24-مارس-2022

الرئيس الجزائري لدى استقباله رئيس الوزراء الاسباني سانشيز (وكالة الانباء الجزائرية)

يَفرض علينا القرار الإسباني الداعم بشكل واضح لمقاربة الحكم الذاتي في حلّ الخلاف بشأن القضية الصحراء، وقفة تتناول كافة أبعاد هذا التحول، يُأخذ بالاعتبار السياقات الجيو سياسية التي يعيشها العالم، والتحولات المحتملة من الأحادية القطبية إلى الثنائية القطبية، والتي تُسجدها اليوم الحرب المباشرة القائمة بين روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو، وعودة أشكال الصراع الأيديولوجي والعسكري والجغرافي بين روسيا الشرقية الأرثدوكسية، والغرب النيوليبرالي، ومنظومته القيمية، ومحاولة الإبقاء على المركزية الغربية.
انعكاسات الأزمة الطاقوية الروسية ألقت ظلالها على الجزائر وتحولت الأنظار والاهتمامات إلى بلد يُصدر الغاز إلى أوروبا

فالقرار الإسباني أبعد ما يكون عن إملاء لمصلحة ظرفية، ربّما كان هدفها اعتراض تدفق الهجرة السريّة، أو حسابات حزبية داخلية، بل هو مُحَصلَة تحولات عالمية يتم الآن صياغتها، ولا ندرك بالضبط ما هي السيناريوهات المستقبلية.

اقرأ/ي أيضًا: إسبانيا تتطلع لتعزيز التعاون الطاقوي مع الجزائر

 وبناء على ذلك، فالإشكالية الحقيقة تَمكن في مكانة الجزائر الجغرافية أفريقيًا ومتوسّطيًا، وعلاقاتها الجوارية مع الحوض الأوروبي المتوسطي، والممرات الملاحية، زيادة على قدراتها النفطية والغازية، عناصر تجعل من الجزائر وسط حلقة معقدة من التجاذبات الإقليمية والعالمية، حتميا هي تَتأثر بما يجري من حولها، كما تُأثر بالمحيط الدائر بجوارها.

إن تداعيات الأزمة الروسية-الأوكرانية، ورغم التباعد الجغرافي عن منطقة شمال أفريقيا، غير أن انعكاسات الأزمة الطاقوية ألقت ظلالها على الجزائر وتحولت الأنظار والاهتمامات إلى بلد يُصدر الغاز إلى أوروبا، ويتمتع باحتياطات هائلة غير مستغلة من الغاز الطبيعي.

 بالمقابل تحتفظ الجزائر بقرارتها السيادية في السياسة الطاقوية، بعيدًا عن الضغوطات الخارجية، كما تحاول الجزائر المحافظة على قدراتها النفطية للأجيال القادمة، سواء للاستهلاك المحلي أو التصدير إلى الخارج، أو تطوير الصناعات البيتروكيميائية، وهو الأمر الذي استدعى زيارة نائبة وزيرة الخارجية الأخيرة، وتدخل الطرف الأمريكي بطلب زيادة امدادات الغاز نحو أوروبا، واستغلال خط الامداد المغربي-الأوروبي، الذي أوقفته السلطات الجزائرية بعد 25 سنة من الاستغلال.  

وعلى ضوء ذلك، لا بد على السلطات الجزائرية رؤية  خطوة القرار الإسباني بشكل أعمق، واعتبار موقف مدريد يندرج ضمن الخريطة السياسية-الطاقوية الجديدة، التي يمليها البحث عن مصادر الطاقة، والبحث عن البدائل الآمنة عن الغاز الروسي لأوروبا، ووسط الصراع على إمدادات النفط والغاز، وبناء على ما تم الإشارة إليه، فلا يمكن اختزال التَغييرات في المواقف الدبلوماسية الإسبانية في أبعادها الثلاثية: الجزائر-المغرب-الصحراء، بل هي أبعد من ذلك بكثير.

في السياق، ما يعزز قراءتنا هو المحيط الدولي الذي يعيش تحولات عميقة لما بعد الأزمة الروسية-الأوكرانية، والعودة المحتملة لإيران إلى المجتمع الدولي، وروسيا تعيش دورة من العزلة والعقوبات الاقتصادية، وتزايد الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، ووسط هذا المناخ المتوتر تكمن أهمية الجزائر ومصادرها النفطية والطاقوية في الصراعات الجيوسياسية، ويجعل مستقبل الجزائر وسط الحسابات الدولية، لتحقيق التوازن في سوق النفط والإمدادات والممرات الطاقوية، وجغرافيا الجزائر على مرمى من الاشتباك مع أوروبا والغرب، نظرا لتقارب الاستراتيجي مع روسيا.

تأثير الجزائر على المحيط الدولي محدود جدًا لكن وفق الظروف الجيو سياسية تمتلك الجزائر أوراق قد تأهلها إلى أداء أدوار هامة

تأثير الجزائر على المحيط الدولي محدود جدًا، لكن وفق الظروف الجيو سياسية تمتلك الجزائر أوراق قد تأهلها إلى أداء أدوار هامة، تحقق مصالحها الاقتصادية والمجتمعية والدبلوماسية، ويَتوقف الأمر على قدرة الانتقال من التسيير الريعي للطاقة إلى الإدارة الجيو إستراتيجية للموارد الطاقوية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجزائر تطمئن الإسبان على الوفاء بإمدادات الغاز قبل الشتاء

ارتفاع قياسي في أسعار الغاز بالسوق الأوروبية