"بابيشة" رسميًا في سباق الأوسكار.. جدل مستمرّ حول العشرية السوداء

مشهد من فيلم بابيشة (يوتيوب)

دخل الفيلم الجزائري المثير للجدل "بابيشة"، للمخرجة مونيا مدور رسميًا، قائمةَ الأفلام المعنية بمسابقة جوائز حفل الأوسكار 2020 لأفضل فيلم أجنبي، المُعلن عنها من طرف أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحرّكة "AMPAS"، في طبعته الثانية والتسعين، المقرّرة في 9 شباط/فيفري القادم.

إلغاء عرض فيلم "بابيشة" في قاعات السينما الجزائرية، مازال يثير جدلًا في الأوساط الثقافية، خاصّة بعد التتويجات الأخيرة

تعرف مسابقة الأوسكار مشاركة 93 دولة عبر العالم، وهو رقم قياسي لم يسبق بلوغه في ترشيحات هذه الفئة من نسخ الأوسكار، أهمّ هذه الأعمال فيلم "طفيلي" من كوريا الجنوبية الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي 2019، والفيلم الإسباني "ألم ومجد" للمخرج العالمي بيدرو ألمودوفار.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم"بابيشة" يُتوّج بجائزة أفضل فيلم عربي في "مهرجان الجونة"

رغم عدم توفّر فيلم "بابيشة" على شرط العرض في البلد الأم، لمدّة لا تقلّ عن أسبوع مثلما تنصّ المادة 30 من قانون المسابقة، إلا أنه نجح في الظفر بموافقة لجنة الأوسكار على دخوله المنافسة، وهي سابقة من نوعها حسب موقع "فارييتي".

اهتمام إعلامي فرنسي

وتزامن ترشيح فيلم "بابيشة" إلى جوائز الأوسكار، مع فترة عرض الفيلم في باريس يوم التاسع من تشرين الأوّل/أكتوبر، حيث أعلن طاقم الفيلم عبر صفحته الرسمية على "إنستغرام" في وقت سابق، أن العروض الرسمية في فرنسا سوف تكون عبر 155 قاعة سينما من مختلف المدن، عشرون منها في العاصمة باريس وحدها. وقد حظي الفيلم باهتمام كبيرٍ على وسائل إعلامية فرنسية، حيث استُضِيف طاقم الفيلم في عدّة حصص تلفزيونية تابعة لقنوات معروفة، مما سلط الضوء على تساؤلات عديدة حول سبب هذا الاهتمام الكبير بهذا الفيلم الذي يعالج فترة حساسة من تاريخ الجزائر؛ وهي سنوات الإرهاب في تسعينات القرن الماضي.

 الشفاء بالسينما

في لقاء تلفزيوني عبر قناة" ARTE"، قالت المخرجة مونيا مدور إن شخصية "نجمة" في فيلم "بابيشة" تمثّلها شخصيًا، وتمثّل كل النساء المناضلات اللواتي عشن تلك الفترة الصعبة من تاريخ الجزائر، لهذا آثرت أن تحكي هذه القصّة التي تمثل رمزًا لهن، وكلّ من قاومن عبر التاريخ في الجزائر خلال ثورة التحرير أو في فترة الإرهاب.

وقالت المخرجة إن تصويرها للفيلم، كان طريقة للشفاء من العنف والخوف الذي زُرع فيها خلال تلك الفترة؛ "فالسينما، والفنّ، والوقت، كانت عناصر جعلتها تتعلّم التريث ومراجعة الذات، كما أن 15 سنة من العمل في السينما وخمس سنوات لكتابة الفيلم، كانت كافية لتنتجه ويكون بمثابة شفاء لها من ذلك الخوف".

وفي سؤال عن الحراك الشعبي في الجزائر، قالت المخرجة إنّ "ثورة الابتسامة" سُميّت كذلك لأنها تمثل شعبًا مسالمًا وشبابًا يطمح للحرّية بكل حضارة وسلمية، وإن للمرأة دور فعّال وثوري في هذه المظاهرات، وأعقبت أنها تُتابع الحراك بكل ترقّب وبالكثير من الأمل.

أمّا عن منع الفيلم من العرض في الجزائر، عقبت مونيا مدور قائلة، إنه لا يوجد سبب رسمي إلى حدّ الآن لمنعه، "لكنها سعيدة جدًا أن الشباب الجزائريين وجدوا فرصة لمشاهدة الفيلم، حتى لو كان ذلك عن طريق القرصنة، لأن المهمّ بالنسبة إليها هو رأي الجمهور".

ضدّ التطرّف

"نجمة" بطلة الفيلم التي تؤدّي دورها الممثلة الشابة لينا خودري، أجابت عن سؤال الصحافي باتريك سيمونان خلال حصة "الضيف" عبر قناة "TV 5 Monde"، قائلة "إنّ الفيلم لم ينتقد الإسلام كديانة، لأن الأديان في حدّ ذاتها جميلة، وإنما انتقد التطرّف والمتطرّفين الذين يستغلونه، فالبطلة تربت في عائلة مسلمة وتراها تنطق الشهادتين، لكنها ثارت وناضلت ضدّ هذا النوع من القيود الذي فرضته الجماعات المتطرّفة".

يذكر أن لينا خودري، هي ابنة الصحافي رابح خودري الذي كان مهدّدًا بالتصفية خلال فترة الإرهاب، وقد كتبت إليه بطلة الفيلم، رسالة مؤثّرة عبر حسابها على "إنستغرام" أهدت إليه من خلالها هذا العمل، "تقديرًا منها له ولجهوده وشجاعته أثناء تلك الحقبة الصعبة من تاريخ الجزائر".

الفيلم الممنوع

يبدو أن إلغاء عرض فيلم "بابيشة" في قاعات السينما الجزائرية، ما زال يثير جدلًا في الأوساط الثقافية، خاصّة بعد التتويجات الأخيرة. هنا، يصرّح سيناريست الفيلم وأحد منتجيه بلقاسم حجّاج لموقع "Algérien Huffington post" قائلًا "إنّ هناك منعًا لا أحد يُريد تحمّل مسؤوليته".

قوبل منع فيلم "بابيشة"، بدعم من المتظاهرين في مسيرات الحراك الشعبي، حيث رُفعت عدّة لافتات عديدة تتضامن مع طاقم الفيلم، وتستنكر قرار منعه من العرض، إذ ترتّب عن هذا الحجب تسريب نسخة منه على الإنترنت على روابط للتحميل وموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ممّا مكن كثيرين من الاطلاع عليه في الجزائر، وهذا ما أشعل فتيل الانتقادات التي طالت أحداثه وكيفية معالجته لفترة العشرية السوداء.

تتويجات أخرى

في مقابل ذلك، ورغم منعه في الجزائر، فاز "بابيشة" بعدّة جوائز سينمائة، إضافة إلى وصوله إلى قائمة "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي لهذا العام؛ إذ حاز الفيلم على "النجمة الذهبية" لأفضل فيلم روائي عربي في مهرجان الجونة السينمائي، كما حصل أيضًا على ثلاث جوائز أخرى في مهرجان الفيلم الفرانكفوني بأنغوليم، لأحسن ممثلة وهي الفنانة لينا خودري، إضافة إلى جائزتين استلمتهما المخرجة مونية مدور عن أحسن سيناريو، وجائزة الجمهور. كما حصل الفيلم أيضًا، على الجائزة الكبرى لأحسن فيلم، ضمّ تصويت مائة قارئة لمجلّة "هي" الفرنسية.

هفوات زمنية

تتباين رؤى النقّاد حول فيلم "بابيشة" فنيًا وتقنيًا؛ فرغم الثناء الذي ناله في عديد التظاهرات، إلا أن الانتقادات التي وجّهت له، تقف وراءها عدّة أسباب؛ يلخّصها الناقد السينمائي عبد الكريم قادري في حديث إلى "الترا جزائر"، بأن كثيرًا من المخرجين الذين اشتغلوا على أفلام تعالج فترة الإرهاب، هم في أغلبهم أشخاص عاشوا بعيدا خلال تلك الفترة، إمّا بحكم الهجرة، أو الهروب خوفًا من التصفية، لهذا نجد أن نسبة كبيرة من هذه الأفلام تنقل لنا صورة بعيدة بعض الشيء عن واقع تلك الأحداث وحقيقتها، ورجّح الناقد أن يكون هذا من الأسباب التي تجعل المشاهد الجزائري موقنًا بأن هناك حلقات كثيرة منقوصة من حقيقة ما عاشه خلال تلك الفترة، على حدّ قوله.

يعتقد قادري، أنّ المشاهد الغربي حين يتابع هذا النوع من الأفلام، يقتنع لا محالة بأن شخصية المرأة المطروحة فيه مثلًا، هي الصورة الواقعية للنساء في الجزائر، لأن المخرج أو السيناريست في اعتقاده، قد صوّر ذلك القالب لمغازلة الآخر، في حين يجد المشاهد الجزائري نفسه أمام إحساس بالتحامل الكبير على صورة المرأة أو طريقة تناول الموضوع عمومًا.

يستطرد المتحدّث، في توجيه ملاحظاته حول الفيلم، بأن "بعض هؤلاء المخرجين يخدمون بشكل أو بآخر أيديولوجياتهم، ويعتقدون أنهم يحاربون التطرّف من منظورهم الخاص، إلا أن أفلامهم تتّجه في اتجاه معاكس، حيث تخدم وجهة النظر المخالفة لهم أكثر على حساب تلك الأفكار".

بعض المشاهد المصورة في هذه الأفلام جاءت كما قال عبد الكريم قادري، "متحاملة على الدين والمرأة والمجتمع في تلك الفترة، ونقلت معطيات مغلوطة، مثل اعتداء المحجّبات على الأساتذة خلال الدرس، واقتحامهن للإقامات الجامعية، إضافة إلى وجود العديد من الهفوات الزمنية التي ارتكبتها المخرجة في الفيلم".

هنا، يستشهد الناقد بفيلم "ريح ربّاني" للمخرج المغترب مرزاق علواش، حيث أشار إلى غياب الصورة الحقيقية للتطرّف خلال التسعينات، وأرجأ قادري السبب، إلى عدم استيعاب المخرج لإيديولوجيات الحركة الإسلامية فيها، على حدّ تعبيره.

مشاهد مضخّمة

من جهته عبر المدوّن نسيم براهيمي، المهتمّ بشؤون السينما من خلال منشور فيسبوكي تعرّض فيه للفيلم، أن هذا الأخير مُنع من العرض في الجزائر دون سبب واضح، "واعتقدَ أنه يتحتم على الأوساط الثقافية الحديث عن حالة الحجب أوّلًا قبل مناقشة الفيلم ونقده".

قال نسيم براهيمي إن ّالفيلم عبارة عن سرد زمني لحياة فتاة جامعية في جزائر التسعينات، قصّة تأخذ مجراها في بلد تمزقه العشرية السوداء من وجهة نظر الشخصية الرئيسية "نجمة". متسائلًا إن كان هذا الموضوع مكرّرًا ومبتذلًا؟

يُشير المتحدّث، إلى أنه لا إجابة محدّدة عن هذا السؤال بشكل قاطع، باعتبار أن المعيار الوحيد الذي يمكننا من خلاله معرفة مقدار تجاوزنا لنقطة الابتذال والتكرار هو شبّاك التذاكر، "وبما أننا لا نملك شبّاك تذاكر (يقصد غياب قاعات سينما)  لمعرفة إن كان الجمهور قد ملّ موضوع العشرية السوداء، فسنتجاوز هذه النقطة".

يرى براهيمي أنّ فيلم "بابيشة" لا يروي فترة تاريخية للبلد، بقدر ما يحكي الحياة التي عاشتها فتاة جامعية في تلك الحقبة. قد يكون ذلك خيارًا متعمّدًا، لكنه في نظر المصرِّح حاضرٌ أكثر من اللازم من خلال لقطات محصورة في دور بطلة العمل "نجمة".

يُردف المدوّن أنّ المخرجة حافظت على قدر محترم من التحفّظ، وحاولت خلق "ذروات درامية"، ولم تعتمد في ذلك على نسق خطّي لتحقيق ذلك، "فبقدر ما كانت تُعطيك الأمل كانت دائمًا تحرص على أن تصدمك مباشرة بعدها بحدث معاكس تمامًا، ربّما، عاش الجزائريون تلك الحقبة بهذا التذبذب، ربما كانت هذه الميزة الأبرز لحقبة التسعينات، صراع خفي وغير محسوم بين الأمل وفقدانه".

وعن الانتقادات التي طالت العمل، قال المتحدّث، إنّ التضخيم والمبالغة هما من صميم السينما شرط أن يُحترم السّياق التاريخي العام ولا يناقضه، "الجميل في الفيلم، هو أنه لا يوجد موقف سياسي من أزمة التسعينات ولا محاكمة للمرحلة، الفيلم كلّه عبارة عن رحلة وصفية ليوميات طالبة رفقة صديقاتها وعائلتها".

يُنتظر أن يُشارك فيلم "بابيشة" في مهرجان النساء المتوسّطيات ومهرجان الفيلم العربي في طبعتهما القادمة

يُشار أنه من المقرّر أن يقوم الفيلم بجولة عبر قاعات السينما الأوروبية والعالمية، والمشاركة أيضًا في مهرجانات أخرى، مثل مهرجان النساء المتوسّطيات، ومهرجان الفيلم العربي، الذي أعلن عن برمجته على صفحته الرسمية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "بابيشة" المرشّح للأوسكار.. "ممنوع" في الجزائر؟

فيلم بابيشة.. نساء العشرية السوداء يحاربن التطرف في مهرجان كان