اليورو يتهاوى في السوق السوداء.. لا توجد مبرّرات اقتصادية؟

اليورو يتهاوى في السوق السوداء.. لا توجد مبرّرات اقتصادية؟

السوق السوداء للعملة الصعبة هي مقصد الجزائريين في موسم العطل والحج (فيسبوك)

سقوط حرّ شهدته العملات الأجنبية في السوق الموازية في الجزائر، لأوّل مرّة منذ سنوات، إذ تهاوت إلى حدود 180 دينار جزائري لليورو الواحد، بعدما ضلّت لأكثر من سنة فوق عتبة 210 دينار جزائري مقابل واحد يورو، في مقابل ذلك لم يُعلن البنك الجزائري تسجيل أي ارتفاع أو انخفاض للعملتين في السوق الرسمية، ما طرح عدّة تساؤلات حول هذا التهاوي السريع والمفاجئ؟

تشكّل السوق الموازية خاصّة بشارع بور سعيد بالعاصمة المعروفة بـ"السكوار" مرجعًا لتحويلات العملة الصعبة في البلاد

تشكّل السوق الموازية خاصّة بشارع بور سعيد بالعاصمة المعروفة بـ"السكوار" مرجعًا لتحويلات العملة الصعبة في البلاد، بسبب التضييفات والإجراءات المشدّدة في البنوك وتعقيدات تحويلات العملة بشكلٍ قانوني، والمبالغ الزهيدة التي يصرفها البنك لأصحاب المنحة السياحية، إذ لا تتعدّى 130 يورو في السنة للشخص الواحد، وأيضًا في ظلّ غياب مراكز صرف العملة مثلما هو موجود في كثير من الدول رغم صدور قانون ينظّم ذلك سنة 2015.

اقرأ/ي أيضًا: أموال الجزائريين المهرّبة إلى الخارج.. هل يُمكن استرجاعها؟

ظاهرة اقتصادية

قرّر الثلاثيني بلال منذ نحو أسبوع عدم المغامرة بشراء العملة الصعبة سواءً اليورو أو الدولار، وهو الذي مارس هذه التجارة غير القانونية لسنوات بمحلّ له وسط العاصمة الجزائر، مثلما يوضح لـ"الترا الجزائر"، مرجعًا ذلك إلى عدم وضوح مؤشّرات سوق العملة في الآونة الأخيرة.

وقال بلال "مؤشّرات سوق تحويلات العملة الصعبة أصبحت غير واضحة، هناك تذبذب غير مفهوم في صرف العملات، لقد ارتفع اليورو الواحد إلى 220 دينار والدولار إلى 190 دينار بعد أسابيع من بداية الحراك، لكنّه يعرف في الأيّام الأخيرة سقوطًا حرًا لم نشهده منذ سنوات".

في سوق "السكوار" في العاصمة، لا تبدو حركة تحويل العملات كما كانت عليه سابقًا، حيث كان الشارع يعجّ بالزبائن والبائعين، فقد لاحظ صحفي "الترا الجزائر" أن الإقبال كان ضعيفًا والزبائن متردّدون في تحويل مدخراتهم بهذا السعر المنخفض مخافة أن يرتفع من جديد.

ارتفاع العملة الأجنبية يبقى مستبعدًا، بحسب أمين، الشاب العشريني الذي يمتهن "الشونج" أو تجارة العملة الصعبة في السوق السوداء، إذ بدا واثقًا وهو يتحدّث إلى "الترا الجزائر"، عن استمرار تهاوي العملات الأجنبية إلى مستوى سعر الصرف المتداول في البنك.

الدينار التونسي أيضًا

في الأسابيع الماضية انتشرت إشاعة ارتفاع قيمة الدينار المحلّي مقابل العملات الأجنبية كانتشار النار في الهشيم، وهو الخبر الذي استند إليه في تبرير هذا الانخفاض المفاجئ للعملة الأوروبية والأمريكية في السوق الموازية، غير أن البنك الجزائري أصدر بيانًا يفنّد فيه هذه الإشاعات.

وتشير أسعار الصرف للأوراق النقدية الصادرة عن البنك الجزائري المركزي المتعلّقة بالفترة الممتدة من 30 يونيو الماضي إلى 6 يوليو الجاري، أن سعر الدولار قد حدّد بـ116.87 دينار عند الشراء و124 دينار لدى البيع.

أما قيمة اليورو الواحد فقد حدّدها البنك المركزي بـ132.95 عند الشراء و142.09 لدى البيع، ولا تختلف هذه الأسعار كثيرًا عن تلك المسجّلة خلال الأسبوع الماضي، فقد بلغت قيمة العملة الخضراء 117.26 دينار جزائري عند الشراء و124.41 دينار عند البيع، وتوقفت قيمة اليورو الواحد عند 132.46 دينار عند الشراء و140.60 لدى البيع.  

قبل شهر من الآن، تم تحديد سعر الدولار بـ117.95 دينار عند الشراء و125.15 دج لدى البيع، في حين حدّدت قيمة اليورو بـ131.44 عند الشراء و139.48 في حالة البيع. 

وتقارب هذه الأرقام ما كانت عليه قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية قبل سنة من الآن، عندما كان سعر الدولار عند 114.7 دينار عند الشراء  و121.7 عند البيع، وسعر اليورو بـ134.32 دينار لدى الشراء و142.55 دينار عند البيع.

وشهدت أسعار الدينار التونسي أيضًا انخفاضًا محسوسًا في السوق السوداء، إذ كان الدينار التونسي يساوي 630 دينارًا جزائري قبل شهر من الآن، وقد كان مفترضًا أن يشهد ارتفاعًا في فترة الصيف، لكثرة الطلب عليه من السياح الجزائريين الذي يشدّون الرحال إلى الجارة السياحية، غير أنه انخفض إلى ما دون 530 دينار جزائري هذه الأيّام.

الحراك الشعبي

يؤكّد الخبير المالي كمال رزيق أن قيمة الدينار تبقى ثابتة حتى اليوم في السوق الرسمية مقابل العملات الأجنبية، ولا انخفاض لقيمة هذه الأخيرة عند الشراء أو البيع بالعملة الوطنية.

ويُرجع رزيق في حديث إلى "الترا جزائر" تراجع للعملات الأجنبية مقابل الدينار الجزائري في السوق السوداء، إلى عدد من العوامل المحتملة؛ منها أن إجراءات "محاربة الفساد وقطع مصادر المال تركت العصابة (إشارة إلى رموز نظام الرئيس بوتفليقة) أو من يحوم حولها توقف عملية التحويلات، رغم امتلاكها أموالًا كبيرة إلا أنها متردّدة في طلب العملة الصعبة خوفًا من المراقبة والمتابعة أو لإيداع أصحابها رهن الحبس".

ويلفت رزيق إلى أنه مع بداية الأزمة في الجزائر، شهدت البلاد تهريبًا للعملة الصعبة، لكن الإجراءات المتخذة مؤخرًا مثل المحاكمات أرجعت الثقة للشعب وجعلته يعزف عن تحويل الدينار للعملات الصعبة، فارتفع المعروض مقابل الطلب، على حد قوله.

وتباينت أراء الجزائريين بشأن خلفية هذا الانخفاض لقيمة العملات الأجنبية في السوق السوداء؛ بين من يراها دعاية من السلطة الحالية لتظهر في صورة المدافع عن مصالح البلاد المالية، وبين من يعتقد أنها نتيجة حتمية لسجن رجال الأعمال المتّهمين في قضايا فساد والذين كانوا يستغلون السوق السوداء لتحويل وتبييض الأموال. العمومية.

تشهد هذه الفترة من السنة إقبالًا متزايدًا على شراء العملة الصعبة من السوق السوداء خاصّة مع موسم الحج والعطل الصيفية

وفي خضم عدم الاستقرار الذي تعرفه السوق الموازية للعملة الصعبة، يبقى الجزائريون في حالة ترقّب لما ستؤول إليه قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية، خاصّة مع اقتراب موسم الحج والإجازات الصيفية الذي يشهد طلبًا متزايدًا على شراء العملة الصعبة، وهو ما لا يبّرر هذا الانهيار المفاجئ لسوق العملات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتصاد الجزائري .. تركة ثقيلة من زمن الفساد

تقرير البنك العالمي..احتياطي الصّرف في الجزائر يتآكل