مشترك مع دول الجوار والفاعلين الإقليميين، الباب على موقفٍ جزائري غير متحمّس لهذا النّوع من المبادرات الانفرادية، التي تفتقد إلى الأسس السياسية الصلبة التي تضمن نجاح تنفيذها لاحقًا، لكن اهتمام الجزائر بالأزمة الليبية لم يدفعها إلى إغفال أزمة أخرى على حدودها الجنوبية في مالي.

تركّز الجهد الدبلوماسي الجزائري على الملف الليبي من خلال اتصالات ومشاورات مع مختلف الأطراف الليبية

منذ انتخابه في 12 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، وفي أوّل خطاب له، ظلّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يشدّد على ضرورة أن تكون الجزائر شريكة في صياغة أيّ حل سياسي للأزمة في ليبيا، حيث شارك في مؤتمر برلين كانون الثاني/جانفي الماضي، وكان لافتًا تخصيصه أوّل اجتماع لمجلس الأمن القومي للأزمة في ليبيا ومالي، للأمن القومي الجزائري وأمن الحدود الجنوبية.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر تتعامل بـ "بُرود" مع المبادرة المصرية في ليبيا

مسافة واحدة بين جميع الأطراف

في الفترة الأخيرة، تركّز الجهد الدبلوماسي الجزائري على الملفّ الليبي من خلال اتصالات ومشاورات مع مختلف الأطراف الليبية وكذا دول الجوار، لكن الخطوة التي اتخذتها مصر السبت الماضي، بإعلانها مبادرة منفردة حول ليبيا، دفع الجزائر إلى إبداء موقف متحفّظ من هذا الانفراد الذي لا يؤخذ بعين الاعتبار، ضرورات التنسيق مع دول الجوار والقوى الفاعلة والمتدخلة في الشأن الليبي.

ويفسّر بيان وزارة الخارجية الجزائرية بعد المبادرة، امتعاضًا واضحًا من تغييب مصر للجزائر ودول الجوار من أيّ جهد تنسيقي لحلّ الأزمة في ليبيا، إذ ذكر بيان للخارجية الجزائرية تعليقًا علي المبادرة المصرية، أن الجزائر "أخذت علمًا بالمبادرة السياسية الأخيرة من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار، و العمل على إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية"، وتمسّكت بدعوة "مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين لتنسيق جهودهم لإيجاد تسوية سياسية دائمة للأزمة في هذا البلد الشقيق"، وجدّدت الجزائر "تمسّكها بالدور المحوري لدول الجوار من أجل تقريب وجهات النظر بين الأشقاء الليبيين، من خلال اعتماد الحوار الشامل كسبيل وحيد لتحقيق السلام في ليبيا وضمان وحدة و سلامة أراضيها".

وأكّد البيان على "موقف الجزائر القائم على الوقوف على مسافة واحدة من الأشقاء الليبيين، وبالجهود التي بذلتها على مختلف الأصعدة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية بدءًا بوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة الحوار التي تجمع الفرقاء الليبيين من أجل حلٍّ سياسي شامل وفقًا للشرعية الدولية و قرارات مجلس الأمن و في إطار احترام إرادة الشعب الليبي الشقيق".

ويأتي هذا الموقف الجزائري، ردًا على مبادرة القاهرة برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والدول الداعمة له، بعد استقباله الجنرال الليبي خليفة حفتر، ورئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح، إذ ضمت بنود الإعلان، "تفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الجيش الوطني الليبي".

يقرأ كثيرون أن الموقف المصري، ليس نابعًا من رغبة سياسية لإحلال السلام في ليبيا، فالمشاكل السياسية والاقتصادية التي تتخبّط في مصر لفترة طويلة، خاصّة مع أزمة فيروس كورونا الذي ألهم الجبهة الاجتماعية في مصر وأنهكت اقتصادها، يجعلها غير قادرة في هذه الفترة بالذات، على تقديم مبادرة جادّة حيال الوضع في جارتها الغربية، وأن السيسي يكون مدفوعًا من الإمارات والسعودية وفرنسا، التي جعلت منه الناطق الرسمي لسياستهم الخارجية، و"حصان طروادة" لاختراق هذه الأزمة، وصولًا إلى دعم ميليشيات حفتر لإذكاء الصراع في المنطقة.

 وتوحي آخر الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، مع كل من وزير الخارجية الليبي محمد الطاهر سيالة، ووزير الخارجية التونسي نور الدين الري، بشأن آخر التطوّرات في ليبيا ومبادرات الحلّ السياسي، أن هناك رغبة جزائر في بلورة خطوات مشتركة خاصّة مع تونس ودول الجوار، باتجاه استغلال الظروف والمعطيات الراهنة لصالح التعجيل بمؤتمر حوار ليبي- ليبي، أو طاولة مستديرة تنبثق عنها خطوات حلٍ سياسي توافقي تضمن التزام كافة الأطراف الليبية، بتنفيذها وإسنادها بمواقف دولية داعمة تضمن نجاحها على الأرض، بخلاف المبادرات السابقة.

انتشار السلاح

يعتقد متابعون للشأن المغاربي، أن قضية ليبيا، باتت تحتاج إلى "تضافر الجهود بين الدول المجاورة لها، خصوصًا تونس والجزائر، بالنظر إلى الحدود المشتركة بين البلدان الثلاثة، ومخاوف من انتشار الملايين من قطع السلاح في هذا البلد المترامي الأطراف".

هنا، يؤكّد الأستاذ في العلاقات الدولية مصطفى بوهني، على أن الوضع في ليبيا اليوم يحتاج إلى توافقات في حلحلة الأزمة الأمنية والسياسية، إذ قال في تصريح لـ "الترا جزائر"، إن توقيف الاقتتال على الأرض، هو خطوة أولى لفائدة الشعب الليبي الشقيق، و بداية لحلّ الأزمة التي بقيت لسنوات طويلة في ظرف غير مستقر ومخيف أمنيًا".

وشدّد المتحدّث على دور الجزائر المحوري في الأزمة الليبية، فعلاوة على علاقات الأخوة والتاريخ، والحدود المشتركة، فإنّ الجزائر تظلّ رافعة لراية "الحل السلمي بعيدًا عن الحلّ العسكري الذي يفتت البلاد ويشتت شعبها، ويؤثّر على المنطقة ككل بانتشار السلاح".

يُشير الكثيرون إلى أهمية "استتباب الأمن في ليبيا"، خصوصًا لكن هناك أزمة أخرى في فرض السلام في البلاد، وإيجاد مخارج لحوار بين الأطراف المتنازعة على الأرض، ورسم معالم ليبيا الموحدة، في مقابل الحدّ من انتشار السلاح ووضعه تحت المؤسّسة الأمنية الليبية الواحدة، وهي المخاوف الكبرى من انتشار الأسلحة.

في مقابل ذلك، يرى متتبعون أن تحرّك مصر في المبادرة الأخيرة، ينمّ عن اتجاهات نظر من قبل بعض الأطراف الداعمة لحفتر، وهنا يتحدث المحلل السياسي أستاذ العلوم السياسية محمد مصطفاي عن محور الشرق الداعم لحفتر، الذي يضم كل من مصر و دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وروسيا، موضحًا بأنه "دعم لوجيستي ومالي"، يقابله دعم حكومة المجلس الرئاسي المعترف بها دوليًا، وتضم تركيا وقطر وإيطاليا، إضافة إلى دول تؤكّد على شرعية حكومة الوفاق، مثل الجزائر وتونس وألمانيا، ناهيك عن تغير الموقف الأميركي في الفترة الأخيرة لصالح دعم حكومة الوفاق بعد التمركز الروسي لصالح حفتر، على حدّ قوله.

وتوجد الجزائر في أفضل وضع و"أكثر دولة مؤهّلة لأن تقوم بدور وساطة حقيقية والإشراف على مؤتمر حوار بين طرفي النزاع" حسب الأستاذ مصطفاي في حديث لـ "الترا جزائر"، موضحًا أن هذا الدور الإيجابي "بحكم أنها تحظى باحترام أمريكا بعلاقات ومسافة متوازنة مع طرفي الأزمة، ولها علاقة طيبة مع القبائل في الجنوب وخاصة في غدامس، ولديها تنسيق جيد مع دول محايدة مثل تونس وألمانيا و إيطاليا، وعلاقات طبيعية مع روسيا وأمريكا والصين باعتبارهم دولًا مؤثّرة في مجلس الأمن.

السياق الأمني في الحدود 

وإذا كان الملف الليبي أكثر طغيانا على اهتمامات الدبلوماسية الجزائرية، فان الملف الثاني الذي يشكل حضورًا دائمًا في السياق الجزائري هو الأزمة في مالي، والتي تأخذ في الفترة الأخيرة بعدًا أمنيًا بفعل العمليات العسكرية الفرنسية الداعمة للجيش الحكومي في شمال مالي، والأزمة السياسية في بماكو، بين الرئيس وقوى المعارضة السياسية والمدنية، خاصّة وأن الجزائر تظل الدولة الراعية لتنفيذ اتفاق السلام الموقع في أيّار/ماي 2015 في الجزائر، بين الحكومة المركزية في مالي وحركة الأزواد والتوارق المتمركزة في مدن الشمال القريبة من الحدود مع الجزائر، ومثار الاهتمام خلال الأيام الأخيرة، مرتبط بالإعلان عن مقتل زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عبد المالك درودكال، المعروف بأبي مصعب عبد الودود، مع مجموعة من قيادات التنظيم كانت برفقته في منطقة تساليت، القريبة من منطقة تيمياوين الجزائرية جنوب البلاد.

استفادت فرنسا في السابق من انحصار دور الجزائر في منطقة الساحل ومالي خاصّة بعد مرض الرئيس السابق 

وتأخذ التوجّهات المعلنة من قبل الرئيس عبد المجيد تبون في علاقة بمالي، رغبة واضحة في استعادة الدور الجزائري البارز في المنطقة، وبعدًا منافسًا للوجود الفرنسي في منطقة شمال مالي القريبة من الحدود الجزائرية، والتي تمثل عمقًا أمنيًا للجزائر، إذ استفادت فرنسا في السابق من انحصار دور الجزائر في منطقة الساحل ومالي، خاصّة بعد مرض الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 2013، وغياب الجزائر عن المحافل الإقليمية والدولية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد الزيارة التركية للجزائر.. مصر تعيد ضبط بوصلتها على الحلّ السياسي في ليبيا

أطماع فرنسية في ليبيا.. يدٌ مع الوفاق وأخرى على النفط