الظلّ الفرنسي في الجزائر.. حقيقة أم وهم؟

الظلّ الفرنسي في الجزائر.. حقيقة أم وهم؟

تيفو ولاية البرج في الجمعة 15(الترا صوت)

أعاد حراك 22 شباط/فبراير الماضي في الجزائر، الحيوية لأصوات لا تزال تنظر إلى باريس كقوّة دولية استعمارية، تعمل على إجهاض كل قفزة نحو الديمقراطية والتحرّر في مستعمراتها السابقة، عبر زرع لوبياتها في الداخل حفاظًا على الوضع القائم، والذي يسمح لها بالإبقاء على امتيازاتها ومصالحها المهمّة في القطاعين الاقتصادي والثقافي بحسب أصحاب هذا التوجّه.

يُشار إلى أن العلاقات الجزائرية-الفرنسية الرسمية، كثيرًا ما عرفت في العقدين الأخيرين  شدًا وجذبًا ظاهريًا، في وقت كانت "سمنًا على عسل" من وراء الستار

يؤيّد هذا الطرح، الأكاديمي الفرنسي بيار لوي ريمون، الذي أكّد في حوار سابق أجريته معه، أنّ قضية العلاقات الجزائرية الفرنسية تبقى من "الملفّات المعقدة لأنها مطبوعة برواسب التاريخ المشترك".

اقرأ/ي أيضًا:"توتال" الفرنسية والبترول الجزائري.. هل أصبحت القضيّة سياسية؟

يشدّد مراقبون للعلاقات الجزائرية-الفرنسية من جهة أخرى، على أهميّة استقرار الجزائر بالنسبة لفرنسا، على عكس المواقف الجاهزة التي تُصدّرها بعض القوى والنخب في الجزائر، وهي المواقف المغلّفة أساسًا بالعاطفة والبحث عن المكاسب السياسية الداخلية والمشحونة بحرب الذاكرة بين البلدين. ويُعيد محلّلون أهميّة استقرار الجزائر بالنسبة للنظام الفرنسي بالنظر إلى العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين الدولتين إلى ثلاث نقاط رئيسية وهي:

الخوف من تدفّق المزيد من المهاجرين

انطلاقًا من معطيات تفيد بأن الجالية الجزائرية هي الأكبر في هذا البلد والبالغة حوالي خمسة ملايين نسمة، نصفهم من مزدوجي الجنسية، يلعبون دورًا حاسمًا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وعددٌ كبير من المهاجرين غير الشرعيين (الحراقة)، بإمكانهم التأثير في إحداث أي تحوّل اجتماعي في فرنسا، ولذلك فإن الحكومة الفرنسية تولي أهميّة لهذا المعطى، وهي لا تتمنى انفلات الأوضاع لدى جارتها جنوب المتوسط، قد تدفع بآلاف الجزائريين إلى النزوح نحو الأراضي الفرنسية.

بلغت نسبة المتقاعدين الجزائريين المستفيدين من تعويضات التقاعد نظير اشتغالهم بفرنسا حوالي 440 ألف شخص

 دور الجزائر في استقرار المنطقة

 تشيد غالبية القوى الدولية بدور الجزائر في استقرار المنطقة المغاربية، ومكافحة الإرهاب والتطرّف في الساحل، بالنظر إلى تجربتها الطويلة وقدراتها اللوجستية الكبيرة في هذا الميدان، ومساعداتها المالية والتقنية لدول المنطقة، إذ تُعتبر جغرافيًا، دولة لديها حدود شاسعة مع كل من ليبيا ومالي والنيجر.

اقرأ/ي أيضًا: مؤشر التنمية الشاملة.. المغرب ومصر تتذيلان الترتيب والجزائر تخلق المفاجأة

هذه الدول التي تعيش منذ سنوات حالة عدم استقرار أمني، تجعل بعض الخبراء الأمنيين الفرنسيين، يصّرون على دور التعاون الأمني بين فرنسا والجزائر ودول المنطقة، ويُبدون قلقهم من أيّ اضطرابات تخرج عن السيطرة في الجزائر. ووفقًا لمقال صدر عن جلال خشيب، الباحث في العلاقات الدولية والجيوبوليتيك، قال فيه إن فرنسا "حرصت دومًا أن تكون الجزائر على الضفّة الجنوبية للمتوسط كلتة جيوبوليتيكية عازلة لكل أشكال المخاطر والتهديدات القادمة من الجنوب، والمهدِّدة لأمنها القومي وأمن حلفائها الأوروبيين، لذا فقد حرصت على الاستقرار الأمني للجزائر من أيّ اضطرابات أو فوضى تُفقدها هذا الدور العازل وتُحوّل أوروبا إلى جحيم، وذلك عبر دعم رجالها في النظام السياسي الجزائري، لكن مع الحرص في المقابل على ألّا يتحوّل هذا الاستقرار الأمني إلى استقرارٍ اقتصادي أو ازدهار ورفاه اجتماعي، من شأنه أن ينقل الجزائر من الخضوع إلى التأثير، ومن السيادة المنقوصة إلى الإرادة الحرّة واستقلالية القرار".

المصالح الاقتصادية الفرنسية

 تعمل باريس على رعاية مصالحها الاقتصادية خاصّة فيما يتعلّق بنشاط شركاتها الصناعية واستثماراتها في الجزائر، بالنظر إلى المنافسة الشديدة التي أصبحت تشكّلها الصين وتركيا عليها في السوق الجزائرية. وهي نفس الرؤية التي يعتقد بها لويس مارتينيز، المتخصّص في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في مركز الدراسات والبحوث الدولية بباريس القائل في حوار مع صحيفة "لاتريبون" الفرنسية إنه "من الناحية الاقتصادية، فالجزائر ليست في حاجة إلى فرنسا، إذ شهدت تطورًا كبيرًا على مستوى بنيتها التحتية، ولكن بلدان مثل الصين وتركيا هي التي تمكّنت من إبرام معظم العقود، وقد أخطأت فرنسا في تقييم احتياجات الاقتصاد الجزائري، حيث اقتصر التبادل التجاري في تصدير المنتجات الاستهلاكية مثل السيارات، وفشلت في التوجّه نحو المشاريع الكبرى".

تبلغ الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر 2.5 مليار دولار نهاية 2017، حسب أرقام نشرتها صحيفة "العربي الجديد" من الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار. تتمثل هذه الاستثمارات بـ500 مشروع، تنخرط فيه نحو 400 شركة تُوفّر نحو 40 ألف منصب شغل مباشر، وترتكز هذه الاستثمارات، في قطاع الطاقة، ثم الصناعات الميكانيكية والصيدلانية، وصولًا إلى الخدمات في المرتبة الأخيرة. كما أن حجم صادرت فرنسا إلى الجزائر يصل إلى 6.4 مليارات أورو، بينما تبلغ نسبة وارداتها من الجزائر نحو 4.4 مليارات.

 يببلغ حجم التبادلات التجارية بين الجزائر وفرنسا نحو خمسة مليارات يورو، إذ تستورد فرنسا 10% من الغاز الجزائري، في مقابل ذلك تبقى  الجزائر من أكبر المستهلكين للقمح الفرنسي 

كل هذه النقاط، تؤكّد مدى متابعة الدوائر الحاكمة في باريس لتطوّرات الأوضاع في أكبر بلد إفريقي من حيث المساحة، تربطها معه مصالح قويّة تسعى دائمًا للحفاظ عليها، في ظلّ دخول قوىً دولية على الخط في العشرين السنة الأولى من الألفية الثانية، خاصّة في مجال التحالفات العسكرية والأمنية في المنطقة كالولايات المتّحدة وروسيا، واقتصاديًا مثل تركيا والصين، وبعيدًا عن لغة الخطاب الاستهلاكي السياسي تبقى العلاقات بين هذه الدول، قائمة على المصلحة والمصلحة المشتركة والنديّة في التعامل وترتيب أوراق المصالح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

5 سلوكات شعبية تدلّ على "هوان" الدينار الجزائري

الخزينة الجزائرية.. هل هو زمن الإفلاس؟