السكوار.. سوق سوداء للعملة الصعبة في قلب الجزائر
28 سبتمبر 2017
وصلت الفرق الأجنبية المشاركة في "مهرجان الجزائر الدولي للمسرح"، إلى ساحة المسرح الوطني الجزائري، في ساحة بور سعيد وسط الجزائر العاصمة. وكان أوّل ما سأل عنه أعضاؤها، أقرب بنك لتحويل عملتي الدولار الأمريكي واليورو إلى الدينار الجزائري، فأشير إليه بالسوق السوداء المعروفة بالسكوار، البعيدة ببضعة أمتار. رفض معظمهم التعامل مع سوق غير قانونية، ثم انصاعوا للأمر الواقع، حين علموا أن الفارق في أسعار الصرف بين هذه السوق والبنوك الحكومية يصل إلى النصف أحيانًا.
رغم عدم قانونية النشاط في السكوار لا تزال هذه السوق السوداء تنشط وتستقبل الزبناء وهو ما يفسره الكثيرون بوقوف بارونات للفساد خلفها
يساوي الدولار الأمريكي الواحد في البنك الجزائري حوالي 110 دينارات جزائرية، فيما يساوي في سوق السكوار 165 دينارًا. ويصل اليورو الواحد في البنك إلى 120 دينارًا، فيما يساوي في السّوق السوداء 190 دينارًا. علّق أحد المشاركين المغاربة بالقول: "ليس هناك فارق بين البنوك الحكومية والصرّافات الخاصّة عندنا في المملكة، إلا في حدود طفيفة جدًّا. حتى أن الرّاغب في تغيير العملة لا يفرّق بينهما، إلا من زاوية الوقت، إذ تبقى الصرّافات الخاصّة متاحة في معظم الأوقات، فيما تخضع البنوك لتوقيت إداري مضبوط".
اقرأ/ي أيضًا: بائعات الذهب في الجزائر.. تاجرات أم محتالات؟
علّق لـ"الترا صوت" على هذا الواقع في السكوار صاحب وكالة سياحية تعمل على تسفير الحجّاج، وتتعامل مع ساحة السّكوار بشكل دائم: "سعت أطراف كثيرة، في الحكومة وخارجها، إلى فرض نظام مقنن للتعامل بالعملات الأجنبية، لكنّ مساعيها باءت بالفشل. ذلك أن هذا الواقع محمي من طرف جهات نافذة لا يخدم مصالحَها أن تكون المنظومة البنكية الوطنية خاضعة للنزاهة والمعايير الدّولية". يضيف: "يبدو في الظاهر أن الأمر يتعلّق بتعاملات بسيطة، في إطار تيسير المتطلبات الطارئة للناس، لكنه في الواقع يتعلّق بجرائم يعاقب عليها القانون لو كان مفعّلًا، منها تبييض الأموال".
طلب "الترا صوت" من المتحدّث أن يشرح ما ذهب إليه، فوضح: "معظم هؤلاء الشباب البسطاء، الذين يبيعون ويشترون العملات الأجنبية، بما فيها تلك المغمورة، مثل الأوقية الموريتانية، مجرّد واجهة لبارونات لا يظهرون. فهم إما رجال مال وأعمال، وإما متنفّذون في دواليب الحكم، وهم من يعرقل كلّ مسعى للقضاء على السوق السوداء، والاحتكام لنظام بنكي يعتمد المعايير الدّولية، في التعاملات المالية".
دخلنا السوق، وسألنا أحد تجّارها بنبرة توحي بأننا جادّون: "هل يمكننا أن نشتري مليون دولار أمريكي؟". تحفّظ في البداية، ثم قال إنه بإمكانه أن يؤمّن لنا ذلك في حدود ساعة من الزمن. أخرج هاتفه الجوال واتصل بأحدهم ناقلًا له خبر الصّفقة، وتسرّب إلينا من خلال المكالمة، التي حرص على ألا نسمع منها شيئًا أنه تطرّق معه إلى الهامش الذي ينبغي أن يعود إليه منها. ثم اكتشفنا أن محدّثه يقيم في أحد الطوابق المقابلة، تحرّينا في الأمر، فعلمنا أن معظم الشقق المتوفّرة في الساحة مملوكة أو مؤجّرة لإبرام مثل هذه الصفقات الكبيرة.
تخلّصنا من الشابّ، بأن احتفظنا برقم هاتفه، على أساس أننا سنعود إليه حين نجهز مساء أو صباح اليوم الموالي، وانصرفنا إلى غيره. سألنا أحدهم عن الطريقة، التي يعرف بها الأسعار السائدة في السوق، والتي عادة ما تكون متقلّبة، بحسب الأحداث الاقتصادية والسياسية المؤثرة في العالم، مثل حصار دولة قطر، والأزمة الكورية، واستفتاء إقليم كردستان في العراق وكاتالونيا في إسبانيا، فقال إنه يعتمد على مكالمات تصله ساعة بساعة.
المشهد في السوق: عشرات الشباب مختلفي الأعمار والمناطق والمستوى الدراسي، كثير منهم بالزي السلفي، يحتلّون أرصفة السّاحة، التي لا تبعد عن مقرات البرلمان ومجلس الأمة والبحرية وبلدية القصبة ومجلس قضاء الجزائر العاصمة والأمن الحضري، إلا بأمتار قليلة، ويلوّحون بمبالغ من العملات المختلفة، في مقدمتها الدولار الأمريكي واليورو، لجذب الزبائن إليهم. وهم في العادة من الحجّاج والمعتمرين والمغتربين العائدين لقضاء عطلهم في البلاد، والسوّاح والطلبة الأجانب والعاملين في السّفارات الأجنبية.
اقرأ/ي أيضًا: "سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر
لاحظنا أن أحد الزبائن تنقّل بين العديد من التجار، فسألناه عن السبب. قال إنه طالب فلسطيني، "وأنا أقصد هذه السّوق كلما وصلتني حوّالة من شقيقي المقيم في ألمانيا لأحوّلها إلى الدينار الجزائري، وسبب سؤالي أكثر من تاجر عن سعر الصرف، عائد إلى أن هناك فارقًا قد يصل إلى 500 دينار بين تاجر وآخر، بسبب غياب النزاهة عند البعض، خاصّة حين يشتمّون فيك أنك أجنبي أو غير ملمّ بطبيعة السوق".
يمكنك أن تظهر بأي صفة تشاء داخل السكوار في الجزائر، إلا بصفة الصحفي، فهي تجعلك منبوذًا ومصدرًا للتخوف
يمكنك أن تظهر بأي صفة تشاء، داخل السوق السوداء للعملة الصعبة أو السكوار، إلا بصفة الصحفي، فهي تجعلك منبوذًا ومصدرًا للتخوّف، وقد يصل بك الأمر إلى أن تضرب. سألنا أحد التجّار عن سبب هذه الخلفية في النظر إلى الإعلاميين، فقال إنهم يبالغون كثيرًا، "وقد تتسبّب كتاباتهم في قطع أرزاقنا". يسأل: "لماذا يتركون مختلف المشاريع الكبرى المنهوبة، ويركزون على سوق السكوار؟ هل هي المصدر الوحيد الذي ينهك الاقتصاد الوطني؟ ألا يعلمون أنها توفر لقمة العيش لمئات الأسر؟". سألناه عن قيمة ما يتقاضاه شهريًا من شغله، فقال: "آخذ 200 دينار عن كل 100 يورو أو دولار، وهو مبلغ صغير كما ترون".
ويؤدي تفاوت تجار ساحة السكوار في هوامش الرّبح، إذ يعمد بعضهم إلى تخفيضها ليستقطبوا أكبر عدد من الزّبائن، خاصة في موسم الصيف، الذي يعرف عودة المهاجرين وانطلاق الحجيج، إلى شجار قد يبقى بسيطًا أو يتطور كما حصل في 28 آب/ أغسطس الماضي، إذ تحوّلت حينها الساحة إلى فضاء لمعركة حقيقية، ممّا أدى إلى تدخل رجال الأمن، وهروب معظم التجار،قبل عودتهم فيما بعد.
اقرأ/ي أيضًا:
الكلمات المفتاحية

شطبُ السجلات التجارية في الجزائر.. لهذه الأسباب فضل آلاف التجار مغادرة السوق
مع مطلع سنة 2026، لم يمر خبر غلق بعض السجلات التجارية مرور العابر في الجزائر، بل تسلّل بهدوء إلى أحاديث الناس في الأسواق، وورشات الحرفيين، وحتى جلسات المقاهي الشعبية، باعتباره مؤشرًا على مرحلة تنظيمية تشهدها الساحة التجارية مع بداية كل سنة.

التركيز على الشاحنات بدل السيارات.. عودةٌ قويةٌ لمصانع "الهَارْبين" في الجزائر
في الجزائر، تم خلال الأشهر الأخيرة الإعلان عن جملة من المشاريع المتعلقة بصناعة الشاحنات والمركبات النفعية خاصة من صنف "هاربين" ذات السعر المنخفض، في سياق يعكس عودة الاهتمام الرسمي بهذا الفرع الصناعي الحيوي.

تأثيث المنازل .. كيف استطاع المنتج المحلي إزاحة المستورد من قائمة رغبات المستهلك الجزائري؟
بعد بحث طويل على مواقع التواصل الاجتماعي حول نوعية الأثاث الذي يريد اقتناءه لشقته الجديدة التي اقتناها ضمن برنامج عدل 2، قرر الثلاثيني كريم أن يختار صالونا من إنتاج محلي يعرض في أحد محلات بيع الأثاث في مدينة القليعة بولاية تيبازة غرب العاصمة الجزائر، خاصة بعد أن تأكد من إمكانية دفع ثمنه عبر أقساط، وفق ما أوضحه لـ"الترا جزائر".

زيادات الشحن تعود من جديد.. قلق المستوردين وأسئلة المستهلكين مع مطلع 2026
مع بداية سنة 2026، وجد المتعاملون الاقتصاديون في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد يطغى عليه القلق والترقب ، بعد تسجيل زيادات متتالية في تكاليف الشحن البحري والخدمات اللوجستية، زيادات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ: هل هو ظرف عابر مرتبط بتقلبات السوق العالمية، أم نتيجة تحولات أعمق في منظومة النقل البحري؟ وهل تعكس هذه الزيادات اختلالا مؤقتا في سلاسل الإمداد، أم أنها مؤشر على…

طقس الجزائر.. أمطار غزيرة ورياح قوية تمس عدة ولايات
تشهد عدة ولايات شمال الوطن، ابتداءً من ليلة الخميس إلى غاية يوم الجمعة 23 جانفي 2026، اضطرابًا جويًا فعّالًا يتميّز بتساقط أمطار غزيرة أحيانًا تكون رعدية، مرفوقة برياح قوية، مع تسجيل تساقط للثلوج على المرتفعات.

طقس الجزائر.. ثلوج وأمطار غزيرة بعدة ولايات
الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الخميس، نشرية خاصة حذّر فيها من تقلبات جوية معتبرة، تتمثل في تساقط للثلوج وأمطار غزيرة تمس عدداً من ولايات الوطن.

التقلبات الجوية.. الحماية المدنية في حالة تجند قصوى عبر أكثر من 20 ولاية
أكدت مصالح الحماية المدنية دخولها في حالة تجند تام عبر أكثر من 20 ولاية من الوطن، على خلفية التقلبات الجوية الحادة التي تشهدها عدة مناطق، والتي تميزت بتساقط معتبر للأمطار، بلغت كمياتها في بعض الولايات نحو 120 ملم.

طقس الجزائر.. ثلوج كثيفة وأمطار غزيرة في عدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الأربعاء، نشرية خاصة حذّر فيها من اضطرابات جوية شديدة، تشمل تساقط ثلوج كثيفة وأمطارًا غزيرة جدًا، مرفوقة برياح قوية، تمس عددًا من ولايات الوطن.
