النشر في الجزائر.. العلبة السوداء

النشر في الجزائر.. العلبة السوداء

في أحد أجنحة الصالون الدولي للكتاب/ سيلا 2015 (فاروق باتيش/ أ.ف.ب)

في هذا الزمن الثقافي الجزائري لم يعُد الكتاب تِجارة مُربحة، بل لم يعد الكتاب غذاءً يوميًا للجزائريين. ومع تراكمات هذا العزوف العام عن ثقافة القراءة، بات النشر عملًا مُقاوِمًا عند القلّة ومكلفًا ماليًا ونفسيًا للناشر.

هل ما يُنشر اليوم يعكس حقيقة الحركية الفكرية والأدبية في الجزائر؟

لا يتوقّف الأمر فقط عند هذه المشكلة بالذات، بل أنّ العلاقة بين الكتّاب والناشرين بشكل عام تسوء يومًا بعد يوم، خاصّة وأنّ الطرفين يشتكيان من بعضهما البعض؛ فالناشر من جهته يشتكي من تكاليف نشر الكُتب، في ظلّ عزوف الوزارة المعنية عن دعم الناشرين، ما جعل بعضهم يفرض على الكتّاب دفع تكاليف نشرهم لكتبهم، مُقابل الحصول على نسخ معينة تزداد أو تنقص بحسب طبيعة الاتفاق المبرم في العقد، ويتذرّع الناشرُ بأنّ سبب فرضه لهذه المبالغ عقلاني إلى أبعد الحدود، لأنّ الناشر وحده لا يستطيع أن يتكبّد لوحده الكلفة الإجمالية للنشر، خاصّة بعد أن بات الكِتابُ سلعةً راكدة في السوق.

اقرأ/ي أيضًا: المثقف والسّلطة في الجزائر.. قناع لوجهين

 من جهتهم، فإنّ الكتّاب يشتكون من هذه الأسعار، حتى أنّ البعض يشعر بأنّه بصدد شراء جهده؛ فبعض المؤلفات قد استغرق مؤلفوها في كتابتها سنوات، ثم يأتي ناشر ويطلب من المؤلّف مبلغًا ماليًا مقابل النشر. عكس ما هو معمول به في الغرب، وإن كانت المقارنة في هذا المقام غير جائزة طبعًا، حيث أنّ الناشر هو من يدفع مسبقًا للكاتب. صحيح بأنّ الوصول إلى هذا المستوى الراقي من التعامل، يحتاج إلى ثورة ثقافية وذهنية كبيرتين، كما يحتاج إلى مصالحة حقيقية بين الجزائري والكتاب.

في سياق آخر، هناك ظاهرة غريبة تعكس حجم أزمة النشر في الجزائر وهي ضعف أو إنعدام سياسة توزيع الكتاب؛ فالمطابع تعمل، والكُتب تُنشر لكن أغلبها غير متوفّر في المكتبات. لاحظتُ هذا مثلًا في التظاهرات الثقافية التي خُصّصت لها أظرفة مالية لنشر عناوين كثيرة، في الوقت الذي لا نجد أثرًا لتلك الكُتب المنشورة في المكتبات. ما الذي حدث فعلًا؟ وهل نُشرت تلك الكتب بالفعل أم أنها نُشرت في العقود الوهمية فقط؟

أسئلة كثيرة يُمكن أن تُطرح ونحن نفتح ملف النشر في الجزائر، هل ما يُنشر اليوم يعكس حقيقة الحركية الفكرية والأدبية في الجزائر؟ وهل تخضع المخطوطات للقراءة والتقييم قبل دفعها إلى أسنان المطابع؟ الحال أنّ غياب حركة نقدية متابعة لحركة الكتاب، ساعدت في ظهور دور نشر صغيرة، ذات مظهر ثقافي وجوهر تجاري؛ مثل هذه الدور أغرقت سوق الكتاب بإصدارات كثيرة، دون أن تُخضِعها للمراجعة والتصحيح، بل كثير من المؤلفات تُنشر وهي مليئة بالأخطاء. بالنسبة لهذا النوع من الناشرين ما يهمّهم هو ما يتلقوه كمقابل مالي، أما المؤلّف، خاصّة إذا كان من الأقلام الجديدة، لا يهمّه إلاّ أن يصدر كتابه الأوّل، أو الثاني دون أن يلقي بالًا إلى شروط الشرط.

من يكترث اليوم بالنصوص الجيّدة، في وقت أصبح الجميع يستسهل الكتابة وكأنّها مهنة من لا مهنة له؟

أنا أتساءل اليوم: هل أصبحت دور النشر مهتمّة بالعثور على نصوص جادّة تحمل روحًا إبداعية وتجديدية؟ من يكترث اليوم بالنصوص الجيّدة، في وقت أصبح الجميع يستسهل الكتابة وكأنّها مهنة من لا مهنة له؟.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملامح المثقف الجزائري في زمن مضى

في نقد المثقف الجزائري