"الزيمورية".. اختفاء الأمّة الفرنسية

(تصوير: ريمي غابالدا/أ.ف.ب)

واضح أن باريس لم تستفق بعد من الصدمة جرّاء إلغاء صفقة الغواصات الكلاسيكية مع استراليا مقابل الحصول على الغواصات النووية الأميركية الأكثر تطورًا تكنولوجيًا. صدمة جعلت باريس تتخبط دبلوماسيَا وتفقد لباقتها ومكانتها الدوليتين. مكانة أمست تتراجع أوروبيًا، وشرق أوسطيًا ومغاربيًا وأفريقيا، ولن تجد فرنسا مخرجًا كعادتها إلا عبر إثارة نقاشات ثانوية وهامشية سواءً على الصعيد الداخلي والخارجي، من خلال إطلاق فقاعات إعلامية وتصريحات لمسؤولين تتمحور حول الاسلام وملف الهجرة والتأشيرات في ظلّ أزمة مجتمعية واقتصادية معقدة.

ترفض فرنسا الاعتراف بتراجع دورها ومكانتها على الصعيد الأوروبي والعالمي متوارية خلف الهوامش والقضايا الثانوية

في هذا السياق، قرّر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمنان إغلاق ستة مساجد وحلّ جمعية دينية، وحظر دار نشر بتهمة "التطرف"، وأشار الوزير أن مصالح وزارة الداخلية أغلقت 650 مركزًا إسلاميًا منذ سنة 2017 وأجرت 24 ألف تحقيق مع مواطنين، ومنعت إقامة الصلاة في 89 مقرًا منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.

اقرأ/ي أيضًا: تصريحات ماكرون.. جزائريون يتفاعلون بالسخرية والتنديد والاستنكار

المناخ السائد اليوم في المشهد الفرنسي متأزم كثيرًا، فإلى جانب الخسائر المالية جرّاء القرار الأسترالي، والتوتر بين لندن وباريس بعد إعلان بريطانيا السماح فقد لعدد قليل من القوارب الفرنسية الصغرى بالصيد في المياه الساحلية التابعة لها، ونهاية المشاور السياسي لـ المستشارة الألمانية إنغيلا ميركل، الحليف المشترك في الاتحاد الأوروبي، ترفض فرنسا الاعتراف بتراجع دورها ومكانتها على الصعيد الأوروبي والعالمي، متوارية خلف الهوامش والقضايا الثانوية.  

داخليًا تعيش فرنسا أزمة متعددة الأبعاد، نتيجة فشل في إدارة أزمة "كوفيد-19"، التي ألحقت عديد من وزراء إلى المُسألة القضائية والبرلمانية، والعجز في إنتاج لقاح على غرار الدول المتقدمة، يضاف إلى ذلك اعتراض غالبية الفرنسيين من تلقي جرعة اللقاح، واعتراضهم على إجراءات إجبارية اللقاح للدخول إلى الأماكن العامة، وانعكست الأزمة الصحيّة لتتحوّل إلى أزمة سياسية تتعلق بالمساس بالحرّيات الفردية والجماعية، وتوسّعت تداعيات الأزمة الاقتصادية في تراجع القدرة الشرائية، وأزمة شتوية في الأفق مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع معدل الاستهلاك الفردي والداخلي.

أما دوليًا، فتشهد فرنسا تراجعًا في القدرة التنافسية وخسارة في الأسواق الدولية أمام  كل من الصين وتركيا وروسيا، وتصاعد الحركات الاحتجاجية في دول أفريقيا مطالبة برحيل الوجود الفرنسي السياسي والعسكري، ما ينعكس عنه فقدان الوظائف، وارتفاع الاحتقان الاجتماعي والغضب الشعبي في تزايد والمتمثل في حركة "السترات الصفراء"، واليسار الشعبوي واليمين المتطرف.

هنا، يبدو المشهد السياسي الفرنسي متصدعًا ومشتتًا خصوصًا بعد تراجع الحزب الاشتراكي والجمهوريين، وهما التياران اللذان سيطرا على المشهد السياسي منذ عقود.

الخطاب السياسي الفرنسي اليوم، قائم على محاور تتعلّق بالخوف من المستقبل ووالتلويح بفزاعة الإسلام، والتوجّس من المهاجرين، ومخاوف البطالة وضياع الطابع الاجتماعي للدولة لصالح "النيولبيرالية".

في هذا الاتجاه، يعتمد الصحافي أريك زيمور، على طروحات معادية للمسلمين والمهاجرين، وصناعة عدو الغد، والدفاع عن الهوية الفرنسية، وهي محاور حاضنة لبروز التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية، حيث بات الكاتب والإعلامي المثير للجدل أريك زيمور، يحتل مكانة هامة في الساحة السياسية والإعلامية، إذ حصل في آخر استطلاع على تأييد 13 بالمئة من الناخبين في حالة ما قرّر الترشح الانتخابات الرئاسية في نيسان/أفريل القادم، هذه النسبة جعلت زعيم الجبهة الوطنية لوبان يُعلن عن تأييده إذ ما قرر الترشح.

ويسعى زيمور في خطابه إعطاء محتوى ملموس لنظرية " الاستبدال"، وحصد كتاب زيمور"فرنسا لم تقل كلماتها الأخيرة" أعلى المبيعات في سوق الكتاب، ويحذر مؤلف زيمور من تمكن المسلمين والافارقة السود من السيطرة على مقاليد السلطة واحتلال مكانة السكان الفرنسيين الأصليين والمسيحيين. 

الخطاب السياسي الفرنسي اليوم قائم على محاور تتعلّق بالخوف من المستقبل والتوجّس من المهاجرين وضياع الطابع الاجتماعي للدولة لصالح "النيولبيرالية"

منذ عام 2019 غرقت فرنسا في أزمات سياسية داخلية وخارجية، فعلى الصعيد تمثلت في وجود أزمات مع تركيا وروسيا وإيطاليا وواشنطن وبريطانيا وأستراليا وإيران ومالي، وأخفقت في لبنان، وخضعت للقرار الأمريكي للانسحاب من أفغانستان، واليوم تفقد مكانتها في الجزائر سياسيًا واقتصاديًا، الأمر الذي يُفسّر قرار فرنسا تشديد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب والجزائر وتونس.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عاصفة دبلوماسية وشيكة بين الجزائر وباريس

ماكرون: النظام الجزائري أنهكه الحراك الشعبي