المعركة هي أيضًا معركة أفكار

المعركة هي أيضًا معركة أفكار

قوات الأمن حاولت التضييق على المسيرات الشعبية (أ.ف.ب)

هل نملك فكرًا يقظًا قادرًا على تأطير الحراك على صعيد الأفكار والمفاهيم؟ قد يعتقِد الكثيرون أنّ الشارع وحده بما يرفعه من شعارات والحماسة التي تدفع بالشعب لتحقيق أهداف الحراك السياسية والاجتماعية كافية لوحدها لبلوغ الهدف المنشود، وأنّه يُمكن الاستغناء عن الأفكار والمعارف والفلسفات والثقافة بشكل عام؟

هل يتّفق الجميع بكل أطيافهم وتوجّهاتهم وتكوينهم حول المفهوم نفسه للحرّية؟ 

يقول البعض، إنّ الحراك يحتاج إلى الأفعال، ولو أنّ كثيرًا ما يتحرّك وفق آلية (خطاب القايد صالح/ ردّة الفعل على خطاب القايد صالح)، وأنّ المرحلة التاريخية تفرض أن يكون الشارع وحده هو مصدر القرار ومنبع الحلول. لكن، ما هو الشعب؟ وهل هو كتلة بشرية متجانسة إلى الحدّ الذي يُمكن أن يتولّد عن ذلك التجانس وحدة الأفكار والمفاهيم والرؤى؟

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يخاف النظام الجزائري فيسبوك؟

قد يتّفق هذا الشعب حول هدف واحد مثل: الحرية، لكن نتساءل هل يتّفق الجميع بكل أطيافهم وتوجّهاتهم وتكوينهم حول المفهوم نفسه للحرّية؟ للهوية؟ للديموقراطية؟ دون أن نتحدّث اليوم عن وحدة المرجعيات. إننا نجد أنفسنا مرّة أخرى في مواجهة حادّة بين البراكسيس والنظرية، أي بين الواقع والأفكار، دون أن ندخل في الجدل التقليدي من ينتج الآخر، ليس محاولة لتجاوز هذا الجدل، بل لأنّنا نُحاول أن نفكّر فيما يُمكن أن ينتج مفاهيم الحراك ومقولاته، ويرسم طريق مستقبله.

كتب الباحث الجزائري بشير ربوح في كتابه الجديد "أسئلة قلقة في الراهن العربي" الصادر عن منشورات الاختلاف، "إنّ الالتزام بالنصوص الفلسفية، لا يجب أن يُقرأ على أنّه نصية متعالية عن مجريات الواقع البشري، بكل تعقيداته وتصلّباته، وإنما هو مسعى معرفي نحاول فيه أن نجمع في بوتقته بين ما يهمّ نصيًا وما يشاهد واقعيًا.

فالتاريخ الذي لا ينبني على دعامتين: الرؤية النصيّة التي تحوز على خلاصة الفهم البشري، والواقع الذي هو حصاد أفعال البشر في الزمان، تاريخ أعرج ومُرعب"(ص54-55). يتحدّث ربوح عن التاريخ الأعرج والمرعب الذي ينجم عن استبعاد المعرفة عن حراك الواقع والتاريخ.

 إنّ الذين يظنون بأنّ الحراك الشعبي يعني الاستغناء عن الثقافة والفكر والأدب والانغماس مباشرة في معركة الشوارع والمسيرات الأسبوعية إنما يشوهون معنى الالتزام، وأنا أقصد تحديدًا هؤلاء الذين ينتمون إلى النخب؛ فالالتزام هو أن تعرف كيف تنقل صوت الشارع إلى الكتابة، وكيف تترجم آلية تحرك التاريخ إلى جمل وفقرات ونصوص ورؤى، ولما لا إلى نظريات تفكّك الألغام التي يضعها النظام في طريقه.

ليست المعركة، في هذه الحالة، مجرّد رفع الشعارات التي تترجم رغبة الشعب في إسقاط النظام، وفي إسقاط رؤوس النظام، لأنّ هذا غير كاف. سنجد أنفسنا من حيث لا نشعر، معنيين بمعركة الأفكار، لسبب واضح وهو أنّ الاستبداد قبل أن يكون شكلًا متجسدًا في نظام سياسي، فهو ثقافة، بل إن خطورته الحقيقية تكمن في أنه من طبيعة مفاهيمية، إنّه نسق من الأفكار والمفاهيم والبرامج الاستراتيجية.

أن تكون إلى صفّ القايد صالح أو إلى صف الرافضين له لا يمثل المشكلة الحقيقية

أن تكون إلى صفّ القايد صالح أو إلى صف الرافضين له لا يمثل المشكلة الحقيقية، بل أن تكون معه أو ضدّه لا يشكّل حلًا للمعضلات التي واجهتنا وتواجهنا اليوم وغدًا، لأنّ المعركة الحقيقية هي ما هو السبيل لاجتثاث ثقافة استبدادية ملوثة بكل الطباع السلبية التي تراكمت منذ عقود، وكيف يمكن بالمقابل، زرع ثقافة المواطنة الحقيقية؟ شخصيًا، هذا ما يهمّني، وهذا ما يشكّل لدّي هاجساً قويًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هل سيحرر فيسبوك الجزائريين؟

معركة كسر عظام بين الحكومة والنقابات في الجزائر