ultracheck
سياسة

المال السياسي في الجزائر.. بين القانون ونفوذ "الشكارة" في الانتخابات

19 مايو 2026
المال السياسي-الانتخابات
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

في خضم الاستعدادات للانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 2 يوليو/تموز المقبل، أثار مقطع صوتي متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد أن كشف عن مكالمة هاتفية بين مسؤول محلي في أحد الأحزاب السياسية ومرشح انتخابي، تضمنت شبهات تتعلق ببيع وشراء القوائم الانتخابية.

أعاد هذا التسريب إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي، والمتعلقة بتغلغل المال في العملية الانتخابية وتحوله من وسيلة دعم إلى أداة صعود وهيمنة

وأعاد هذا التسريب إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي، والمتعلقة بتغلغل المال في العملية الانتخابية وتحوله من وسيلة دعم إلى أداة صعود وهيمنة.

ويَفتح هذا الجدل باب التساؤلات حول مدى فعالية الترسانة القانونية في مواجهة ظاهرة المال السياسي، وحدود الفصل بين النفوذ المالي والممارسة السياسية، خاصة في ظل تكرار الاتهامات باستعمال الأموال المشبوهة في صناعة الولاءات وحسم المنافسات الانتخابية.

فهل أصبحت السياسة رهينة للمال؟ وهل يمكن فعلاً خوض معترك انتخابي بعيدًا عن سطوة التمويل، حتى حين يكون مصدره محل شبهة قانونية وأخلاقية؟ أم أن العلاقة بين المال والسياسة باتت جزءًا من بنية الممارسة السياسية الحديثة يصعب فك ارتباطها؟

لا بد من تأطير قانوني 

وفي قراءة قانونية، أكد أستاذ القانون فيصل بوصيدة في تصريح لـ"التر جزائر"، أن من أهم الشروط القانونية لتأسيس الأحزاب السياسية في الجزائر عدم وجود أي ولاء أو تبعية للخارج، موضحا أن قانون الأحزاب السياسية نص صراحة في الفقرة الأخيرة من المادة الثامنة على منع كل أشكال التبعية للمصالح الأجنبية، بما في ذلك تلقي الإعانات المالية من جهات خارجية، معتبرا أن هذا الإجراء يمثل خطوة أساسية لمحاربة المال السياسي القادم من الخارج.

بوصيدة: المادة 55 من قانون الأحزاب السياسية تتيح للحزب تلقي هبات مالية من أشخاص طبيعيين تصل قيمتها إلى 300 مرة الأجر الوطني الأدنى المضمون سنويا، أي ما يعادل نحو 600 مليون سنتيم

وأوضح المتحدث أن الإشكال الحقيقي يكمن في التمويل الداخلي، لافتا إلى أن المادة 55 من قانون الأحزاب السياسية تتيح للحزب تلقي هبات مالية من أشخاص طبيعيين تصل قيمتها إلى 300 مرة الأجر الوطني الأدنى المضمون سنويا، أي ما يعادل نحو 600 مليون سنتيم، وهو ما وصفه بـ "الثغرة القانونية" التي قد تُستغل لتقنين ما يعرف بـ"الشكارة السياسية".

وأشار أستاذ القانون إلى أن قانون الانتخابات تضمن بدوره أحكاما مشابهة فيما يتعلق بتمويل الحملات الانتخابية، سواء بالنسبة للمترشحين المنتمين للأحزاب أو المستقلين، حيث تنص المادة 89 على إمكانية تلقي هبات ضمن سقف مالي محدد يختلف بحسب نوع الاستحقاق الانتخابي، سواء كان تشريعيا أو رئاسيا.

وأضاف أن القانون ألزم المترشحين بتبرير المداخيل والمصاريف الخاصة بالحملة الانتخابية، مؤكدا أن هذه الأموال يجب أن تُوجَّه حصريا للنفقات المرتبطة بالإشهار والتنقل والتنظيم، وليس لأي أغراض أخرى قد تدخل ضمن شراء الأصوات أو التأثير غير المشروع على الناخبين.

وأفاد بوصيدة أن أي خرق لأحكام تمويل الحملات الانتخابية يندرج ضمن التمويل الخفي، مشيرا إلى أن المادة 288 من قانون الانتخابات تنص على معاقبة كل تمويل مخالف للشروط القانونية بعقوبات قد تصل إلى خمس سنوات حبسا، وذلك دون الإخلال بأحكام قانون العقوبات وقانون الوقاية من الفساد.

وفي السياق ذاته، لفت المتحدث إلى أن المشرّع الجزائري حاول تحصين العملية الانتخابية من تأثير المال الفاسد من خلال شروط الترشح، حيث تنص المادة 200 من قانون الانتخابات على إمكانية رفض ترشح الأشخاص المعروفين بعلاقاتهم مع أوساط المال والأعمال المشبوهة، معتبرا أن هذه المادة تشكل آلية قانونية بيد الإدارة لإقصاء المتورطين في مثل هذه الممارسات، بينما تبقى صحيفة السوابق العدلية المرجع الأساسي لإثبات ذلك قانونا.

وخلص محدثنا أن المال يبقى عنصرا أساسيا في تسيير الحياة السياسية المعاصرة، وأن رجال المال والأعمال يؤدون دورا محوريا في الأنظمة السياسية الحديثة، غير أن وضع أطر قانونية صارمة لكشف التجاوزات ومعاقبة المتورطين يظل ضروريا لمحاصرة ظاهرة المال السياسي، خاصة في ظل تنامي المخاوف من التمويل الخارجي منذ أحداث الربيع العربي.

ضرورة تكافؤ الفرص وإعادة النظر

وفي السياق مرتبط، اعتبر المحلل السياسي الدكتور عادل أورابح أن المال يعد عنصرا حيويا في العمل السياسي ولا يمكن فصله عن الممارسة الحزبية، شريطة أن تكون مصادره شرعية وأن يتم صرفه وفقا للقوانين المنظمة للنشاط الحزبي والانتخابي.

أورابح: قانون الانتخابات الجديد تضمن، ظاهريا، تشديدا لآليات ضبط استخدام المال خلال المواعيد الانتخابية، غير أن هذا التشديد يأخذ بعدا أمنيا أكثر منه قانونيا،

وأوضح الدكتور عادل أورابح في حديث لـ "التر جزائر" أن قانون الانتخابات الجديد تضمن، ظاهريا، تشديدا لآليات ضبط استخدام المال خلال المواعيد الانتخابية، غير أنه اعتبر أن هذا التشديد يأخذ بعدا أمنيا أكثر منه قانونيا، لافتا إلى أن معايير تحديد شرعية الأموال ومصادرها ما تزال فضفاضة وتخضع بدرجة كبيرة لتقديرات الجهات الأمنية.

وأشار المتحدث إلى وجود إشكال آخر يتعلق بعدم تكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية، موضحا أن بعض الأحزاب السلطوية القديمة استفادت، خلال مراحل سياسية سابقة، من ظروف معينة مكنتها من تعزيز مواردها المالية بطرق وصفها بالمشبوهة، في حين تجد الأحزاب الجديدة نفسها أمام إمكانيات محدودة وضعيفة.

وبخصوص آليات معالجة الظاهرة، أكد المحلل السياسي أن الإصلاح الحقيقي يقتضي إعادة ضبط العملية السياسية من الصفر، مع فتح ملفات مصادر تمويل الأحزاب القديمة ومحاسبتها قبل التوجه إلى سن قوانين جديدة تتعلق بالأحزاب والانتخابات.

وفي ختام تصريحه، نَوًه الدكتور عادل أورابح أن أي مسعى لإصلاح الحياة السياسية يظل مرتبطا بضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، إلى جانب وضع آليات قانونية واضحة ومستقلة لمراقبة تمويل النشاط الحزبي والانتخابي.

النظام الريعي والمال السياسي

بدوره، قال الناشط السياسي مراد بياتور، في تصريح لـ"التر جزائر"، أن العلاقة بين المال والسياسة في الجزائر تعد علاقة متداخلة، مُرجعا ذلك إلى طبيعة الاقتصاد الوطني القائم أساسا على الريع النفطي والغازي.

حيث تلعب الدولة دورا محوريا في توزيع الموارد والصفقات، ما يجعل الوصول إلى السلطة مرتبطا في كثير من الأحيان بالحصول على الامتيازات الاقتصادية، بحسب أقول المتحدث.

وأشار مراد بياتور إلى أن هذه العلاقة ظهرت بشكل واضح خلال الحراك الشعبي سنة 2019، عندما تم فتح ملفات تتعلق بعلاقة رجال المال والأعمال بالدوائر السياسية ومدى تأثيرهم في صناعة القرار داخل دواليب السلطة، لافتا إلى أن تلك المرحلة شهدت محاكمة العديد من الشخصيات السياسية والاقتصادية البارزة بتهم مرتبطة بالفساد والتمويل السياسي غير المشروع.

بياتور:هذه العلاقة ظهرت بشكل واضح خلال الحراك الشعبي سنة 2019، عندما تم فتح ملفات تتعلق بعلاقة رجال المال والأعمال بالدوائر السياسية ومدى تأثيرهم في صناعة القرار 

وأوضح المتحدث أن العملية السياسية لا يمكن أن تسير دون الاعتماد على المال، باعتباره وسيلة لخدمة النشاط السياسي، غير أن الإشكال في الجزائر، حسب الناشط السياسي، يكمن في تحول المال السياسي إلى أداة للتأثير غير المشروع على القرار السياسي وعلى إرادة الناخبين.

وأفاد بياتور أن المال السياسي يساهم، في بعض الحالات، في شراء الأصوات والناخبين، إلى جانب التأثير على وسائل الإعلام والإدارة، وذلك عبر تمويلات سرية ترافقها، أحيانا، امتيازات اقتصادية وتسوية مصالح شخصية مقابل دعم سياسي.

وحذر الناشط السياسي إلى أن خطورة المال السياسي على المسار الديمقراطي تَكمن في تكريسه لعدم المساواة بين المترشحين وتأثيره المباشر على إرادة الناخبين، مُشيرا إلى أن التدخل غير المشروع للمال في السياسة أدى إلى تراجع ثقة المواطن في العملية السياسية والانتخابية، فضلا عن انتشار المحسوبية والزبائنية وربط المصالح بالولاءات السياسية.

وفي الأخير شدد مراد بياتور أن القضاء على ظاهرة المال السياسي يَقتضي القيام بإصلاحات جذرية تشمل الإدارة والاقتصاد، مؤكدا على أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل ديمقراطية حقيقية تقوم على الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء.

https://whatsapp.com/channel/0029VaBBP2J5Ejxz0gwcXJ1t

 

الكلمات المفتاحية

تشريعيات 2026

تشريعيات 2026.. لماذا تراهن الأحزاب على النقابيين والجمعويين؟

ورغم أن القانون الجزائري يقيد المزاوجة بين النضال السياسي والحزبي والعمل النقابي والجمعوي، إلا أن المواعيد الانتخابية تجعل الأحزاب على الدوام تتقرب من النشاطين العماليين والجمعويين وترشيحهم في صفوفها حتى ولو كانوا لا ينتمون سالفا إلى صفوفها، نظرا لاعتقادها أن رصيدهم الجماهيري قادر على حجز مقاعد إضافية لأي تشكيلة سياسية تحظي بترشيحهم.


تشريعيات 2026 في الجزائر

سباق القوائم يسبق صناديق الاقتراع.. الأحزاب الكبرى ترسم أولى ملامح تشريعيات 2026

قبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 2 جويلية المقبل،ومع بداية الحملة الانتخابية بدأت مؤشرات المنافسة السياسية تظهر من بوابة اعتماد القوائم الانتخابية، وهي المرحلة التي ينظر إليها عادة باعتبارها أول اختبار فعلي لمدى جاهزية الأحزاب والقوى السياسية لخوض المعركة الانتخابية.


تشريعيات 2026

تشريعيات الجزائر: المداخلات التلفزيونية.. أي تأثير في زمن المنصات الرقمية؟

ما تزال المداخلات التلفزيونية تحظى باهتمام من قبل المترشحين، رغم طغيان استعمال مواقع التواصل الاجتماعي على جوانب عديدة من حياة الجزائريين خاصة في السنوات الأخيرة كغيرهم من  شعوب العالم


الإقصاء تشريعيات 2026

الإقصاء من الترشّح للتشريعيات.. "جرح سياسي" لا يتوقف عند حدود الصندوق

لم تقف تداعيات إبعاد ورفض بعض الشخصيات الحزبية والنيابية من الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة عند حدود الكلفة السياسية الفورية، بل تعدتها لتحدث صدمة نفسيةً واجتماعيةً عميقةً ارتدت شظاياها على المحيط العائلي والمهني للأشخاص المُبعدين، وأجبرت الكثير منهم على إعادة رسم معالم نضالهم السياسي في المستقبل بكثير من الحسرة والأسى.

الخضر
رياضة

دوليون سابقون يعلقون على خسارة "الخضر" أمام الأرجنتين.. ماذا قالوا لـ"الترا جزائر"؟

خيّمت أجواء من الهدوء والتركيز على الحصة التدريبية الأولى عقب لقاء الأرجنتين، حيث بدا واضحًا تأثر بعض اللاعبين بنتيجة المباراة الثقيلة، في وقت فضّل فيه الطاقم الفني إبعاد المجموعة عن الضغط الإعلامي والتركيز على الجانب النفسي والبدني تحضيرًا للمواجهة المقبلة أمام منتخب الأردن التي تُعدّ مفصلية في حسابات التأهل.

تشريعيات 2026
أخبار

السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تحذر المترشحين.. ما القصة؟

وشددت السلطة المستقلة على ضرورة احترام المبادئ الأساسية للنظام الانتخابي، وأخلاقيات وآداب الممارسات الانتخابية، وحسن سير العملية الانتخابية، داعية المترشحين إلى تفادي كل أشكال التأثير على إرادة الناخبين.


ميسي الجزائر جوان 2026
رياضة

ميسي يكشف سرّ دموعه بعد ثلاثية الجزائر: الأمر لا علاقة له بكرة القدم

كشف الأسطورة ليونيل ميسي عن الأسباب التي دفعته إلى الانهيار بالبكاء عقب قيادته المنتخب الأرجنتيني إلى الفوز بثلاثية نظيفة أمام المنتخب الجزائري لكرة القدم، في المواجهة التي جمعت المنتخبين ضمن منافسات كأس العالم 2026.

المخطوطات في الجزائر
أخبار

استقبلتهم وزيرة الثقافة.. ماذا تعرف عن "خزّاني المخطوطات" في الجزائر؟

استقبلت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة ممثلي خمسين خزانة ومؤسسة حافظة للمخطوطات، المشاركين في أشغال الملتقى الدولي للتراث المخطوط، في لقاء أعاد تسليط الضوء على فئة تُعرف باسم "خزّاني المخطوطات".

الأكثر قراءة

1
رياضة

حارس الأرجنتين يفاجئ الجميع.. ماذا قال عن المنتخب الجزائري؟


2
مجتمع

كأس العالم 2026.. كيف أصبح المونديال ظاهرة اجتماعية في الجزائر؟


3
رياضة

طرد ميسي وهدف الجزائر الملغى.. ماذا قال خبراء التحكيم؟


4
راصد

بعد السقوط أمام الأرجنتين.. موجة غضب تطال بيتكوفيتش و"الخضر"


5
رياضة

ليلة خارج العادة في الجزائر.. كيف شاهد الجمهور مباراة "الخضر" أمام الأرجنتين؟