اليوم العالمي لحرية الصحافة.. المهنة للجميع والحرّية لمن استطاع

اليوم العالمي لحرية الصحافة.. المهنة للجميع والحرّية لمن استطاع

الشرطة منعتا احتجاجًا لصحافيي التلفزيون العمومي (تصوير: رياض قرامدي/أ.ف.ب)

يعود اليوم العالمي لحرية الصحافة، والموافق للثالث من أيّار/ماي من كل عام، لتطرح فيه نفس الأسئلة التي لا تعرف إجابة، وتعرض فيه نفس المشاكل والقضايا العالقة والمؤجّلة، كما تتم العودة الدائمة في الجزائر، مثل بقية الدول التي تعرف صراعات لا تنتهي بين السلطة والإعلام، نحو النقاش حول التراجع الفادح للحرّيات والضغوطات التي تعانيها الصحافة والصحافيون، في ظلّ التغيرات السياسية التي تواكب استمرار الحراك الشعبي، الذي شهد بدوره محطات ومطبّات عديدة، كما يعرف تذبذبات واختلالات تغذيها ممارسات تُعيق مسار الحرّيات، في ظلّ استمرار الأزمة الصحية.

تعتبر التجربة الإعلامية الجزائرية منذ بداية التعددية إلى يومنا هذا ذات مسار وعر عرف العديد من المحطات التاريخية التي وجب الوقوف عندها

مشهد إعلامي مقيد

دوليًا، لم تبارح الجزائر ترتيبها مقارنة بالعام الفارط، حيث بقيت تحتل المرتبة 146 من بين 180 دولة حسب التصنيف العالمي لحرّية الصحافة الذي وضعته منظمة مراسلون بلا حدود لسنة 2021.

اقرأ/ي أيضًا: حرية الصحافة: الجزائر تتقهقر بـ 27 مركزًا مقارنة بسنة 2015

 

عنونت المنظمة الشقّ الخاص بالجزائر في موقعها الإلكتروني "بالمشهد الإعلامي المقيد بقوانين سالبة للحرّية"، وذكرت سن السلطات لقوانين أسمتها بـ "الفضفاضة" بهدف تشديد القبضة على حرّية الإعلام خلال أزمة كورونا، واستغلالها لتوقف الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ فيفري/شباط 2019.

كيف وصلت الصحافة في الجزائر إلى ما هي عليه الآن؟ وهل يُمكن الحديث عن حرية الصحافة والتغني بالحق المكفول في التعبير في الوقت الذي شهد فيه عدد من الصحافيين الكثير من التضييق والتهديد بالمتابعات القضائية ودخول بعضهم السجن لمجرّد ممارستهم للمهنة؟ 

كيف يُمكن أن نجد دربًا سالكًا نحو صحافة حرّة، احترافية، حديثة، بعيدة عن البهرجة والسمسرة، وتتمتّع بالاستقلالية التي كانت وما تزال أكبر مطالب الحراك الشعبي في الجزائر؟

رسالة وزير الاتصال 

افتخر وزير الاتصال عمار بلحيمر بوجود قرابة "8500 صحافي و180 جريدة يومية تستفيد من دعم الدولة لورق الطباعة ومن الإشهار العمومي".

جاء هذا التصريح عبر رسالة موجهة إلى الصحافيين والعاملين في الحقل الإعلامي بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، حيث قال إن الصحافة "تُدرك حجم التحديات التي تواجهها في مجال المساهمة في بناء مجتمعات قوية".

وأضاف بلحيمر، في رسالته أن هذه التحديات تكمن في توظيف المعلومات الموثوقة بشفافية قصد إنتاج وتوزيع محتوى إعلامي إحترافي، إضافة إلى التصدي للمعلومات المضلّلة وللمغالطات الخطيرة التي تشكل سلاح حروب الجيل الرابع.

 تحدث وزير الاتصال في نفس الرسالة عن ضرورة "تعزيز علاقة الثقة بين الصحافة والمواطن، خاصة وأن 69 بالمائة من الجزائريين مقتنعون بأن الصحافة الوطنية تمارس حرية الانتقاد المنتظم والدائم لأداء الحكومة دون التعرض لأية متابعات حسب نتائج عملية سبر آراء أجرتها إحدى الجامعات الأجنبية".

 التجربة الجزائرية

تعتبر التجربة الإعلامية الجزائرية منذ بداية التعددية إلى يومنا هذا ذات مسار وعر، عرف العديد من المحطات التاريخية التي وجب الوقوف عندها. في هذا الموضوع، تحدثت الصحافية في جريدة "النصر" نرجس كرميش لـ "الترا جزائر"، عن التجربة الإعلامية الجزائرية، حيث قالت إنّها مرّت بمراحل متعدّدة، بداية من مرحلة إعادة التأميم التي جعلت من الصحافة آلة دعائية يتحكم فيها حزب جبهة التحرير حسب المتحدثة، سواءً بفرض محتوى معين أو بالتعيينات، فكان القائمون على الجرائد آنذاك مجرّد إداريين لا علاقة لمعظمهم بالمهنة.

 أكدت كرميش أن الصحافيين كانوا يوظّفون في تلك المرحلة لمجرّد تحكم بسيط في اللغة العربية، مع إجبارية حمل بطاقة انتساب للحزب، مضيفة أن التعددية كانت مرحلة فارقة في تاريخ الصحافة الجزائرية وجاءت في سياق تفتح سياسي وتغيرات مفصلية في المشهد، وأجمل ما حدث في هذه التجربة حسبها، أن من أسسوا الجرائد كانوا صحافيين غادروا القطاع العام لخوض تجربة جديدة بتمويل معروف وهو رواتبهم وبتسهيلات ودعم من الدولة.

التجربة الإعلامية في الجزائر، اعتبرت المتحدّثة أنّها "تأثّرت بالأزمة الأمنية ولم تمنح الوقت الكافي كي تنضج، لأنّ الجرائد خاضت حربًا ضدّ الإرهاب نقلتها من الممارسة الإعلامية البحتة إلى النضال، وذلك ما عطّل تطوّر تلك الصحف مهنيًا، كما لم تكن علاقة الصحافة في تلك الفترة صدامية مع السلطة، بل أداةً قوية لمحاربة التطرف، حيث ضمنت الدولة الحماية الأمنية للمقرّات الإعلامية ووفرّت ما يسمى بالسكنات الأمنية".

صحافة الريع

الانفتاح الإعلامي كان وليد ظروف سياسية غذاه التعطش لحرية التعبير، فتعددت العناوين ولكن مصادر التمويل اقتصرت على الجهات العمومية، ودخل بعضها في صراعات الأجنحة داخل السلطة، ومع ذلك كان الأداء العام حسب كرميش، مقبولًا بالنظر لقصر التجربة وسياق ظهورها وضعف المؤسّسات من الناحية المادية، وأيضًا بسبب العوائق التي فرضتها حالة الطوارئ، "ليحدث الانفجار في الفترة الممتدة بين سنتي 2000 و2009، إذ ارتفع عدد الجرائد من 31 عنوانًا إلى 80 عنوانًا وظهر ما يسمّى بإعلام الريع".

الفوضى التي سيطرت على المشهد الإعلامي قابلها تراجع رهيب للمعايير المهنية، بحسب كرميش، ورغم الأموال التي جناها ناشرون، لم تواكب الصحافة الجزائرية الانفجار التكنولوجي وظلّت على شكلها الخام، ولم تستفق إلا مؤخّرًا سواء في القطاع العام أو الخاص وهي اليوم، في مواجهة منافسة شرسة مع تجارب فتية امتصت من وعائها، تقول المتحدثة.

حديث الوقائع 

من جهته، أكّد الصحافي نجيب بلحيمر في تصريح لـ "الترا جزائر"، أن وضع الإعلام في الجزائر تتحدث عنه الوقائع، إذ لا يوجد ما هو أسوأ من سجن الصحافيين، فبعد إسقاط المواد التي كانت تنصّ على سجن الصحافيين من قانون العقوبات صار هنالك حسبه، صحافيون سجناء في قضايا تتعلّق بممارسة مهنتهم، قد تجتهد الجهات التي تريد إسكاتهم في البحث عن تهم تجعل قضيتهم تبدو وكأنها بعيدة عن الصحافة.

 يضيف المتحدث هنا، أن الوقائع الموجودة تؤكّد أن من مخاطر ممارسة الصحافة في الجزائر التعرّض للسجن،  وقد يكفي الحديث عن قضية صحافي "ليبرتي" رابح كارش الذي وضع رهن الحبس المؤقت بسبب مقال تغطية لمظاهرة نظمها محتجّون في تمنراست على التقسيم الإداري الجديد.

في السياق نفسه، ذكر نجيب بلحيمر وجود وضع عام من الغلق، لا تخطئه عين من يتابع وسائل الإعلام الجزائرية بكلّ أنواعها؛ فالرأي الآخر مغيب تمامًا، كما توجد مواقع إلكترونية محجوبة بقرارات إدارية غير معلنة، وتعود الصحافيون، حسب بلحيمر، على ممارسة الرقابة الذاتية، كما أن وسائل الإعلام العمومية لا تقدّم أيّة خدمة عمومية، بل إنها تتفرغ لإعادة إنتاج الخطاب الرسمي، وكثير من القضايا التي تهم المجتمع يجري التعتيم عليها لأنها تزعج الحكومة، على حدّ قوله.

على مستوى آخر، أكّد نجيب بلحيمر أن السلطة تضع القوانين على مقاسها لفرض مزيد من الرقابة، كما هو الحال مع المرسوم المتعلق بتنظيم عمل الصحافة الإلكترونية، وتستعمل الوكالة الوطنية للنشر والإشهار التي تحتكر إشهار المؤسسات العمومية والهيئات الحكومية، لإخضاع كل وسائل الإعلام بما فيها جرائد ظلت إلى عهد قريب تمثل قلاعا لمقاومة هيمنة السلطة على الصحافة.

الارتقاء بالعمل الإعلامي 

يُشدّد بلحيمر على ضرورة ترميم سمعة هذه المهنة من خلال تكوين حقيقي يجعل حاملي صفة "صحافي" في مستوى هذه المهنة، داعيًا إلى ضرورة وجود هيئات ضبط ومجالس لأخلاقيات المهنة تحمي الجمهور من الانحرافات التي قد يقع فيها الصحافيون ووسائل الإعلام التي يعملون فيها، كما أشار إلى ضرورة تحرير وسائل الإعلام، "فلا يُمكن أن تظهر صحافة حقيقية إلا إذا توفّر حد أدنى من حرية الوصول إلى مصادر المعلومات وحرية تداول هذه المعلومات، وبعدها يجب التفكير في نموذج اقتصادي جديد لوسائل الإعلام يجعلها مجدية وأكثر تحررا من التبعية للسلطة أو دوائر المال وجماعات المصالح".

الصحافة والمجتمع 

من جهته، وفي ظلّ التغيرات الحاصلة وتقييد الحريات، يرى الناشط الحقوقي جلال لوز في حديثه لـ "الترا جزائر"، أنّ حرية الصحافة في البلاد في تدهور حادّ ومتواصل منذ بداية الحراك الشعبي مقارنة بما كان عليه الحال قبل الحراك، ويُرجع الناشط السبب، إلى كون الصحافة أداة رئيسية في الشد والجذب بين المعارضة والنظام، وبين من يبحث عن قطيعة مع ممارسات سابقة ومن يستعمل الصحافة من أجل استقطابات من جميع الأنواع لخدمة أجندات سياسوية متشعّبة، على حدّ تعبيره.

هنا، يستبعد المتحدث أن تنال الصحافة حرّيتها في الجزائر على المدى القريب ولو كان ذلك نسبيًا، وعليه فإن المطلب الرئيس للشعب على العموم حسبه،  لابدّ أن يكون حرّية الصحافة، حتى تستطيع أن تلعب الدور المنوط بها لصناعة مساحات أخرى تكون متنفسًا حقيقيًا للشعب عمومًا، وللنخب على وجه الخصوص لإبداء الآراء، والأهم أن تكون لسان الواقع و الحقيقة.

الإعلام البديل 

في إجابة عن سؤال حول تحول شبكات التواصل إلى فضاء عمومي خلفت وسائل الإعلام الموجودة في الساحة، قال جلال لوز إن شبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك و يوتيوب (الأكثر شيوعًا في الجزائر)، أصبحت البديل القوي لعدة اعتبارات، أولها دمقرطة المعلومة وصناعة المحتوى التي جاءت مع الطفرة التكنولوجية في العالم.

ثانيها، حسب جلال لوز، سهولة وسرعة وصول المعلومة على عكس وسائل الإعلام الكلاسيكة، ناهيك عن التسيير الكلاسيكي للمؤسّسات الإعلامية في الجزائر والرقابة والفلترة التي تجعل المعلومة لا تُنشر حتى في صفحات المؤسّسات الرسمية.

سهولة التواصل بين الناس عبر النت عوضت بسرعة كبيرة ذلك الغلق الذي مسّ الفضاءات العمومية وأحادية الطرح

أما ثالث الاعتبارات، فأرجعه المتحدّث إلى تحوّل شبكات التواصل عند المستعمل الجزائري إلى فضاء للتعبير، يعوّض الفضاءات الواقعية الممنوعة، سواءً للمعارضة أو حتى لطرح نقاشات مجتمعية بجميع أنواعها، بالنتيجة، فإنّ سهولة التواصل بين الناس عبر النت عوضت بسرعة كبيرة ذلك الغلق الذي مسّ الفضاءات العمومية وأحادية الطرح التي أصبحت السمة العامة للمشهد الإعلامي في البلاد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صدمة بعد حبس بلعربي ووضع درارني تحت الرقابة القضائية

كُلْفَة الصحافة في الجزائر.. سنوات من الخوف والموت والمقاومة