الذباب الإلكتروني في الجزائر.. كتائب الثورة المضادة على فيسبوك

الذباب الإلكتروني في الجزائر.. كتائب الثورة المضادة على فيسبوك

تزايد استخدام مصطلح الذباب الالكتروني في الجزائر بعد الحراك (امدوّنات الجزيرة)

ليس من الصعب التعرّف عليهم حين يتقمّصون شخصياتهم الافتراضية. حسابات حديثة النشأة، لا صور شخصية، لا أصدقاء، ولا منشورات حقيقية تعبّر عن رأي أصحابها، يتخفّوْن وراء بروفايلات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضهم يختارون لحساباتهم صور حيوانات أو ممثلين مشهورين أو شخصيات تاريخية، يحبّذون أن تكون صورًا بنظارات شمسية وملامح جادّة، وكثير منهم تكاد أوصافهم تتطابق؛ حين يقعون على اختيار بروفايلات متشابهة، تحمل صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو الممثل التركي نجاتي شاشماز المعروف بأدائه لدور مراد علمدار في مسلسل" وادي الذئاب".

لا تقتصر مهمّة الذباب الإلكتروني على استهداف المعلّقين فقط، بل يستهدف أيضًا أصحاب المنشورات

يكرّرون التعاليق نفسها، وينسخونها في كلّ منشور دون قراءة المواضيع، هم أوّل المعلقين على المنشورات بلا منازع، تتراصف تعاليقهم في الثواني الأولى من وضع المنشور على الصفحات واسعة الانتشار، يتهمّون الشخص المستهدف بتهم كثيرة. غالبًا ما يستعملون كلمات وعبارات مختارة بعناية، وكأنها لقّنت لهم، لقد أضحوا يشغلون حيّزًا كبيرًا في التفاعل مع الأحداث وتوجيه الرأي العام، يختارون عمومًا عدم الرّد على التعاليق ومناقشة الأفكار، مهمّتهم واضحة وهي توجيه التعاليق في اتجاه معيّن، مستغلّين تعاطي بعض المعلّقين مع "غريزة القطيع" وعدم خروجهم عن موضوع تعليقات المتفاعلين.

اقرأ/ي أيضًا: هل يفرض الحراك الشعبي منطقه على الجيش؟

لا تقتصر مهمّة هؤلاء على استهداف على المعلّقين فقط، بل يستهدفون أيضًا أصحاب المنشورات، ويوجّهون ألفاظًا مسيئة للتأثير على نفسية الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ودفعهم للتوقّف عن النشر حول ذلك الموضوع. ولأنّهم أشخاصٌ غامضون وغالبًا ما يتبنّون خطابًا إقصائيًا داعيًا إلى الكراهية والاستفزاز، تمّ اختيار مصطلح الذباب الالكتروني تسميةً لهم.

حرب إلكترونية

يُعرّف موقع ويكيبيديا الذباب الالكتروني، على أنه مصطلح استُحدث لوصف الحسابات الآلية أو المُبرمَجة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي عادة ما يكون الهدفُ منها هدفًا سياسيًا بحتًا، يُستخدم أيضا مُصطلح لجنه إلكترونية أو اللجان الالكترونية للمعنى ذاته، وهي اتحاد بين مجموعة من الأشخاص أو مجموعة من المنظمات الإلكترونية تعمل على توجيه أو تغيير اتجاه الرأي العام، إلى فكر معيّن سواءً كان فكرًا أو معتقدًا منافيًا للحقيقة أو معها. وتعتبر اللجنة الإلكترونية إحدى أدوات حروب الإنترنت، ومع ازدهار عصر الشبكات الاجتماعية، بدأت تعمل مجموعات من أجل إنشاء عدد كبير من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة لتغيير رأي المتصفّحين حول قضية معينة.

يقتات الذباب الإلكتروني من الإشاعات والأخبار المغرضة والكاذبة، فيسعى لنشرها على نطاق واسع في الصفحات والحسابات الشخصية والمجموعات المغلقة والمفتوحة، ففي كثير من الأحيان ينشرُ الذباب الالكتروني خبرًا معينًا بكثافة، فيظنّ المستخدم العادي أنه حقيقي ليساهم هو الآخر في مشاركته بين أصدقائه والمساهمة في انتشار الأخبار المزيّفة.

إذن، مهمّة الذباب الالكتروني هي الدفاع بكلّ الطرق عن فكرة معينة، أو الهجوم ضدّ فكرة مضادة، يكون فيها الإستقطاب والتجنيد أحد الوسائل من أجل إشعال حرب إلكترونية، تصبح فيها كل الأسلحة في حكم المباح؛ كتزييف الحقائق و السبّ والشتم والتخوين وتكفير الآخرين. ويُعتبر خطاب الكراهية أحد أقوى أسلحة كتائب الذباب الإلكتروني، وغالبًا ما تنجح تلك الحملات في تمييع الموضوع، وتبعد الرأي العام عن القضايا الأهمّ؛ لتُصبح التعاليق سجالًا ساخنًا يعزف على أوتار حسّاسة مثل الدين والعرق والانتماء واللغة.

ذبابٌ إلكتروني في الجزائر؟

كثيرًا ما يتحدّث متابعون للشأن الجزائري عن حدوث تجنيد إلكتروني مواكب لتطوّرات الحراك الشعبي وتسارع الأحداث في الجزائر، حيث تحدث حرب إلكترونية سلاحها الحواسيب والهواتف النقّالة، وساحة العراك فيها مواقع التواصل الاجتماعي، وذخيرتها الحيّة المعلومات المزيّفة والأخبار الكاذبة.

منذ بدء الحراك الشعبي، استُخدم هذا المصطلح على نطاق واسع الجزائريين، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح أحد التهم الجاهزة التي يتقاذف بها متصفّحو فيسبوك، كلّما حدث اختلاف في الرأي.

حدث مرّة، أن أطلق أحد الصحافيين في بداية الحراك الشعبي  بثًا مباشرًا، من أمام أحد المباني في العاصمة، قال إنّه يعود لعائلة أحد رجال الأعمال المحسوبين على الرئيس السابق، يستعمله في تشغيل الذباب الالكتروني لضرب الحراك وإثارة الخلافات الجهويّة، على حدّ تعبيره، وقد حاول الصحافي اقتحام المبنى قبل أن تتدخّل الشرطة وتصادر هاتفه، وقد عاد هذا الصحافي في وقت لاحق وسجّل مقطع فيديو من داخل المقرّ.

كارولين لامبولي صحافية في موقع "بي بي سي"، أعدّت بحثًا عن ظاهرة الذباب الالكتروني، وخصّصت جزءًا من بحثها عن وجود هذه الظاهرة في الأحداث السياسية التي تعيشها الجزائر، تقول في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية " إنّ التعليقات والمشاركات المنشورة من قبل الذباب الالكتروني تركّز على عدد صغير من المواضيع، يهدف معظمها إلى تقويض حركة الاحتجاجات"، مضيفة أنّ غالبية المواضيع تدور في فلك "نظرية المؤامرة"، حيث تتمّ محاولة زرع فكرة أن هناك رعاية أجنبية وراء الاحتجاجات. تستطرد لامبولي "في بعض الأحيان نصادف أشياء غريبة حقًا مثل عبارة (يحيا الجيش)، حيث يتم نسخ هذه العبارة ولصقها اثنتي عشرة مرّة في رسالة واحدة ، لذلك لا يبدو الأمر سلوكًا بشريًا".

من يموّل الذباب الإلكتروني

غالبًا ما تكون الشخصيات المعارضة، أو الأفكارٌ المخالفة لتوجّه السلطة، هدفًا لهجومات إلكترونية وحملات تخوين، مستغلّة فبركة الصور والوثائق،  ففي عديد المرّات أدان عدد من السياسيين المعارضين استخدام الأخبار المزيفة والذباب الإلكتروني ضدّ الحراك الشعبي، مما يشير ضمنيًا إلى أن السلطة الجزائرية قد تكون هي المسؤولة عن مثل هذه الممارسات.

لا يوجد دليل ثابت يُشير إلى تورّط الحكومة أو الجيش مباشرة في أيّة حملة تضليل، رغم أن غالبية الإشاعات وعمليات توجيه الرأي يعمل في صالحها ولصالح مخططاتها، ففريق موقع "بي بي سي" أوضح أنه في سياق العمل حول هذه الظاهرة في الجزائر، لم يتلقوا ردًا من السفارة الجزائرية في المملكة المتحدة ولا وزارة الاتصال على طلبات رسمية للحديث حول هذه القضية، وقد نشر هذا المقال يوم 17 أيلول/ سبتمبر الجاري.

السلطة الجزائرية حاولت منع بعض المعلومات من التدوال والتضييق على مساحات الاتصال

في مقابل ذلك، توجد تتوفّر معطيات عن ضلوع السلطة في محاولات منع المعلومات من التداول والتضييق على مساحات الاتصال، فوفقًا لمنظمة "نات بلوكس" المتخصّصة في مراقبة حريّة الإنترنت في أنحاء العالم، عُطِّلت إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت في أجزاء عديدة من الجزائر لعدّة مرات، وذلك في محاولة للسيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعدّ المحرّك الرئيسي للحراك الشعبي.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الخطاب الإعلامي بعد الحراك الشعبي في الجزائر

وسائل إعلامية بعد الحراك.. "مات الملك، عاش الملك"