الصحّة في الجزائر وثمانية ملائكة

الصحّة في الجزائر وثمانية ملائكة

حادثة واد سوف أعادت فتح ملفّات قطاع الصحة (تصوير: فاروق بتيش/ وكالة الأناضول)

في العام 2003، سألتُ وزير الصحّة في مكتبه بالوزارة: "سيادة الوزير، هل تشييد المستشفيات، والمصحّات، والعيادات متعدّدة الخدمات عبر مختلف الولايات، سيقضي على أزمة العلاج وبناء منظومة صحيّة؟". ردّ البروفيسور عبد الحميد بركان، وزير الصحة الأسبق قائلًا: "للأمانة نحن نسعى لتطوير الخدمات الصحيّة في الجزائر، والبناء متواصل ومستمرّ". 

بالنسبة لصحفية في بداياتها المهنية، لم أكن أعرف أنّ هذا السؤال سيبقى مفتوحًا لمدّة ستة عشر سنة كاملة

 

بالنسبة لصحفية في بداياتها المهنية، لم أكن أعرف أنّ هذا السؤال سيبقى مفتوحًا لمدّة ست عشرة سنة كاملة، والإجابة عليه، تلقيتها تِباعًا وعلى مرّ الأيّام والأشهر والأعوام التي اشتغلت فيها في هذه المهنة المضنية، رأيت الجواب بعينيْ في أروقة المستشفيات، وسمعت أنّات وأوجاع الجزائريين بأذنيْ، ولمست شكاويهم عبر قاعات الاستعجالات بمشاعري، بل ذُقت منها الكثير من المرارة، وتفاجأت من حجم المعاناة التي يكابدها هؤلاء في عدّة مستشفيات جزائرية، وخصوصًا في جنوبنا الكبير. 

اقرأ/ي أيضًا: وفاة 8 أطفال حديثي الولادة في حريق بولاية الوادي

وزراء الصحّة في بلدي، لا يملكون الإجابة التي تُشفي الغليل وتمسح الدموع، وتجبر القلوب، إلا من خلال الأرقام الخاوية والإنجازات الصمّاء، والقرارات غير الحاسمة، والمواقف غير الثابتة، وتحميل المسؤولية للآخرين، حتى وإن كان جهازًا أصمًّا لا يسمع ولا يتكلّم ولا يشعرُ مثل الجهاز الطارد للبعوض في حادثة مستشفى الوادي، وتعليق المصائب التي يعرفها القطاع على مشجب أجهزة صمّاء لو حركوها لنطقت من ظلم البشر.

المليارات صُرفت لتجهيز المستشفيات الجزائرية، فقط لإخراج مشهد يليق بالمسؤول الذي سيدشّنها، ثم ينسحب من مسؤوليته كمراقبِ وراعٍ للمرضى ولظروف علاجهم؛ مفارقة غريبة وعجيبة في بلد الشعب العظيم.

السؤال الذي طرحته سنة 2003، أفرز عشرات الإجابات هي كالآتي:

  • تعليق وزير الصحّة في الحكومة السابقة،  مختار حسبلاوي، على وفاة الدكتورة عائشة عويسات، رحمها الله، بعد أن مكثت عشرة أيّام في أحد مستشفيات الجنوب، متأثّرة بلسعة عقرب: "عالم الحيوان جميل، والعقارب في الغالب لا تهاجم أحدًا إلا إذا تم استفزازها، ويجب علينا أن نتعلّم العيش في بيئتنا".
  • امرأة تقول لمسؤولين في الصحّة ببلدية بوفاريك بولاية البليدة بعد أن توفي ابنها بداء الكوليرا: "اللي أعطى ما زال يمد والدنيا طويلة".
  • سيّدة من وراء قضبان باب حديدي، في مستشفى بوفاريك بولاية البلدية تستجدي مسؤولًا (والي ولاية البليدة المقال) بأن يُساعدها، وتستعطفه وهي التي أصيبت بداء الكوليرا، معتقدة أنّه سيمدّ لها يد المساعدة، فيأمرها بالبقاء بعيدة عنه حتى لا تنتقل إليه العدوى.
  • موت الطفل محمد، القادم من قلب مدينة النفط الجزائري بحاسي مسعود، في مصحّة للأطفال بأحد مستشفيات العاصمة، ليظلّ جسده معلقًا بين جنبات المصحّة، حتى يتدبّر أهله ثمن تذكرة طائرة لنقله نحو مدينته ودفنه فيها بسلام.
  • امرأة حامل تفقد جنينها في سيارة نقل البضائع، لم يجد زوجها سيارة إسعاف تنقلها من الصحراء نحو مستشفى أدرار.
  • نداءات عبر الفضاء الافتراضي لجزائريين يبحثون عن علاج خارج الجزائر، إمّا بتونس أو تركيا أو إسبانيا أو الأردن.
  • أخيرًا في الوادي: شرارة كهربائية من جهاز طارد للبعوض يتسبب في تفحم ثماني رضع بمستشفى الوادي.

أصوات عديدة، تنادي باستقالة الوزير والحكومة، على خلفية هذا الحدث الجلل

أصوات عديدة، تنادي باستقالة الوزير والحكومة، على خلفية هذا الحدث الجلل. رغم أن الاستقالة لن تُعيد للأهالي أبناءهم، إلا أنها مسؤولية أخلاقية واجتماعية أمام الملايين، وتمنع أيّ مسؤول من استسهال التلاعب بالنّفس البشرية وحياة البشر، وتكون خطوة نحو جبر خواطر الضحايا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصحة.. صداع المواطن الجزائري

لقاحات الأطفال القاتلة تهز قطاع الصحة في الجزائر