اليمين بن تومي.. بروفيسور الأدب الذّي أصبح

اليمين بن تومي.. بروفيسور الأدب الذّي أصبح "ميرًا"

الكاتب والباحث اليمين بن تومي (الصورة: فيسيوك)

 

استطاع الكاتب والباحث اليمين بن تومي، 1976، ما بين منتصف تسعينيات القرن العشرين، حيث التحق بكلّيّة اللّغة العربيّة وآدابها في جامعة سطيف في الشّرق الجزائريّ ومنتصف العشرية الثّانية من القرن العشرين؛ حيث حصل على شهادة التّأهيل الجامعيّ (البروفيسورة)، أن يصبح ضمن النّخبة البارزة والفاعلة المتخصّصة في تحليل الخطاب والسّرديات والنّظريّة النّقديّة والسّيمياء والآداب العالميّة. وباتت له فيها دراسات وبحوث تنمّ عن نظرة جديدة، من منظور فلسفيّ، فكان من مؤسّسي الرّابطة العربيّة للفلسفة والشّبكة المغاربيّة للفلسفة والإنسانيات.

ينفي الكاتب المتحصّل على جوائز علي معاشي ومحمّد بن أبي شنب وعبد  الحميد بن باديس أن يكون المواطن حاملًا لنظرة دونيّة للمثقّف، بل هو يحتقر سلوكاته غير الثّقافيّة

كتب في الرّواية "من قتل هذه الابتسامة؟" و"الوجع الآتي" و"الزّاوية المنسيّة"؛ وفي الفكر والنّقد "مرجعيات القراءة عند نصر حامد أبو زيد" و"إدوارد سعيد راهنًا" و"التّفاعل البروكسيمي في السّرد العربيّ" و"تشريح العواضل البنيويّة والتّاريخيّة للعقل النّقديّ والعربيّ".

اقرأ/ي أيضًا: السينما الجزائرية تحصد 5 جوائز في مهرجان القدس السينمائي بغزّة

واستطاع في كتابه "أمراض الثّقافة" أن يفكّك المشهد الثّقافيّ الجزائريّ من الدّاخل، فيرصد السّياقات التّي أدّت إلى جملة الأمراض والاختلالات والنّقائص التّي باتت تهيمن على نخبه وفاعليه ومؤسّساته، بالموازاة مع اقتراح البدائل والرّؤى التّي يمكن أن تذهب به إلى أفق سليم، بما يشبه خارطة طريق ثقافيّة لجزائر القرن الواحد والعشرين.

لقد ظلّ النّاقد والكاتب والباحث والمفكّر المشاكس في اليمين بن تومي مشغولًا؛ من خلال كتاباته وحواراته ومحاضراته، بتجاوز الأسئلة والهواجس الثّقافيّة والمعرفيّة المترهّلة إلى بدائلَ لها تكون مواكبةً لرهانات اللّحظة الوطنيّة/ العربيّة الرّاهنة؛ بما أعطى انطباعًا بأنّ الرّجل لا يمكن أن يوجد في غير الحقل الثّقافيّ والجامعيّ.

غير أن "المثقّف الفضوليّ الذّي تهمّه تحوّلات الأشياء" بتعبير سارتر، فاجأ الجميع بدايةً بترشّحه للانتخابات البلديّة التّي عرفتها الجزائر أواخر شهر أكتوبر الماضي، ثمّ فاجأهم بفوزه فيها، فأصبح رئيسًا لبلديّة مزلوق في ولاية سطيف، حيث توقّع البعض عدم فوزه بالنّظر إلى أنّ الأكاديميّ، في العادة، يكون معزولًا عن الشّعب، فهو أقرب إلى الكائنات الورقيّة منه إلى الكائنات الواقعيّة، بما يجعل بينه وبين الشّارع هوّةً تؤسّس للنّظرة المتعالية لديه، وللتّوجّس منه لدى النّاس/ النّاخبين.

يقول اليمين بن تومي إنّه تلقّى مناشداتٍ من بعض سكّان البلديّة بالتّرشّح، "جعلتني أقول لنفسي: ما المانع من خوض التّجربة؟ هم رأوا في شخصي القدرة على تسيير شؤونهم العامّة بحكم كوني مثقّفًا، فهل من المنطقيّ أن أقول لهم إنّني لا أستطيع لأنّني مثقّف؟ أليس المثقّف هو الذّي ينغمس في الهمّ العامّ ويعمل على معالجته؟ لقد كان رفضي في تلك اللّحظة إدانةً للمثقّف نفسِه وتأكيدًا على كونه مجرّد ظاهرة صوتيّة لا غير".

يشرح محدّث "ألترا جزائر" فكرته بالقول: "ظلّ قطاع واسع من المثقّفين الجزائريّين متمترسين خلف الشّاشات، مكتفين بانتقاد طبيعة الوجوه التّي تنبري للتّرشّح للانتخابات المختلفة، ووصفها بكونها ضعيفة وهشّة وغير جديرة ومؤهّلة، من غير أن يترشّحوا هم ليكونوا بديلًا أو يساندوا على الأقلّ من تتوفّر فيهم الحدود الدّنيا من الجدارة؛ فكان ذلك واحدًاّ من الأسباب التّي جعلت المشهد السّياسيّ محلّيًا ووطنيًّا ضحلَا وغير محكوم بالقيم الأخلاقيّة التّي تقتضيها العمليّة الدّيمقراطيّة".

وينفي الكاتب المتحصّل على جوائز علي معاشي ومحمّد بن أبي شنب وعبد  الحميد بن باديس أن يكون المواطن حاملًا لنظرة دونيّة للمثقّف، بل هو يحتقر سلوكاته غير الثّقافيّة؛ "ماذا ينتظر مثقف من مواطن يتعالى عليه ويصفه بأبشع الأوصاف من غير أن يقدّم له بدائلَ واقعيّة؟ على مثقفي الأبراج العاجية أن ينتبهوا إلى حصول تحوّلات كثيرة في مجتمعاتهم بعضها مسّ مفهوم المثقّف نفسه".

ويقول اليمين بن تومي إنّه سيتعامل مع الخطوة بصفتها تجربةً له شخصيًّا، "حيث سأسعى إلى أن أكون في مستوى خياري، وفي مستوى ثقة المواطنين في شخصي"؛ وتجربةً نموذجيّةً لعموم المثقفين، "في حالة نجاحي في التّغلب على إكراهات التّسيير الميدانيّ، سيتقدّم مثقفون آخرون ويتخلّصون من الهيبة، فنستطيع مستقبلًا تنقية المشهد الانتخابي الجزائريّ من العناصر الدّخيلة. أليس هذا معطًى نضاليًّا؟".

وبقدر ما تعرّض تشرشّح البروفيسور اليمين بن تومي لانتقادات من طرف محيطه الأكاديميّ والثّقافيّ، من زاوية أنّه تعلّق بانتخابات منقوصة الشّرعيّة، لدى البعض، ومن زاوية كونها بلديّة وليست برلمانيّة لدى آخرين، بقدر ما وجد متفهمين لخطوته.

يقول الكاتب والأكاديميّ نذير طيّار: "البروفيسور اليامين بن التّومي، الأستاذ الجامعي الخلوق والمثقّف النّاشط في الإبداع التّأليفيّ والفاعل في الوسط الشّبابيّ سيما على مستوى مشروع تشجيع القراءة، بات رئيسًا لبلدية مزلوق بسطيف. تابعت خطابه الواقعيّ جدًّا ذا الحمولة الثّقافيّة المبسّطة وتفاعل الحاضرين معه، قبل الانتخابات، وأكبرت فيه قراره الشّجاع الذّي قد يُساء فهمه، وحماسَه لخدمة بلديته، برغم كلّ ما لا يشجّع على ذلك. ورجائي أن ينجح في تجربته التّسييريّة الجديدة، بتجاوز كلّ الإكراهات الواقعيّة سيما ضغوطات الفاسدين من أصحاب المال ورجال الحكم".

يضع واحد من أبرز مثقّفي الجيل الجديد في الجزائر نفسَه محلّ اختبار في مجال التّسيير الميدانيّ والتّعامل المباشر مع الشّعب

بهذا يضع واحد من أبرز مثقّفي الجيل الجديد في الجزائر نفسَه محلّ اختبار في مجال التّسيير الميدانيّ والتّعامل المباشر مع الشّعب، فهل ستنجح التّجربة لتكون قابلةً للاقتداء، فيخفّ نفور المثقّفين من الحقل السّياسيّ؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

السينما الجزائرية.. أفلامٌ في العراء

حوار| الناقد محمد عبيدو: السينما الفلسطينية انتماء نضالي وإنساني أولًا