المراكز الثقافيّة.. هل هناك عداء عامّ للوعي؟

المراكز الثقافيّة.. هل هناك عداء عامّ للوعي؟

عرض من المهرجان الأفريقي بالجزائر (تصوير: فايز نور الدين/أ.ف.ب)

أنجزت حكومات بوتفليقة في زمن البحبوحة مكتباتٍ ومراكزَ ثقافيّةً، في التجمّعات الرّيفيّة والبلديّة، وهو أمر محمود. ولأنّها لم تكن ثمرة لرؤية ثقافيّة وحضاريّة مدروسة ومنسجمة مع حاجات اللّحظة الوطنيّة القائمة والقادمة، فقد بقيت هياكلَ بلا روح، وعبئًا على الخزينة العامّة.

هل يعقل أن يمرّ أسبوع في بلديّة تحصي خمسين ألف نسمة، فتكون صلاة الجمعة وما يطرأ فيها من جنائز هي النّشاط العامّ الوحيد؟

ما قيمة مركز ثقافيّ ريفيّ وما مقداره، بلغة الثّنائيّ الذّهبيّ سليمان جوّادي ومحمّد بوليفة، إذا لم يستوعب الشّبابَ الموهوبَ والموشكَ على الاختناق، ويربطهم بشبكة الظّهور والحضور؟ ما قيمته وما مقداره إذا لم يعمل على جمع الذّاكرة الشّفويّة والمادّيّة للمنطقة، فينقذها من الاندثار؟ كأن يسجّل مع كبار السّنّ، ويجمع الأغراض القديمة، ويقيم أعراسًا نموذجيّة لها علاقة بروح العرس الجزائريّ، فقد بات مشوّهًا بشكلٍ مخجل، ويرافق عمليات الحرث والحصاد والدّرس والبناء وطلاء البيوت بالطقوس التي كانت مصاحبةً لها؟

اقرأ/ي أيضًا: المكتبة الوطنية الجزائرية تفتح فضاءاتها أمام القراء والباحثين

 ثمّ في مرحلة ما تنازلت وزارة الثّقافة عن هذه المراكز لصالح المجالس البلديّة، بنيّة التخلّص منها، فهي عاجزة بفعل افتقادها لاستراتيجيّة ثقافيّة وطنيّة؛ وبفعل اكتساحها من طرف الأذرع المكسورة التّي لا تهتمّ إلّا بالرّواتب والمراتب، حتّى عن تسيير كمشة من دور الثّقافة في الولايات، فما بالكم بمئات المراكز في البلديات، فظلّت تلك المراكز مجرّدَ مبانٍ مهجورة ومغلقة رغم تجهيزها الكبير، في ظلّ حاجة صارخة لشباب ما تسمّى بمناطق الظّلّ إليها وإلى خدماتها. ففي بلدية حرّازة التّابعة لولاية برج بوعريريج؛ مثلًا، ظلَّ المركز الثّقافيّ فيها مغلقًا لمدّة 15 عامًا، من غير أن يقدّم نشاطًا واحدًا! لكلّ بلديّة ميزانيّة مخصّصة للنّشاط الثّقافيّ. ويحقّ لمثقّفيها التّدخّل في تحديد أوجه صرفها، على الأقلّ من باب الاقتراح.

 لكنّ انسحابَ المثقّف الفعّال من السّاحة، لصالح المتاجرين بالثّقافة، شبيهي المتاجرين بالدِّين والوطن والرّياضة والفلاحة والسّياحة والسّياسة، وكونَ قطاع واسع من أعضاء المجالس البلديّة من النّطيحة وما أكل الجهل، معظمهم فاز بحملة نشّطها ابن عمِّه "المثقّف"، جعل هذه الميزانيات إمّا تُبيّض وإما تُصرف على الفقاعات وإما تُلحق بميزانية قطاع آخر وإمّا تعود إلى الخزينة في نهاية السّنة الماليّة.

هل يُعقل ألا نجد من بين 1500 بلديّة، إلّا بلدياتٍ بعدد الأصابع تقيم نشاطاتٍ ذاتَ قيمة؟ هل يعقل أن يمرّ أسبوع في بلديّة تحصي خمسين ألف نسمة، فتكون صلاة الجمعة وما يطرأ فيها من جنائز هي النّشاط العامّ الوحيد؟ هل انتبهنا إلى أنّ المرفق الأكثر غلقًا وانغلاقًا في بلديّاتنا هو المركز الثّقافيّ ودار الشّباب؟ لقد كنّا قادرين على أن نجد نشاطاتٍ/ مهرجاناتٍ وازنةً في ثلث هذه البلديّات على الأقلّ، لو كانت بلديّاتٍ حقيقيّةً.

 فما الفرق بين بلديّة "كان" الفرنسيّة؛ مثلًا، وبلديّة رويبة أو العلمة أو جانت أو بوسعادة أو حمام بوحجر أو أرزيو؟ أين بلديّة حاسي مسعود وبلديّة حاسي الرّمل ثقافيًّا؛ بصفتهما عاصمتين بتروليّتين؟ أين بلديات كانت عواصمَ في التّاريخ، مثل ندرومة عاصمة الموحّدين وشرشال عاصمة يوبا الثّاني وتيارت عاصمة الرّستميين؟ فما الذّي جعلها تتقزّم وتتحوّل إلى مجرّد محاشر؟ وأخرى تجني من الضّرائب والمكوس ما يُغذّي الخزينة الوطنيّة! وأخرى تملك طموحًا لأن تصبح عواصمَ لولايات! وأخرى أصبحت بلدياتٍ منذ قرن وربع! بعد هذا، تطلع علينا فقاعات فايسبوكيّة يطلقها "المثقّف" السّلبيّ: أين ذهبت أموال الثّقافة؟ علمًا أنّ عبارة "أموال الثّقافة" مؤشّر هي الأخرى على أزمة مفهوميّة تُناقش في سياق آخر.

يبدو أنّ ثمّة عداءً شعبيًّا وحكوميًّا لكلّ ما يتّصل بقيم الوعي والذّوق والجمال والمعرفة

ما معنى انتعاش الملاعب الرّياضيّة الجواريّة في البلديّات، حتّى صارت فضاءاتٍ نابضةً فعلًا، وهذا أمر مثمر في سياقه، في مقابل بقاء المراكز الثّقافيّة في توأمة مفتوحة مع المقابر؟! يبدو أنّ ثمّة عداءً شعبيًّا وحكوميًّا لكلّ ما يتّصل بقيم الوعي والذّوق والجمال والمعرفة!

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مثقفو الجزائر يدينون حلّ جمعية ثقافية

كيم إكلين: الناس يؤكدون أنفسهم عبر رواية القصص