بعد أربع سنوات من التوتر.. مدريد تطوي صفحة الخلاف مع الجزائر وتفتح آفاق شراكة جديدة
21 يوليو 2026
قام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بزيارة رسمية إلى الجزائر يوم الاثنين 20 يوليو/تموز، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية التي عصفت بالعلاقات بين البلدين عام 2022 على خلفية ملف الصحراء الغربية. وتأتي هذه الزيارة، في سياق تصاعدي بدأته الجزائر بإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا في مارس/آذار الماضي، بعد أن ظلت مجمدة لأكثر من ثلاث سنوات.
وتحمل الزيارة دلالة رمزية بقدر ما تحمله من أبعاد اقتصادية واستراتيجية، إذ يأتي سانشيز إلى الجزائر في وقت تحتل فيه بلاده موقعاً متقدماً بين الشركاء الأوروبيين للجزائر، خاصة في ملف الطاقة.
وتحمل الزيارة دلالة رمزية بقدر ما تحمله من أبعاد اقتصادية واستراتيجية، إذ يأتي سانشيز إلى الجزائر في وقت تحتل فيه بلاده موقعاً متقدماً بين الشركاء الأوروبيين للجزائر، خاصة في ملف الطاقة، بعدما استعادت الجزائر مكانتها كأكبر مورّد للغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية. ويرى مراقبون أن التوقيت ليس عابراً، في ظل تحولات إقليمية ودولية تدفع مدريد إلى إعادة ترتيب أولوياتها تجاه شمال إفريقيا.
وفيما تُطرح الزيارة كفرصة لفتح صفحة جديدة من التعاون الثنائي، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت ستحمل أي تطور في الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، الملف الذي ظل نقطة الخلاف المركزية بين الجزائر ومدريد طوال سنوات القطيعة.
تسلسل أزمة الجزائر ومدريد
منذ اللحظة التي انحازت فيها مدريد في مارس/آذار 2022 لصالح مبادرة الحكم الذاتي المغربية بشأن الصحراء الغربية، متخلّية عن الحياد التاريخي الذي حكم موقفها من هذا الملف لعقود، لم تتردد الجزائر في اعتبار ذلك تراجعاً غير مقبول عن التزامات وتفاهمات سابقة، فبادرت إلى استدعاء سفيرها وتجميد معاهدة الصداقة وحسن الجوار، في رسالة واضحة مفادها أن الشراكة مع مدريد لا يمكن أن تُبنى على حساب قضية تعتبرها الجزائر مسألة مبدأ لا تقبل المساومة.
ورغم أربع سنوات من القطيعة، ظلت إسبانيا الطرف الأكثر تكبّداً لكلفة الأزمة، إذ حُرم قطاعها الاقتصادي من شريك تجاري مركزي، فيما واصلت الجزائر تزويدها بالغاز عبر أنبوب "ميدغاز" بوصفه التزاماً سيادياً لا يخضع للمساومات السياسية، لتستعيد بحلول يونيو/حزيران 2026 موقعها كأكبر مورّد للغاز الطبيعي إلى السوق الإسبانية، في مؤشر على أن الجزائر ظلت الطرف المتحكم في وتيرة العلاقة وشروطها.
وبعدما تبيّن لمدريد أن سياسة التموقع خلف الرباط لم تُحصد مكاسبة استراتيجية، وأن استمرار العزلة عن الجزائر يمسّ مصالحها الاستراتيجية أولاً، أعلنت الجزائر في مارس/آذار 2026 إعادة تفعيل معاهدة الصداقة، في خطوة قُرئت على أنها استجابة جزائرية لتحرك إسباني نحو تصحيح المسار، قبل أن يُتوَّج ذلك بزيارة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو/تموز 2026، في مشهد اعتبره كثيرون تعبيراً عن أن مدريد هي من عادت إلى الجزائر، لا العكس.
رغم أربع سنوات من القطيعة، ظلت إسبانيا الطرف الأكثر تكبّداً لكلفة الأزمة، إذ حُرم قطاعها الاقتصادي من شريك تجاري مركزي، فيما واصلت الجزائر تزويدها بالغاز عبر أنبوب "ميدغاز" بوصفه التزاماً سيادياً لا يخضع للمساومات السياسية
وتحتل الطاقة موقع الصدارة في هذا التبادل، إذ استعادت الجزائر مطلع يونيو/حزيران 2025 مكانتها كثاني مورّد للغاز إلى إسبانيا عبر أنبوب "ميدغاز"، بحصة تتراوح بين 26 و30 بالمائة من الواردات الشهرية، خلف الولايات المتحدة وقبل روسيا، وفق بيانات التجارة الخارجية الإسبانية. وقد أكد السفير الجزائري السابق في مدريد، عبد العزيز رحابي، أن الجزائر وفّت بتعهداتها تجاه إسبانيا في مجال الطاقة حتى في أشد لحظات الأزمة. أما على صعيد التبادل التجاري الإجمالي، فقد سجّل عام 2025 أداءً قياسياً بلغ نحو 8.5 مليار يورو، بحسب رئيس منتدى الأعمال الجزائري الإسباني عبد الله سريعي، الذي أشار إلى أن صادرات إسبانيا نحو الجزائر تضاعفت ثلاث مرات خلال العام، مع نشاط أكثر من مئة شركة إسبانية في السوق الجزائرية. وتفيد بيانات أخرى بأن الصادرات الإسبانية إلى الجزائر قفزت بنسبة 269 بالمائة خلال 2025، مقابل ارتفاع الواردات الجزائرية منها بنسبة 109 بالمائة، ما جعل الجزائر من أسرع الأسواق نمواً بالنسبة للتجارة الخارجية الإسبانية.
ولم تعد الصادرات الجزائرية نحو إسبانيا مقتصرة على المحروقات، بل توسعت لتشمل المنتجات الحديدية والأسمدة والمنتجات الزراعية، فيما استعادت شركات إسبانية، خصوصاً في قطاع السيراميك بمنطقة كاستيون، حصصاً كانت قد خسرتها لصالح إيطاليا وتركيا خلال سنوات القطيعة.
منحى تصاعدي في العلاقات الاقتصادية والتجارية
وتعكس المؤشرات الاقتصادية عودة تدريجية للديناميكية التجارية بين الجزائر وإسبانيا بعد سنوات من التراجع الذي فرضته الأزمة الدبلوماسية بين البلدين. فبعد أن بلغت قيمة الصادرات الإسبانية نحو السوق الجزائرية 2.906 مليار يورو عام 2019، انخفضت إلى 332 مليون يورو في 2023، قبل أن تستعيد منحاها التصاعدي لتصل إلى 794.5 مليون يورو في 2024، ثم تقفز إلى 2.133 مليار يورو خلال 2025، في دلالة على استعادة الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.
وبلغ حجم المبادلات التجارية الثنائية نحو 8.5 مليارات يورو في عام 2025، ما يؤكد عودة العلاقات الاقتصادية إلى مستوياتها الطبيعية، مدفوعة باستئناف التعاون السياسي وإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون.
تكتسب زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، بعداً اقتصادياً لافتاً، إذ يرافقه وفد يضم كبار مسؤولي شركات الطاقة الإسبانية، من بينها ناتورجي، وريبسول، ومويفي، وإناغاس،
وتنشط في الجزائر اليوم أكثر من 100 شركة إسبانية في قطاعات استراتيجية، أبرزها الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والخدمات، فيما شكّل اختيار إسبانيا ضيف شرف معرض الجزائر الدولي في جوان 2026 رسالة اقتصادية وسياسية تؤكد رغبة الطرفين في فتح مرحلة جديدة من الشراكة.
وتكتسب زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، بعداً اقتصادياً لافتاً، إذ يرافقه وفد يضم كبار مسؤولي شركات الطاقة الإسبانية، من بينها ناتورجي، وريبسول، ومويفي، وإناغاس، بما يعكس اهتمام مدريد بتعزيز حضورها في السوق الجزائرية.
غير أن الجزائر تبدو اليوم أكثر تمسكاً بنموذج تعاون اقتصادي مختلف، يقوم على الاستثمار المنتج، وإنشاء وحدات صناعية، وتعزيز الإدماج المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، بدلاً من الاكتفاء بعقود التوريد أو إنجاز المشاريع. وهو توجه يعكس رغبة السلطات الجزائرية في تحويل العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا من شراكة تجارية تقليدية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
أبعاد الزيارة
أكد الأستاذ محمد الصالح جمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة قالمة، أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، تحمل دلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية عميقة، بالنظر إلى السياق الذي جاءت فيه، بعد أشهر من عودة تدريجية للثقة بين البلدين، تُوِّجت بإعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، عقب فترة من الفتور في العلاقات الثنائية.
وأوضح جمال، في تصريح لـ"الترا جزائر"، أن الزيارة تعكس إدراك مدريد للتحولات التي شهدها موقع الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن الجزائر أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، بالنظر إلى دورها المحوري في ملفات الطاقة والأمن والهجرة واستقرار منطقة الساحل.
وأضاف أن الزيارة جسدت توجهاً إسبانياً نحو اعتماد مقاربة أكثر واقعية في التعامل مع الجزائر، تقوم على الحوار واحترام المصالح المتبادلة، معتبراً أنها تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية قوامها الاستقرار والتوازن والتعاون المؤسسي.
أستاذ العلوم السياسية محمد جمال: الزيارة تعكس إدراك مدريد للتحولات التي شهدها موقع الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن الجزائر أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط
وفي الشق الاقتصادي، أكد أستاذ العلوم السياسية أن أهمية الزيارة لا تقتصر على ملف الطاقة، رغم المكانة التي تحتلها الجزائر باعتبارها أحد أبرز موردي الغاز الطبيعي إلى إسبانيا، وإنما تمتد إلى آفاق أوسع تشمل تشجيع الاستثمار، وتعزيز التعاون الصناعي، وتطوير المبادلات التجارية، فضلاً عن توسيع الشراكة في مجالات الطاقات المتجددة، والبنية التحتية، والنقل، بما يعكس توجهاً نحو بناء شراكة اقتصادية طويلة المدى.
وأشار المتحدث إلى أن استئناف العمل بمعاهدة الصداقة يمنح العلاقات الجزائرية الإسبانية إطاراً مؤسساتياً أكثر فعالية، يسمح بتطوير الحوار السياسي وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، كما يعكس نجاح الدبلوماسية الجزائرية في إدارة الخلافات وفق مبدأ الاحترام المتبادل والتمسك بالثوابت، وهو ما أسهم في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.
وفي قراءته للبعد الاستراتيجي للزيارة، أوضح جمال أن الجزائر عززت خلال السنوات الأخيرة مكانتها كفاعل محوري في معادلات الأمن الإقليمي، بفضل موقعها الجغرافي، وخبرتها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، ودورها في استقرار منطقة الساحل، إلى جانب أهميتها المتزايدة في أمن الطاقة الأوروبي، وهو ما يجعل تعزيز الشراكة معها خياراً استراتيجياً بالنسبة لإسبانيا.
وختم الأستاذ محمد الصالح جمال تصريحه بالتأكيد على أن نتائج الزيارة ستقاس بمدى ترجمة الإرادة السياسية التي أظهرها الطرفان إلى مشاريع استثمارية وشراكات اقتصادية ملموسة، تقوم على نقل التكنولوجيا، والإدماج الصناعي، وتكثيف التنسيق السياسي، بما يفتح صفحة جديدة في العلاقات الجزائرية الإسبانية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الكلمات المفتاحية
حزب "جيل جديد": إقصاء الأحزاب من الحكومة يُفرغ الانتخابات من معناها السياسي
عاد النقاش بشأن طبيعة الحكومة المقبلة إلى الواجهة مع انطلاق العهدة التشريعية الجديدة، بين من يدعو إلى تشكيل حكومة تعكس نتائج الانتخابات التشريعية، ومن يتمسك بأولوية الكفاءة في اختيار أعضاء الجهاز التنفيذي.
كرسي رئيس الغرفة الثانية للبرلمان.. نقاش يتجاوز حدود المنصب
بالتوازي مع الخطاب السياسي بالجزائر الداعم لتعزيز مشاركة المرأة في مواقع المسؤولية؛ انتُخبت النائب خليدة بوفدش رئيسة للمجلس الشعبي الوطني لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان منذ الاستقلال.
وزراء بلا عطلة في عز الصيف.. هل اقترب التعديل الحكومي في الجزائر؟
ويأتي هذا النشاط المتواصل للوزراء في وقت تتصاعد فيه التكهنات داخل الأوساط السياسية والإعلامية بشأن احتمال إجراء تعديل حكومي، لا سيما بعد استكمال المسار المؤسساتي المرتبط بالانتخابات التشريعية وتنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد
الجزائر تتجه نحو "حكومة تكنوقراطية" جديدة وحوار سياسي مع الأحزاب مع الدخول الاجتماعي
تتجه الجزائر إلى فتح مرحلة سياسية جديدة عنوانها تشكيل حكومة تقوم على معيار الكفاءة وإطلاق حوار سياسي مع مختلف الأحزاب خلال الدخول الاجتماعي المقبل، في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بما ينسجم مع نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وسط ترقب لطبيعة الخيارات التي ستطبع المرحلة المقبلة.
انحراف قطار بين جسر قسنطينة والحراش.. تعديل مؤقت في الرحلات
أكدت الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية أنها ستُعلم المسافرين بكل المستجدات المتعلقة بموعد استئناف الحركة والعودة إلى البرنامج العادي
طقس الجزائر.. حرارة قياسية تصل إلى 45 درجة وأمطار رعدية في عشرات الولايات
حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، في نشرية خاصة حول حالة الطقس ليوم السبت، من موجة حر شديدة وأخرى قياسية، بالتزامن مع تساقط أمطار رعدية على عدد من ولايات الوطن.
عبد الله مايغا: لا قطيعة دبلوماسية بين مالي والجزائر والعلاقات تتجه نحو التهدئة
أكد رئيس الوزراء المالي، عبد الله مايغا، عدم وجود أي قطيعة دبلوماسية بين مالي والجزائر، مشددًا على أن العلاقات بين البلدين تشهد تقاربًا في الرؤى بين قيادتيهما، رغم التوترات التي طبعت المشهد خلال الأشهر الماضية.
لوكا زيدان يغيّر ناديه.. تجربة جديدة لحارس "الخضر" في إسبانيا
فتح الحارس الدولي الجزائري لوكا زيدان صفحة جديدة في مسيرته الكروية، بعد مغادرة غرناطة والانتقال إلى نادي ليغانيس، في خطوة ينتظر أن تُحسم خلال سوق الانتقالات الصيفية الحالية.