ultracheck
سياسة

الشهيد علي بومنجل.. محامٍ في وجه الاستعمار الفرنسي

23 مارس 2026
علي بومنجل
علي بومنجل
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

في الذاكرة التاريخية الجزائرية، تبرز أسماء كثيرة صنعت مسار الكفاح الوطني، غير أن بعضها ظلّ في الظل رغم عمق تأثيره.ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم علي بومنجل، المحامي والمثقف والمناضل الذي جمع بين العمل الحقوقي والالتزام الوطني، وبين الثقافة الإنسانية والعالمية والانتماء الجزائري الاستقلالي.

 لم يكن بومنجل مجرد مناضل سياسي وحقوقي عابر، بل كان حلقة وصل سياسية وفكرية بين تيارات الحركة الوطنية، ومثالًا لنخبة آمنت بالحرية والعدالة والدولة الجزائرية المستقلة.

اعتُقل بومنجل خلال معركة الجزائر سنة 1957، ليُعلن لاحقًا عن وفاته في ظروف غامضة قُدّمت حينها على أنها "انتحار". غير أن الشكوك سرعان ما أحاطت بالرواية الاستعمارية، قبل أن تتأكد الحقيقة بعد عقود باعتراف رسمي فرنسي سنة 2021، بأن الرجل تعرّض للتعذيب والاغتيال على يد الجيش الفرنسي. 

وبين رواية التعتيم الاستعماري ومسار الاعتراف المتأخر، تتجلى قصة علي بومنجل كواحدة من أكثر القضايا دلالة على عنف المرحلة الاستعمارية.

النشأة والطفولة

نشأ علي بومنجل في بيئة عائلية مميزة شكّلت ملامح شخصيته ومساره النضالي. ينحدر من أسرة ريفية تعود أصولها إلى قرية تاوريرت منڨلات في منطقة القبائل، استقرت العائلة في الغرب الجزائري، تحديدًا بمدينة غليزان، حيث وُلد24 في مايو/ آيار سنة 1919.

وقد عرفت عائلة بومنجل حركية اجتماعية ومهنية مهمة، إذ انتقلت من أصولها الفلاحية إلى عائلة من المعلمين حيث مارس والده مهنة التعليم والتدريس في المنطقة.

علي بومنجل: من هو المناضل الجزائري الذي أقرت فرنسا بقتله بعد 64 سنة؟ - BBC  News عربي

تركت مهنة الأب أثرًا عميقًا بوصفها إرثًا عائليًا، حيث انتقلت إلى الأبناء والبنات على حد سواء؛ إذ أصبحت معظم أخواته معلمات وتزوجن من معلمين، وهو ما جعل من هذه الأسرة نموذجًا لما يمكن وصفه بـ"الأسرة المتعلمة" ثقافيًا ومهنيًا إبان الفترة الاستعمارية.

نشأ علي بومنجل في بيئة عائلية مميزة شكّلت ملامح شخصيته ومساره النضالي. ينحدر من أسرة ريفية تعود أصولها إلى قرية تاوريرت منڨلات في منطقة القبائل، استقرت العائلة في الغرب الجزائري، تحديدًا بمدينة غليزان، حيث وُلد24 في مايو/ آيار سنة 1919.

كما كان شقيقه الأكبر المناضل والمحامي محمد بومنجل، الذي يفوقه سنًا بحوالي 11 سنة، مرجعًا مهمًا له في التكوين السياسي والنضالي.

الإرث التاريخي لمدينة غليزان

شهدت منطقة غليزان عبر مختلف مراحل تاريخها إرثًا حضاريًا غنيًا وحركية فكرية وسياسية متميزة، جعلت منها إحدى أهم معاقل النضال الوطني في الجزائر. فقد برزت منذ القرن التاسع عشر كقلعة من قلاع المقاومة الشعبية، حيث بايع سكانها الأمير عبد القادر وأسهموا في دعمه ومساندته في مواجهة الاحتلال الفرنسي.

تأثر علي بومنجل بالحركية الوطنية التي عرفتها المنطقة، وبالدور الذي اضطلعت به مختلف التنظيمات السياسية والجمعيات، ما جعله ينخرط بدوره في مسار النضال الوطني، مستلهمًا من تاريخ غليزان الحافل بالمقاومة والتضحيات

ومع تطور الحركة الوطنية، تحولت غليزان إلى فضاء خصب للنشاط السياسي والفكري، فاحتضنت العديد من المبادرات النضالية، من بينها نشاط الكشافة الإسلامية الجزائرية التي لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ الوعي الوطني لدى الشباب.

كما شهدت المنطقة انخراطًا واسعًا لأبنائها في مختلف التنظيمات السياسية، بدءًا بحزب نجم شمال إفريقيا، ثم حزب الشعب الجزائري، وصولًا إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية، علاوة على الانخراط في الحركة الإصلاحية.

اقرأ أيضًا: ماكرون يعترف: علي بومنجل اختُطف وعُذّب وقُتل على يد الجيش الفرنسي

وقد أسهم هذا الزخم النضالي والتنظيمي في جعل غليزان مركزًا استراتيجيًا خلال الثورة التحريرية، حيث اندمجت ضمن الولاية الخامسة التاريخية، وشاركت بفعالية في دعم الكفاح المسلح، سواء من خلال الإمداد البشري أو اللوجستي، لتؤكد بذلك مكانتها البارزة في مسيرة التحرر الوطني الجزائري.

وفي هذا السياق، تأثر علي بومنجل بالحركية الوطنية التي عرفتها المنطقة، وبالدور الذي اضطلعت به مختلف التنظيمات السياسية والجمعيات، ما جعله ينخرط بدوره في مسار النضال الوطني، مستلهمًا من تاريخ غليزان الحافل بالمقاومة والتضحيات.

مرحلة التعليم وتطور الفكر السياسي

تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى كلية "دوفرييه" في مدينة البليدة (50 كلم عن الجزائر العاصمة)، هناك احتك علي بومنجل بمناضلي حزب الشعب الجزائر أمثال سعد دحلب وعبأن رمضان وبن يوسف بن خدة، وغيرهم من كوادر الحركة الوطنية.

وقد مثّل هذا المسار التعليمي مصدرا أساسيًا في تشكيل البنية السياسية والفكرية لدى بومنجل، اتسم بالنضج الوطني والحقوقي والنضالي لصالح القضية الوطنية، وساهم ذلك في بلورة وعيه السياسي تجاه  المسألة الاستعمارية، حيث لم يعد ينظر إليه كواقع مفروض، بل كمنظومة قمعية تستوجب المقاومة، فازداد إدراكه لطبيعة الصراع الوجودي وضرورة الانخراط في العمل النضالي من أجل التحرر والاستقلال.

مساره الجامعي

وضمن مساره التعليمي، تابع علي بومنجل، على غرار شقيقه أحمد، دراسته في كلية الحقوق بالجزائر العاصمة، ليتخصص لاحقًا في القانون ويعمل محاميًا. تزوج من مليكة عمران، المنحدرة هي الأخرى من عائلة قبائلية، وأنجب منها ثلاثة أبناء وبنتًا واحدة.

مساره السياسي

تُبرز هذه المرحلة من حياته شخصية علي بومنجل كمناضل ملتزم، فقد نشأ في وسط سياسي، تميّز بنشاط الحركة الطلابية والجمعيات. وكان شقيقه أحمد محاميًا لمصالي الحاج، زعيم حزب الشعب الجزائري (PPA)، ما يعكس انخراط العائلة المبكر في العمل السياسي.

الجزائر ترحب باعتراف فرنسا قتل المناضل علي بومنجل

أما علي بومنجل، فقد كان بدوره فاعلًا سياسيًا منخرطًا بفعالية منذ سن مبكرة في النشاط النضالي. ففي الفترة ما بين 1944 و1945، انضم إلى جمعية أحباب البيان والحرية (AML)، التي تأسست سنة 1944، وكان لعائلة بومنجل دور بارز في نشاطها في منطقة غليزان. غير أنه غادر هذه المنظمة عقب أحداث ماي 1945 التي أدت إلى حلّها.

بعد ذلك، التحق بالتنظيم السياسي الذي أسسه وقاده فرحات عباس، وهو الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (UDMA)، الذي أُنشئ سنة 1946 في سياق تميز بإعادة تشكيل الساحة السياسية الوطنية وكان بومنجل واحد من كوادر الحزب، حيث عمل على تنشيط خلايا الحزب في منطقة الغرب والوسط الجزائري.

وداخل هذا التنظيم، كان علي بومنجل يَمثل الجيل الشاب (على عكس شقيقه أحمد، الذي يكبره بأحد عشر عامًا ويمثل الجيل الأقدم)، كما كان يجسد التوجه اليساري المعتدل. وقد تولّى في البداية مسؤولية فرع البليدة، ثم فرع الجزائر العاصمة.

الكتابة الصحفية

تجلّى نضال علي بومنجل أيضًا من خلال انخراطه في مجال الصحافة. فقد ساهم أولًا في جريدة المساواة (Égalité)، لسان حال جمعية أحباب البيان والحرية (AML)، حيث كان أحد أبرز كتّابها. ثم واصل نشاطه في جريدة الجمهورية الجزائرية (La République algérienne)، الناطقة باسم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (UDMA)، حيث شغل فيها دور المسؤول وأحد أهم المساهمين، إن التزام علي بومنجل بالعمل الصحفي يعكس رغبته في الإسهام في بعث وتنشأ الوعي الوطني.

الثورة التحريرية

وتُعدّ ثورة التحرير الوطنية محطة مفصلية في المسار النضالي لعلي بومنجل. ففي هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر السياسي والثوري، لعب دور "محامي الثورة" بين سنتي 1954 و1957، حيث دافع عن الجزائريين المنخرطين في صفوف الثورة ومناضلي الحركة الوطنية أمام مجلس قضاء الجزائر. كما ساهم في دعم الثورة من خلال نشاطه على الصعيد الدولي، خاصة بمشاركته في المجلس العالمي للسلم الذي انعقد في ستوكهولم سنة 1956، كاشفا جرائم الاستعمار الفرنسي والصورة الحقيقة للوجه الكولونيالي.

 التحق علي بومنجل بالتنظيم السياسي الذي أسسه وقاده فرحات عباس، وهو الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (UDMA)، الذي أُنشئ سنة 1946 في سياق تميز بإعادة تشكيل الساحة السياسية الوطنية وكان بومنجل واحد من كوادر الحزب، حيث عمل على تنشيط خلايا الحزب في منطقة الغرب والوسط الجزائري.

وخلال الثورة التحريرية، شغل علي بومنجل موقعًا استراتيجيًا، إذ كان أحد المستشارين السياسيين لعبان رمضان، أحد أبرز قيادات جبهة التحرير الوطني، خاصة بعد توليه مسؤولية العمل في الجزائر العاصمة، كما عمل رفقة أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ.

معركة الجزائر

لقد طالت حملة القمع التي شهدتها العاصمة الجزائرية خلال معركة الجزائر (1957) بشكل مباشر عائلة بومنجل. فقد تم اعتقال علي بومنجل في 9 فبراير /شباط 1957، وظل محتجزًا لمدة 43 يومًا في مقرات المظليين الفرنسيين، إلى غاية اغتياله في 23 مارس/آذار 1957، وقد أعلنت السلطات الاحتلال الفرنسي عن رواية الانتحار، لكن بعد مرور 43 عامًا اتضح أن قوات المظليين التابعين إلى الجنرال بول أوساريس ألقت القبض على بومنجل ليتعرض للتعذيب لمدة تفوق شهرا وتم رميه من الطابق السادس من أحدى البنايات في قلب العاصمة الجزائرية " تحديدا شارع علي خوجة حاليًا وسط بلدية الأبيار.

الكلمات المفتاحية

الجزائر أمريكا

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة

توالت في الأسابيع الأخيرة اللقاءات الجزائرية الأمريكية التي بحثت تعزيز العلاقات الثنائية، وبالخصوص ما تعلق بالجانب الاقتصادي الذي ما يزال بعيدا عن مستوى الفرص المتاحة، كون تعاون البلدين لم يستطع مغادرة حيز قطاعي الأمن والطاقة بالشكل المطلوب، وهو ما يجعل هذه اللقاءات فرصة لتكون بداية جديدة للشراكة بين الجانبين.


الانتخابات.jpg

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟

دخلت انتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية المقررة يوم 28 نوفمبر 2026 مرحلة دراسة ملفات الترشح، بعد انتهاء آجال إيداعها في 8 أكتوبر الجاري، لتنتقل الأحزاب السياسية من سباق استكمال القوائم إلى انتظار قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بشأن مدى مطابقتها للشروط القانونية.


 رياض راني

رياض راني.. شاب من أصول جزائرية في واجهة احتجاجات فرنسا

لم يعد الشاب يواجه فقط الحكومة الفرنسية في ملف التعليم، وإنما وجد نفسه أيضًا هدفًا لانتقادات وهجمات مرتبطة بمواقفه وبخلفيته العائلية


عقوبة الإعدام في الجزائر

العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر.. مقرّران أمميان يوجّهان 6 أسئلة

دخلت آليات الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة على خط النقاش حول قرار السلطات الجزائرية استئناف تنفيذ أحكام الإعدام، في وقت صوّت البرلمان على قانون يوسع نطاق العقوبة.

محمد غرينية
منوعات

محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟

في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.

أنيس حاج موسى
رياضة

أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي

تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.


10492389_713036675410115_8243610965138301161_n.jpg
أخبار

بعد 14 سنة.. نعيمة صالحي تلوّح بالرحيل وتبحث عن خليفة لها على رأس حزبها

لوّحت نعيمة صالحي، مؤسسة ورئيسة حزب العدل والبيان، بإمكانية تسليم مسؤولية قيادة الحزب إلى قيادة جديدة، بعد مسيرة سياسية انطلقت سنة 2012، مؤكدة أنها تبحث عن كفاءات قادرة على تجديد الهياكل وإعادة بناء الثقة ومواصلة المشروع السياسي.

أمطار اليوم الخميس 24 سبتمبر
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تصل إلى 60 ملم عبر 4 ولايات

حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية من تساقط أمطار رعدية غزيرة عبر عدة ولايات من الوطن، بكميات قد تصل إلى 60 ملم أو تتجاوزها، وذلك ابتداءً من مساء السبت إلى غاية مساء الأحد.

الأكثر قراءة

1
أخبار

في قضية مشروع سكني.. التماس عقوبة ثقيلة في حق عبد الحكيم بطاش


2
قول

الولي الشرعي في المدارس الجزائرية.. معضلةٌ إداريةٌ تُهمّش دور الأمهات


3
سياسة

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة


4
سياسة

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟


5
أخبار

هل مُنعت الأمهات من متابعة أبنائهن في المدارس؟ وزارة التربية توضّح