العلم الوطنيّ الجزائريّ.. العودة إلى الشّعب؟

العلم الوطنيّ الجزائريّ.. العودة إلى الشّعب؟

الأعلام الجزائرية حضرت بقوة طيلة الحراك الشعبي (تصوير: رياض قرامدي/أ.ف.ب)

رغم كلّ الخيبات والإجهاضات التّي يعيشها المشهد الوطنيّ، فقد احتفل قطاع واسع من المواطنين بعيد الاستقلال، من خلال التوشّح بالعلم الوطنيّ الذّي رافق الحركة الوطنيّة ثمّ ثورة التّحرير ثمّ عقود الاستقلال..

الحراك الشّعبيّ أعاد العلاقة الحميمة بين المواطن الجزائريّ وعلمه الوطنيّ

لقد هيمنت صورهم بألوانه على موقع التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك، الذّي بات واقعًا مؤثّرًا لا نافذة افتراضية فقط، مشفوعة بتعليقات تدلّ على أنّهم يفرّقون بين الوطن والنّظام الحاكم. وأنّ الوطن ليس حاكمَه حتّى وإن كان صالحًا، فما بالكم إذا كان غير ذلك، حتّى لا أطلق وصفًا آخر. ذلك أنّ الأوطان أكبر وأبقى من الأنظمة. وأنّ أعياد الاستقلال أعياد أوطان لا أنظمة، لذلك لا ينبغي أن نربط احتفالنا بها برضانا أو سخطنا على الحكومات.

اقرأ/ي أيضًا: الجالية الجزائرية والحراك الشعبي.. الوطن الذي يسكن المغتربين

وثمّة ملاحظة يمكن أن يرصدها كلّ من ألقى السّمع وهو شهيد، هي أنّ معظم صور الجزائريّين بالعلم الوطنيّ التّي نشروها في حساباتهم الافتراضيّة، التقطوها خلال مشاركاتهم في مسيرات الحراك الشّعبيّ والسّلميّ، سواءً أولئك الذّين استمرّوا فيها بعد رئاسيّات ديسمبر بحجّة أنّها لم تُلبِّ طموحاتهم، أو أولئك الذّين توقفوا عنها بحجّة أنّها كانت تتويجًا لمطالب الحراك.

ما أردت الوصول إليه هو أنّ الحراك الشّعبيّ أعاد العلاقة الحميمة بين المواطن الجزائريّ وعلمه الوطنيّ، الذّي يُعدّ أهمّ شعار للدّولة والوطن، بعد سنوات من فتورها بسبب نظرته إلى الوجوه والتّوجّهات الحاكمة التّي احتكرت تمثيل هذا العلم، وكانت تعتبر معارضتها خيانةً للوطن، والدّليل أنّ المسيرات الحراكيّة الأولى كانت شبه خالية من الأعلام الوطنيّة لأنّها كانت مخبّأة في مخازن البلديّات والمقرّات الرّسمية، فلا تظهر إلا في المناسبات الوطنيّة وزيارات المسؤولين، تأكيدًا لمعطى احتكار رمزيتها وتمثيلها من طرفهم. ثمّ ظهرت بقوّة لاحقًا في المسيرات لأنّ المواطنين حرّروها من تلك المخازن.

لقد أطلقت السّلطة ذات مرّة، في عهد عبد العزيز بوتفليقة، مبادرة "علَم لكلّ بيت"، لكنّها فشلت فشلًا ذريعًا لأنّها لم تحظَ بتبنّي المواطنين لها لإدراكهم أنّها متاجرة برمزية العلم الوطنيّ من طرفها، إذ كانوا يقارنون بين سلوكها في الميدان وخطابها في المنابر، فيقفون على كلّ المؤشّرات الدّالّة على تلك المتاجرة.

غير أنّهم كانوا يسارعون إلى اعتناق هذا العلم في المقابلات الكرويّة التّي كان يخوضها الفريق الوطنيّ، وفي المسيرات التّي كان يدشِّنها الحراك الشعبيّ والسّلميّ، لإدراكهم أنّ العلم في هذين السّياقين مربوط بالوطن لا بالنّظام.

 وإنّ عودة طفيفة إلى مراحل تشكّل العلم الوطنيّ الجزائريّ، فكرةً وخياطةً ونشرًا واستعمالًا في التّظاهرات والمظاهرات، رغم اختلاف الرّوايات، يجعلنا نقف على حقيقة أنّه مرتبط بأبناء الشّعب لا بالأجهزة الرّسميّة، بما في ذلك مرحلة ثورة التّحرير حيث لم تكن الفوارق كبيرة بين الشّعب وأجهزة الثورة، حتّى تمّ افتكاك الاستقلال الوطنيّ عام 1962، فباتت خياطته وتعليقه واستعماله من اختصاص المؤسّسة الرّسميّة، في مسعى احتكارها للرّموز الوطنيّة والشّرعيّة الثّوريّة بديلًا للشّرعية الانتخابيّة.

لقد كانت خطوة الحراك الشّعبيّ والسّلميّ، فرصةً تاريخيّة لترميم علاقة الجزائريّ بالعلم الوطنيّ

لقد كانت خطوة الحراك الشّعبيّ والسّلميّ، فرصةً تاريخيّة لترميم علاقة الجزائريّ بالعلم الوطنيّ بكلّ رمزياته ودلالاته، وكان ممكنًا البناء على تلك الفرصة للاستثمار إيجابيًّا في الذّهاب إلى مستقبل لا تشنّج فيه بين الوطن ومواطنيه، بكلّ ما يترتّب عن ذلك الانسجام بين الطّريفين من مكاسب وثمار وإنجازات،  لكنّ جملةً من الإجهاضات التّي باشرها النّظام الذّي ثبت أنّه يرفض التخلّي عن عقلية احتكار الحكم والرّموز الوطنيّة، توشك على تعطيل تلك الفرصة. فهل بتنا نتوفّر على ما يكفي من الوعي الشّعبيّ لربط الرّاية الوطنيّة بالوطن لا بالنّظام؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسيرات شعبية في عدّة ولايات.. هل هي عودة الحراك الشعبي؟

مسيرة شعبيّة في خرّاطة.. عودة الحراك؟