النقاط السوداء في الجامعة الجزائرية

النقاط السوداء في الجامعة الجزائرية

في ساحة جامعة هواري بومدين بالعاصمة (توماس تروتشل/Getty)

كانت لي فرصة لقاء الأستاذ الجامعي ناصر جابي في إطار سلسلة الندوات التي أدرتها في شهر رمضان المنقضي، فاغتنمتها لأسأله عن الرسالة التي نشرها غداة تقاعده من الجامعة.

ناصر جابي: الجامعة الجزائرية تعيش تدهورًا حقيقيًا منذ سنوات، بحيث تجد فيها أيّ شيء إلاّ المعرفة 

لقد أكّد لي الأستاذ جابي، أنّ الجامعة الجزائرية تعيش تدهورًا حقيقيًا منذ سنوات، بحيث تجد فيها أيّ شيء إلاّ المعرفة والتشجيع على البحث العلمي، لهذا كتب في تلك الرسالة بأنّ الجامعة الجزائرية لا يُمكن إصلاحها.

اقرأ/ي أيضًا: الأكاديمي ناصر جابي في بيان استقالته: الجامعة الجزائرية في خطر!

كلام جابي، وهو الذي قضى حياته في التدريس بالجامعة وإدارة مخابر البحث في علم الاجتماع، كان مجرّد الشجرة التي تخفي غابة كثيفة من التخلّف الذي بلغته الجامعة الجزائرية، فقد انهارت المنظومة الجامعية، ومعها انهارت قيمة المعرفة وقيمة الباحث وقيمة الطالب الجامعي، وأصبحت مجرد هياكل فارغة، وأطلال ميتة.

مؤخرًا في جامعة من جامعات الجزائر، تُستقدم فرقٌ موسيقية داخل المدرجات للاحتفال بتخرّج الطلبة بعد مناقشتهم لمذكرات التخرّج. ظاهرة كهذه، والتي لن تجدها في أي بلد في العالم، تعكس حالة انهيار قيمة الجامعة في البورصة الاجتماعية، فما فتئ مؤشرها ينزل عامًا بعد عام. لقد غزت الكرنفالية الجامعة وطردت منها محافل المعرفة ومجالس العلم الحقيقية.

وفي هذه السنة، قام مجموعة من الطلبة في إحدى جامعات الشرق الجزائري بإغلاق الجامعة رفضًا لقرارات لجان التأديب التي قرّرت إقصاءهم بعد ضلوعهم في عمليات غش. نعم! لقد وصل الطالب إلى هذا المستوى الذي يجعله يغشُّ ومع ذلك يرفض العقوبات المسلّطة عليه، بحجّة أنّ الجميع يغشّون.

ماذا عن الحجم الساعي الذي يدرسه الطلبة؟ هل يلتزم الأساتذة بهذا الحجم؟ وهل يتمّ استيفاء هذا الحجم سنويًا، خاصّة وأنّ المواد التي تدرّس هي سداسية، الأمرُ الذي يعني بأنّ الطالب يتلقّى دروسًا طيلة سداسي كامل. هل هذا ممكن؟ في ظلّ الاضطرابات المتتالية التي تعصف بالسنة الجامعية؟ هل يتمكّن الطالب من دراسة 14 محاضرة في سداسي واحد؟

هناك مؤشّرات خطيرة تقول بأنّ الطالب لا يتلقّى المادّة بشكل كامل، وما يزيد من حدّة المعضلة غياب المتابعة لدى الطلبة، فأغلبهم يتغيّبون عن حضور المحاضرات، وأغلبهم أيضًا لا يتابعون المحاضرات بقراءات تدعيمية من باب إثراء المحاضرات والدروس التي يتلقّونها في قاعات الدرس. فيكتفون بما يلقى عليهم، أو بالمطبوعة التي يوفّرها بعض الأساتذة أو باقتناء محاضرات من دكاكين نسخ الكتب التي تحوّلت إلى سوق موازية لعرض دروس الأساتذة وبيعها حتى دون أخذ إذن منهم، وهذه معضلة أخرى.

كثيرًا ما تكون المواد المقترحة في الملتقيات أو في المجلّات بلا أي قيمة معرفية

ماذا عن قيمة الملتقيات التي تقام هنا وهناك؟ وماذا عن قيمة المجلّات التي تصدر هنا وهناك؟ هل من قيمة إضافية للعلم تضيفها هذه الملتقيات وهذه المجلّات؟ يجب أن نعترف بالحقيقة السوداء التالية: حضور ملتقى أو المشاركة فيه، على غرار نشر المقالات في مجلات جامعية، أصبحت ضرورة إدارية؛ الغرض منها ضمان شهادات لأجل مناقشة رسائل التخرّج أو استكمال ملف التأهيل الجامعي، وبذلك كثيرًا ما تكون المواد المقترحة في الملتقيات أو في المجلّات بلا أي قيمة معرفية، بل هي مجرّد تكديس لما يوجد سلفًا في مؤلّفات سابقة، يتمّ إعادة تنظيمها وترتيبها وعرض ملخّصات عنها. يبقى أن السؤال المحرج هو: من يقرأ هذه المقالات؟ ومن يحضر هذه الملتقيات؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

انقسام في الجامعة الجزائرية.. هل يعزز إضراب الطلبة زخم الحراك حقًا؟

من الجامعة للفضاء العمومي.. طلبة وأساتذة يدفعون بالحراك الشعبي نحو المستقبل