القمح الروسي بدل الفرنسي.. توجّه إلى تبعية أخرى؟

القمح الروسي بدل الفرنسي.. توجّه إلى تبعية أخرى؟

نائب رئيس الوزراء الروسي يزور المركز الوطني للحبوب (ميخائيل متزال/Getty)

في الحادي عشر من شهر جويلية/تموز الجاري، أقدمت الحكومة الجزائرية على غلق 45 مطحنة، وبحسب البيان الحكومي، تعود أسباب الغلق إلى التلاعب في توزيع مادّة القمح المدعّمة من طرف الدولة، عبر تضخيم الفواتير و تقديم معلومات مغلوطة عن الكميّات الموزّعة، بهدف  توجيهها إلى السوق السوداء فيما بعد، حيث يُباع بأضعاف ثمنه الحقيقي.

وزير التجارة سعيد جلاب، اعترف أن الاستهلاك المحلّي للقمح  أقلّ من حجم الواردات

 هذه المعطيات، أكّدتها تصريحات رسمية سابقة، حيث اعترف وزير التجارة  سعيد جلاب للصحافة الوطنية "أن نسبة الاستهلاك المحلّي أقلّ من حجم الواردات"، ويأمل كثير من الفاعلين الاقتصاديين، أن تنعكس خطوة محاربة الفساد على تقليص فاتورة استيراد القمح، التي تستنزف احتياطي العملة الصعبة للبلاد.

اقرأ/ي أيضًا: تصريحات ماكرون تفتح جرح الماضي بين فرنسا والجزائر

 أكذوبة الأمن الغذائي

يبلغ حجم الانتاج المحلّي من القمح الصلب واللين حوالي 3.5 مليون طن سنويًا، موزّعة على مساحة مسقية تبلغ 2.5 مليون هكتار، ويشكّل الاستهلاك الإجمالي 10 ملايين طن، بينما يبلغ الطلب المحلّي مستويات مرتفعة تصل إلى 15 مليون طن، وبهدف تسديد العجز وتلبية الاستهلاك الوطني، تستورد الجزائر ما بين 7.5 إلى 8.5 مليون طن سنويًا، وتحتل الجزائر المرتبة الثالثة عالميًا في مجال استيراد القمح، بعد مصر وإندونيسيا.

من جهة أخرى، يشكّل القمح الليّن حوالي 40 في المائة من مجموع واردات المواد الغذائية، أي بمعدل 1.5 مليار دولار من قيمة الواردات التي بلغت  5.894 مليار دولار سنة 2018، ويستنج من هذا الرقم ، أن التبعية الغذائية إلى الخارج لا تزال قائمة، رغم الخطابات الرسمية  الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

 التنافس الفرنسي-الروسي

 في السياق نفسه، تستورد الجزائر ما يعادل 40 في المائة من إنتاج القمح الفرنسي، وتعتبر ثاني زبون رئيسي للمحصول الفرنسي بعد مصر، ويقدّر المعدل الاستيراد 4.6 مليون طن سنويًا.

من جهته، وبدافع التراجع  في المداخيل المالية للجزائر والبحث عن أسعار تنافسية، يرى متابعون احتمال توجّه الجزائر إلى مصادر تموين أخرى، ومن المتوقع أن تواجه فرنسا، المورّد الرئيسي للجزائر، منافسًا من منطقة بحر البلطيق أو البحر الأسود من رومانيا، علمًا أن قطاع إنتاج القمح الليّن  يشهد ارتفاعًا في مستويات الإنتاج العالمي تفوق 5 في المائة، وعلى رأس هذه الدول روسيا، أوكرانيا، البرازيل، الأرجنتين وغيرها.

جدير بالذكر، أنّ حصّة القمح الفرنسي في الجزائر عرفت تراجعًا في السنوات الأخيرة، بعدما بلغت مستويات مرتفعة تقدّر بـ 63 في المائة من سنة 2009 إلى غاية 2016، ويعود هذا التراجع إلى ارتفاع النسبي في الانتاج المحلّي، ودخول متعاملين آخرين كالأرجنتين وبعض الشحنات من أوكرانيا.

السيطرة الروسية العالمية

يبلغ  إنتاج القمح الروسي حوالي 78.8 مليون طن، وتقدّر صادرتها بـ 35 مليون طن، وتحتل روسيا رقم واحد عالميًا إنتاجًا وتصديرًا، ويتوفّر القمح الروسي على مزايا وخصوصيات عديدة، فبالإضافة إلى جودته وتشبّعه بمادة البروتين، فهو يتميّز بوفرته الدائمة، بسبب الاعتماد على انتاجه خلال موسمي الخريف والربيع، إضافة إلى العامل الرئيسي وهو السعر التنافسي المطروح في الأسواق العالمية.

في ظلّ البحث عن تقليص فاتورة الواردات، يشكّل القمح الروسي خيارًا استراتيجيًا ومخرجًا للسلطات الجزائرية، إذ تمّ استقبال بداية السداسي الأوّل، شحنة روسية تجريبية مقدّرة بـ 40 ألف طن، كخطوة أوّلية في التعاون الفلاحي بين البلدين.

التكتّل الفرنسي

 أدى التنافس الفرنسي الروسي على السوق الجزائرية، ومخاوف باريس من تراجع حصّة القمح الفرنسي في الجزائر عمومًا وشمال أفريقيا خصوصًا، بكبار منتجي الحبوب في فرنسا  إلى تأسيس تكتّل تحت تسمية "GRAINS OVERSEAS" أو "الحبوب الموجّهة إلى الخارج" ويضمّ أكبر منتجي الحبوب وهم " In VIVO "، و" Axereal "، و" Nat up ".

يهدف هذا التكتّل إلى رفع التحدّي لمواجهة القمح الروسي، إذ وضع استراتيجية موحّدة تعمل على الحفاظ على الأسواق التقليدية وتعزيز مكانتهم فيها، إذ يهدّد التنافس الروسي بتراجع أسعار القمح الفرنسي بـ 10 دولار للطن الواحد، في حالة فتح السوق الجزائرية أمام القمح الروسي، إذ  يقدّر سعر القمح في السوق الدولية ما بين 170 و180 دولارًا للطن الواحد.

لماذا القمح الفرنسي؟

في هذا السياق، يرى مختصون في  المجال الزراعي، أن السوق الجزائر تبقى  محتكرة من طرف متعاملين فرنسيين لاعتبارات كثيرة، بما في ذلك القرب الجغرافي بين الموانئ الجزائرية والفرنسية، والتسهيلات المالية التي يقترحها الجانب الفرنسي والتي تصل مدّتها إلى سنة كاملة.

 في مقابل ذلك، تبقى حقول القمح الروسية بعيدة عن موانيء البحار الدافئة، رغم القدرات اللوجستية الروسية، وبالتالي لا بد من احتساب تكاليف النقل، وأهم نقطة تتحفظ عليها السلطات الجزائرية هو نسبة "بذور البق" الموجودة في القمح الروسي، والتي تتجاوز 0.1 في المائة، وهو معدّل لا يستجيب لدفتر الشروط الجزائرية.

غالبية المطاحن والمخابز الجزائرية تتوفّر على عتاد يتطابق مع نوعية القمح الفرنسي 

تهدّد "بذور البق" بإتلاف المنتوج سريعًا، ولا يضمن وجودها سلامة التخزين، إضافة إلى هذا، فإنّ المادّة المعتمدة في صناعة الخبز في الجزائر ليست هي نفسها مادّة الخبز في مصر أو في المغرب، كما أن غالبية المطاحن والمخابز الجزائرية، تتوفّر على عتاد من صناعة الاتحاد الأوربي، الذي يتطابق مع نوعية القمح الفرنسي وليس الروسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يريد الجزائريون عودة فرنسا؟

هل "تتواطأ" الجزائر مع مهاجريها في فرنسا كي لا يعودوا؟