المرحلة الثانية للحراك.. أو نحو التغيير السلمي

المرحلة الثانية للحراك.. أو نحو التغيير السلمي

الحراك الشعبي متواصل في الشارع الجزائري بعد الرئاسيات (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)
بعد انتخابات 12 كانون الأوّل/ديسمبر 2019، يُمكن القول إنّ الحراك دخل مرحلة جديدة، لها مميّزاتها ورهاناتها. وقبل أن نتحدّث عن المرحلة الجديدة، أودّ أن أربط الخيط مع مقال كتبته في الشهر الثامن من الحراك بعنوان "يتنحاو قاع.. أوفي ديناميكية الحراك"، وفيه تحدّثت عن ديناميكية الحراك والمتمثلة في "يتنحاو قاع". 
إن دور النخبة ليس الدفاع عن القوي ومنحه الشرعية
هذه الديناميكية استمدّت قوّتها من الانتفاضة الشاملة للشعب الجزائري، التي لم تكن مظاهراته متعلقة بقطاع معيّن دون آخر، أو جهة دون أخرى، وإنّما شمل كل ولايات الوطن، وبل حتى الجالية الموجودة بالخارج. 
لم تكن مطالب الحراك أيضا جزئية (التوظيف، زيادة الأجور...) وإنما راديكالية (رحيل النظام). كان الحراك لعدّة أشهر متمسّكًا بمطالبه الراديكالية وبانتفاضته الشامل، ولكن سرعان ما بدأ يفقد هذه الديناميكية وبدأت تظهر قوى جديدة معادية للحراك، كانت أصلًا مع الحراك. 
وحتى نفهم تحوّلات هذه المرحلة الجديدة، ينبغي أن نجيب عن التساؤلات التالية: لماذا تخلّى الحراك عن ديناميكيته؟ وكيف حصل ذلك؟ وما هو مصيره وتحدّياته؟
حتى نُجيب على هذه الأسئلة؛ ينبغي أولًا أن نفهم ما يلي: كيف استطاع النظام أن يُقاوم ويخلّص نفسه من راديكالية الحراك؟ 
لنتّفق أن ميزة الحراك تتجلّى في صورتين: الراديكالية والشمولية. وكلّ الآليات التقليدية التي كان يوظّفها النظام لاحتواء وقمع المظاهرات، والمطالب ذات الصبغة الجزئية، لم تنجح أمام حراك شامل وراديكالي.
وحتّى يفعل ذلك، دون الدخول في سيناريوهات أخرى، كان عليه تفكيك وتعطيل هذه الديناميكية نفسها، أيّ من خلال تفكيك شموليته وجعل الشعب يرضى بالمطالب الجزئية المحقّقة (سجن العصابة). 
من الملاحظ أنه بعد الانتخابات أو قبل ذلك بقليل، لم يعد الحراك حراك كل الجزائريين؛ وإنما حراك فئات ظلّت متمسكة بمبادئ الحراك الأولى، كما أن المطالب لم تعد تطمح كلّها إلى ضرورة تنحية كل رموز النظام، وإنّما الاكتفاء بما تحقّق من محاكمات لرموز "العصابة".
إذا اتّفقنا أن الآليات التقليدية، التي كان يوظّفها النظام مع المطالب الجزئية وغير الراديكالية، لم تفلح في تعطيل ديناميكية الحراك. فكيف استطاع إذن أن ينقذ نفسه من هاوية الحراك؟ 
إنّ الشيء الجديد الذي مارسه النظام، هو تمثيل الحراك نفسه من خلال جعل مطالب الحراك هي نفسها مطالب النظام؛ ففي الوقت الذي يطالب الحراك بـ "يتنحاو قاع"، قام النظام بالتضحية بأشخاصه من أجل تجسيد هذا المطلب. وكانت النتيجة أنه لم يحدث في تاريخ الجزائر، أن أجريت محاكمات بهذا الشكل وبهذه السرعة؛ حيث قام النظام بتعيين نفسه كمحارب للفساد، والمحاكمات التي جرت برهنت للشعب أو لنقل لجزءٍ كبير منه، أنه فعلًا يقوم بذلك وصادق في مسعاه.
لقد بينّا أن ديناميكية الحراك، مستمدّة من الاتفاق الكلّي للشعب الجزائري، بكل اختلافاته الأديولوجية وتنوّعاته اللغوية، على استفحال الفساد وضرورة محاربته، وهو الذي يبرّر خروج كل الجزائريين داخل الوطن وخارجه، باعتبار أن محاربة الفساد قضيّة عادلة ومتّفق عليها بالإجماع. 
ولكن كيف نفسّر تخلّي بعض من كانوا في البداية جزءًا من ديناميكية الحراك على مطالبه الراديكالية، وأكثر من ذلك أصبحوا يشكلون قوى مضادة له؟ 
إنّ ديناميكية الحراك، في سعيها إلى تطهير الجزائر من الفساد، قد جنّدت كلّ الجزائريين لهذه الغاية، حتى أولئك الذين كانوا رموزًا للفساد، سواءً في الاقتصاد أو في السياسة أو في الإعلام أو غيرها من الميادين. 
ومنطق اشتغال هذه الديناميكية -التي لا تُبقي ولا تذر- لا محالة، ستمتدّ إلى الذين كانوا مع الحراك. المتورّطون في الفساد على الرغم من أنهم يشكّلون جزءًا من ديناميكية الحراك المطالبة بمحاربة الفساد.
الحراك بإمكانه اليوم المواصلة مساره دون خوفٍ، لأنّه استطاع أن يتخلّص من التشقّقات الداخلية
ولمّا كانت مطالب الحراك، تهدّد حتى مصالح وكيانات من يطالبون بتطهير الجزائر من الفساد، لهذا تجدهم يقفون ضدّ الغايات النهائية للحراك. إن الفساد المعمّم في الجزائر والمطالب الراديكالية للحراك في العمق غير متصالحان، وبل يُمكن القول أنّهما متناقضان. 
لقد كان الحراك بحاجة إلى الجزائريين حتّى الفاسدين منهم من أجل إحداث ثورة على النظام، إلا أن هذه الفئة الأخيرة خائفة من أن تطالها ديناميكية الحراك، وهذا يدفع إلى القول، إنّ منطق الحراك في غاياته النهائية، ومن الناحية النظرية، سيلتهم نفسه بنفسه في نهاية المطاف. 
انتشار الفساد في كلّ مؤسّسات الدولة: البلديات، الدوائر، الولايات المديريات، وسائل الإعلام، قطاع المقاولات وغيرها، يحول دون الدفع بالحراك إلى غاياته النهائية، لهذا ظهرت قوى معادية للحراك.
هذا الخوف من ديناميكية الحراك، لا يعبر عن نفسه كذلك وإنما يختبئ تحت مسميات أخرى: الوطنية، الخطر الخارجي، الاستقرار وغيرها. 
وحتى يخرج الحراك من هذا المأزق؛ عليه أن يدرك أن الفساد في الجزائر ليس أشخاصًا، وإنّما هي منظومة لها ميكانيزمات اشتغالها، وأنه ينبغي أن يحارب آليات النظام التي تمنح له في كل مرّة حياةً جديدةً وليس محاربة الأشخاص.
كان للقيادة العليا للمؤسّسة العسكرية دورٌ كبيرٌ في تحقيق بعض مطالب الحراك، وفي هذا الشأن ينبغي الاعتراف بموقف هذه المؤسّسة ووقوفها إلى جانب الحراك. إلا أن هذه المؤسّسة حتى وإن كانت مع الحراك إلا أنها غيرت من وجهة المطالب الشعبية، فالحراك قام ضدّ منظومة بأكملها، إلا أن المؤسّسة العسكرية جعلت مطالب الحراك ضدّ الأشخاص. 
شَخصَنَةُ الفساد هو الذي زعزع ديناميكية الحراك. شخصنة الفساد هي التي مكّنت من اختراق ديناميكية الحراك وتقسيمه بين من هو مكتفٍ بالمحاكمات وأمله في استمرارية ذلك، ومن يريد ديمقراطية جديدة تؤسّس لمؤسّسات حقيقية مستقلّة، وإلى من تنازل للنظام عن وظيفة محاربة الفساد، وبين من يعتبر أن التغيير والتطهير لا يتحقّقان إلا بضغط الحراك.
 بعد هذه المرحلة، جاء دور الآليات التقليدية لتفعل فعلتها. في البداية كان تأثيرها معطّل لأنّ الشعب كان كتلة واحدة ومتّفق في المطالب، ولكن وبعد أن ظهرت قوى مضادّة لديناميكية الحراك، حان دور الآليات التقليدية: إذكاء النعرات الجهوية واللغوية والأيديولوجية، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، تصنيف المواطنين إلى خونة ووطنين، وإلى دعاة الفوضى ودعاة الاستقرار، كما أنه في كل مرّة يحرص على تقريب الزبانية. إن هذا الوضع يكشف أن ما يوحد الجزائريين ليس اللغة أو الديانة أو الثقافة أو أيّ شيء آخر، وإنّما دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد. والعدو الحقيقي للجزائر، ليس الاختلاف والتنوّع، وإنّما استمرارية منظومة الفساد.  
 السؤال الذي ينبغي طرحه هو التالي: هل منظومة الفساد تتغيّر بتغيير الأشخاص، أم بتغيير المنظومة والآليات؟ 
من الناحية النظرية، يتمّ القضاء على الفساد من خلال القضاء على المفسدين؛ فحينما يغير كل واحد نفسه نحو الأفضل يتغير الوضع حتما.
إنّ هذه الفرضية حتى وإن كانت منطقيًا صادقة؛ إلا أنها من الناحية الواقعية والعملية ليست فقط مثالية، بل يستحيل تحقيقها؛ فالمواطن الصالح في منظومة فاسدة حتمًا سيتحوّل إلى فاسد، اللهم إلا إذا اختار العزلة وعدم الاندماج في النظام، أما المواطن الفاسد في منظومة صالحة، فيتم ترويض فساده وتقويمه. 
إذا كان "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فإن التغيير لا يعني تغيير السلوكات فقط، بل تغيير نمط التفكير ومن بينها نمط التفكير في آليات التغيير. وإذا كان التفكير السائد هو أن كل واحد يغير نفسه وتبعًا لذلك يتغير الوضع، فإن التغيير في هذه الحالة، هو أن نغّير ما بأنفسها أيّ أن نغيّر نمط تفكيرنا في آليات التغيير.
توقّف الحراك، يعني بالضرورة تعطيل مفعول الأداة التي يمتلكها الشعب للتغيير
مكر الحراك 
كانت الانتخابات مرحلة فاصلة في تاريخ الحراك. وعلى الرغم من أن الحراك كان ضدّها، إلا النظام كان حريصًا على إجرائها. تحقّق ذلك وتم تعيين الرئيس. في الظاهر يتجلّى لنا أن الانتخابات أنهت الحراك، ولم تعد له أيّة شرعية للوجود، إلا أن استمراريته بعد الانتخابات يبيّن لنا أن هذه الأخيرة، في العمق، هي بمثابة فرصة للحراك لتطهير نفسه.
لم يكن يتسنى للحراك مواصلة طريقة ونضاله، دون تطهير نفسه من الذين يشكّكون فيه وفي غاياته، فكانت الانتخابات فرصة لذلك. 
إن الحراك قد مارس نوعًا من المكر على هؤلاء، بحيث وظف الانتخابات كوسيلة لتطهير نفسه، فمن كان مع الحراك ومؤمنًا بمطالبه فقد ظلً معه، ومن كان يشكّك فيه أو في نواياه فقد أعلن تخلّيه عنه. 
الحراك بإمكانه اليوم المواصلة مساره دون خوفٍ، لأنّه استطاع أن يتخلّص من التشقّقات الداخلية، ومن الذين لا يؤمنون به كوسيلةٍ للتغيير، وبالخصوص من الانتهازيين والوصوليين والمتصنّعين (الذين كانوا أصلًا مع العهدة الخامسة ومع استمرارية النظام). 
أن تكون مع الحراك أو ضدّه، أو مع الحراك بتحفظٍ أو ضدّ الحراك بتحفظ، فهذا ليس معيارًا لقياس منسوب الوطنية والنضال أو شيءٍ آخر؛ فكلّ طرف له مبرّراته ورؤيته، وإنّما هو معيار لمعرفة أنماط فهمنا وتصوّرنا لآليات إحداث التغيير وأولوياته.
إذا كانت الانتخابات فرصةً للحراك لتطهير نفسه من الداخل، فإنها أيضًا كانت فرصة لتجنيب الجزائر كلّ السيناريوهات غير المرغوبة. لقد أفرزت الانتخابات رئيسًا للجزائر الذي سيمثل السلطة الفعلية والدستورية للبلاد، بعدما أن كانت المؤسّسة العسكرية هي المسؤولة عن تسيير المرحلة، وقد فعلت ذلك بنوع من الذكاء والحكمة. 
وبالنظر إلى موقف الحراك الرافض لهذه الانتخابات وللرئيس المعيّن، فإنه ظاهريًا يبدو أن الحراك لم يحقّق مطالبه، وأن النظام استطاع إنقاذ نفسه، إلا أن مكر التاريخ يبين أن النظام وهو يحاول إنقاذ نفسه وضع نفسه أمام الأمر الواقع. 
الانتخابات التي أفرزت الرئيس الجديد، ألغت أية شرعية لتدخّل المؤسّسة العسكرية في الأمور السياسية، وهذا بإمكانه أن يجنّب هذه المؤسّسة تبعات هذا التدخّل، ويجعلها تتفرّغ لمهامها الرئيسية المتعلقة بحماية الحدود، وتوفير الأمن هذا من جهة.
 ومن جهة أخرى، أصبح للنظام من يمثله وهو الأمر الذي يتيح للحراك التحاور مع السلطة، وإرغامها على تحقيق المطالب الشعبية؛ بمعنى حتى وإن كانت الأمور تسير ضدّ الحراك إلا أنها في الباطن تبيّن أن هناك يدٌ خفية (مكر التاريخ) تقود الحراك. 
بلوغ التغيير المنشود بحاجة إلى مكر التاريخ حتى يتحقّق. ويبدو أن سلمية الحراك، هي التي قادت الأمور وفق هذا المسار. الإشكال الذي ينبغي طرحه هو الآتي: هل يمكن تغيير النظام دون قوّة ضاغطة (الحراك)؟ 
في ظلّ المنظومة الفاسدة واستمرارية آليات إنتاج الفساد يستحيل تحقيق ذلك. إن الحراك هو القوّة الوحيدة التي بإمكانها أن تُحدث التغيير في الجزائر، لأنه المصدر الوحيد الذي يمنح القوّة لقول كلمة "لا" في وجه النظام الفاسد، وهو الكيان الوحيد الذي يمنح الأمل والطمأنينة لفعل ذلك. 
الحراك هو المؤسّسة التي بإمكانها الاعتراض على آليات احتكار السلطة، وإلا فإنّ التغيير لا يُمكن تحقيقه من طرف شخص واحد أو جماعة معينة، لأنّ النظام متمرّس في آليات احتواء وإلجام أيّة معارضة. 
توقّف الحراك، يعني بالضرورة تعطيل مفعول الأداة التي يمتلكها الشعب للتغيير. إذا كان التغيير لا يكون من الداخل (بمعني أن يتنازل النظام عن احتكار السلطة طواعية)، فإن التغيير كذلك لا يكون فقط من الخارج (أن يثور الشارع على النظام ويسقطه). الأوّل طوباوي ومن السذاجة الاعتقاد به، لأنّ طبيعة النظام وفطرته هو احتكار السلطة. والثاني واقعي ولكن صدامي مآلاته الفوضى والخراب.
أفضل سيناريو للتغيير هو المزج بين التغييرين الداخلي والخارجي. هذا التغيير أسمّيه بـ "عنف السلمية". الحراك يسير وفق هذا المنطق؛ فالسلمية هي الآلية الفعالة الوحيدة التي يستعين بها الحراك من أجل إحداث التغيير. وسلميته تدلّ على أنه لا يرغب في التغيير العنيف (من الخارج)، كما أن تمسّكه بمطالبه الراديكالية (رحيل النظام)، يجعل النظام في كل مرّة يرضخ له (التغيير من الداخل). 
إن رهان التغيير ينجح فقط في حالة مواصلة الحراك. الضغط بالسلمية والراديكالية مع الاستعانة بالنظام في تحقيق مطالب الشعب. 
إن مباركة الشعب لما قامت به المؤسّسة العسكرية يدلّ على أمله وثقته في النظام، وفي التغيير من الداخل هذا من جهة. ومواصلة الحراك، من جهة أخرى، يدلّ على تمسّك الشعب بضرورة مواصلة الضغط وعدم ثقته الكلية في النظام. بهذه الطريقة يحافظ الحراك على كيان الدولة وأجهزتها، وفي الوقت ونفسه يستمرّ في لعب دور المعارضة الحقيقية.
حراك 22 شبّاط/فيفري قلب الموازين؛ ففي السابق كان النظام هو الذي يمارس المكر والخداع على الشعب، حيث يوهمه بالتغيير وهو في الحقيقة لا يقوم بذلك. 
لقد أصبح الحراك هو الذي يمارس المكر على النظام، الذي يقدّم تنازلات في كلّ مرّة تحت ضغط الحراك، وفي كلّ مرّة يُبدي الحراك عدم رضاه بما تحقّق. وبهذه الطريقة يدفعه الحراك شيئًا فشيئًا إلى إرجاع السلطة إلى الشعب. 
إذا كان هناك عنفٌ يُمارسه الحراك على النظام، فهو "عنف السلمية"، هذا العنف السلمي هو ما يعبّر عن مدى الذكاء والوعي الجماعي الذي يتمتّع به الشعب الجزائري. إن سيكولوجية النظام في الجزائر، لا تختلف عن سيكولوجية الفرد الجزائري. فإذا تعاملنا مع هذا الفرد بنوع من الحكمة والتهدئة، فإنه يستجيب وينصت ويتمّ ترويضه. أمّا إذا تعاملنا معه بالقوّة والعنف والندية، فإن ذلك يستفزّه ويجعل الأمور أكثر تعقيدًا.
دور المثقف
في بداية الحراك، كانت هناك حركة كبيرة في تأليف الكتب والمقالات حول المسيرات الشعبية. ولكن مع مرور الوقت عاد المثقّف إلى ممارسة الرقابة على نفسه. إذ لم نعد نشهد مثقّفين يواصلون إنتاج الأفكار بالشكل الكافي، في المرحلة التي هو بحاجة إليهم؛ بل بالعكس ما نشهده هو محاولة الاصطفاف والعودة إلى (نظام مد/ضع). 
إن تراجع التأليف عن الحراك، وممارسة النقد على النظام، يمكن تبريره بعودة الرقابة الذاتية على الفكر هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعود إلى أنّ تغيّر موازين القوى، أيقظ في المثقف حنينه إلى السلطة والتقرّب منها.
إن دور النخبة ليس الدفاع عن القوي (السلطة)، ومنح الشرعية له، وإنما ممارسة النقد على ممارسات من يمتلك القوة. 
القوة في الأصل ظالمة ومستبدّة، والذي يمتلك القوّة لديه القابلية والاستعداد لممارسة الظلم، وفي هذه الحالة دور المثقّف هو نقد الاستعمال الظالم للقوّة، والدعوة إلى الالتزام بقوانين استعمالها. كما أن النخبة التي تنتقد الشعب لم تفهم جيّدًا ميكانيزمات التغيير، ولم تفهم أن الشعب دائمًا على حقّ، وأنه المحرّر، وهو من يمنح القدرة على ممارسة النقد وقول كلمة "لا".
تمثيل الحراك
نختم هذا المقال بمسألة تمثيل الحراك. هل هي الضروري تمثيله أم أنه ليس بحاجة إلى ذلك؟
 ما نلاحظه هو أنه في ظلّ تعالي الأصوات بضرورة تمثيل الحراك، في الوقت الذي يتمّ رفض هذه الفكرة ومقاومتها. وهذا يجعلنا نفكّر لماذا يرفض الحراك إخراج ممثليه؟ 
إن الحراك قوّة تحريرية رهيبة، وكتلة تغييرية عظيمة، هذه القوة والعظمة مستمدّة من تنوعه وثرائه وعدالة قضيته. 
إن الحراك هو المطلق بلغة الفلسفة، والمطلق لا يُمكن تجسيده ولا تمثيله بكيانات جزئية؛ لأن الجزئي لا يمكن أبدًا تمثيل الكلي. ليس المهمّ التفكير في تمثيل الحراك، وإنّما التفكير في استثمار روح الحراك. 
ولمّا كان أن النظام ليس أشخاصًا، فإن الحراك أيضًا ليس أشخاصًا. ولو أن غاية الحراك في البداية هو تغيير الأشخاص، لما انتفض بهذا الشكل وبهذه الطريقة، ولكانت الانتفاضات الجزئية كفيلة بذلك، وإنما غايته هو مجابهة مطلقٍ مشابهٍ له.
لقد بين الحراك أنه ليس ضدّ الدولة، وليس ضد الأشخاص، بل ضدّ منظومة الفساد
إنّ ديناميكية الحراك، دخلت مرحلة النضج وتخلّصت من الاندفاعية. لقد بين الحراك أنه ليس ضدّ الدولة، وليس ضد الأشخاص، بل ضدّ منظومة الفساد، وهو بهذا الشكل يتجلّى كمشروع حداثي نبيل وإنساني. تسارع الأحداث وتلاحقها يُصعّب القبض على حركية الحراك ويعقّد فهمها. لكن الشيء الأكيد، هو أن استمرارية الحراك سيصنع مجد الجزائر.
 
اقرأ/ي أيضًا: