بعد إخفاقات متكررة.. هل تنجح الجزائر أخيرًا في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟
10 فبراير 2026
يشكّل إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظار حسمها، بعد سنوات من المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة. فرغم ما رُصد من موارد مالية ضخمة لضمان استقرار القدرة الشرائية وحماية الفئات الهشة، إلا أن آليات الدعم التقليدية أفرزت اختلالات كبيرة، أبرزها استفادة غير مستحقي الدعم، وتبديد الموارد، وتراجع فعالية السياسات الاجتماعية.
تقرّر سابقًا استحداث جهاز وطني للتعويضات لفائدة الأسر المحتاجة، كان من المفترض أن يتولى إعداد تصور تطبيقي يُجسّد آلية التحويلات النقدية المباشرة لصالح العائلات المستحقة
وفي ظل تزايد التحديات المالية المرتبطة بالتبذير وسوء التسيير وتراجع المداخيل المالية، والتي قد تؤدي إلى اختلالات في ميزانية الدولة، أعاد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في لقائه الإعلامي الدوري، التأكيد على ضرورة الإسراع في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي وفق رؤية شاملة لا تُقصي أيًّا من مستحقيها، فهل ستتجسّد هذه الرؤية فعليًا مع اعتماد الرقمنة في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟
لماذا أخفقت حكومة أيمن عبد الرحمن؟
في هذا السياق المرتبط بمراجعة منظومة الدعم الاجتماعي، يجدر الإشارة أن هذا التوجه أعلن عنه رسميًا وعلنيًا في خطة عمل الحكومة التي عرضها الوزير الأول الأسبق أيمن بن عبد الرحمن ضمن قانون المالية لسنة 2022، حيث تضمنت الخطة برنامجًا واسعًا لإعادة هيكلة سياسة الدعم وتحويلها تدريجيًا نحو الدعم الموجّه للفئات الاجتماعية المعوزة بدل الدعم الشامل للمواد.
وقد تقرّر، على ضوء ذلك، استحداث جهاز وطني للتعويضات لفائدة الأسر المحتاجة، كان من المفترض أن يتولى إعداد تصور تطبيقي يُجسّد آلية التحويلات النقدية المباشرة لصالح العائلات المستحقة.
غير أن هذا القرار الحكومي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والنقابية، حيث عبّرت عدة أحزاب ومنظمات عن مخاوفها من احتمال وقوع تجاوزات، أو من غياب رؤية متكاملة تضمن توزيع عادل للدعم الاجتماعي.
اقرأ أيضًا: 200 مليار دينار جزائري لبرامج الدعم الاجتماعي في 2025
وجاء في وثيقة قانون المالية لسنة 2022 أن هذا الجهاز سيُخوَّل له ضبط والتحكم في الاعتمادات المالية المخصّصة سنويًا لدعم المواد والخدمات الأساسية، مثل الخبز، الفرينة، الكهرباء، الحليب، الزيت، الماء، الوقود، مادة البن، إضافة إلى مختلف الخدمات الاجتماعية في قطاعي الصحة والتعليم، وذلك في إطار ترشيد النفقات العمومية وتحسين فعالية الإنفاق الاجتماعي.
شروط الإصلاح والنجاح
في هذا السياق، يرى سليمان ناصر، الخبير الاقتصادي، أن إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي ليس موضوعًا جديدًا، إذ سبق لبعض الحكومات السابقة أن تبنّته دون أن يُجسَّد فعليًا على أرض الواقع.
وأوضح المتحدث لـ"الترا جزائر" أن حجم الدعم الاجتماعي في ميزانية 2026 بلغ نحو 6 آلاف مليار دينار، أي ما يعادل تقريبًا 46 مليار دولار، وهو ما يمثل حوالي 34 بالمائة من إجمالي الموازنة العامة، أي ما يقارب ثلت الموازنة .
وعلى ضوء ذلك، شدد الخبير الاقتصادي على ضرورة إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي وإعادة توجيهه نحو مستحقيه الحقيقيين.
وبخصوص أسباب فشل الحكومات السابقة في تجسيد هذه الإصلاحات، أشار إلى أن المشروع يتطلب منظومة إحصائية قوية، شاملة، شفافة، ومُحَيَّنة بشكل دائم ومستمر.
وأضاف أن التطبيق الفعلي لهذه المنظومة الإحصائية يستوجب توفر أدوات رقمية متطورة ورقمنة شاملة لكل القطاعات.
الخبير الاقتصادي سليمان ناصر: نجاح إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي مرهون بتوفر الإرادة السياسية، إلى جانب عصرنة ورقمنة مختلف القطاعات المالية والاجتماعية
وأكد أن إنشاء بنك معلومات مرقمن وشامل من شأنه أن يعالج العديد من الاختلالات، مثل الضريبة على الثروة، منح البطالة، وتوزيع الإعانات خلال شهر رمضان وغيرها.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن نجاح إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي مرهون بتوفر الإرادة السياسية، إلى جانب عصرنة ورقمنة مختلف القطاعات المالية والاجتماعية.
تأييد الدعم المعمم
وفي تقدير حزب العمال، يمثل الدعم الاجتماعي المعمم ركيزة أساسية في تجسيد الطابع الاجتماعي للدولة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصًا الطبقات ذات الدخل المحدود.
في مقابل ذلك، يرى الحزب إن أي محاولة لإعادة توجيه الدعم على شكل صكوك أو منح نقدية للعائلات محدودة الدخل، مع تحرير الأسعار، من شأنها أن تعمّق الفجوة بين المواطنين وتزيد من التفاوت الاجتماعي، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية واختفاء الطبقة المتوسطة.
إن الحل الجدري وفق حزب العمال يكمن في اعتماد سياسة ضريبية عادلة، تكون موازية مع الدخل والقدرة المالية لكل مواطن.
وفي هذا الإطار، يرى الحزب أن فرض الضرائب على الثروة أصبح ضرورة ملحة لاسترجاع الموارد الضائعة وتحقيق العدالة الاجتماعية، دون المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين.
كما أن تحديد حد أدنى للدخل كمعيار للاستفادة من الدعم يطرح إشكاليات عميقة، إذ لا يمكن لأي دخل محدود، مثل الحد الأدنى للأجر الوطني المحدد بـ24.000 دج، أن يغطي الحاجيات الأساسية للأسر، كما أنه لا يمكن أن يكون معيارًا لتصنيف المواطنين بين المعوزين وغير المعوزين، بما يتعارض مع المبادئ الجمهورية التي تنص على المساواة في الحقوق والواجبات.
حزب العمال: التوجه نحو الدعم الموجه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما أظهرت التجارب الدولية، بما فيها تجربة إيران، التي عادت لاحقًا إلى النظام المعمم بعد فشل التجربة
وبناء عليه، حزب العمال يرفض تصنيف المواطنين على أساس الاستحقاق المادي للدعم، إذ إن ذلك يعيد إلى الأذهان ممارسات الماضي التي كانت تصنف المواطنين حسب حاجتهم، ويؤكد على ضرورة الحفاظ على الدعم الاقتصادي والاجتماعي المعمم، الذي يستهدف أساسًا المواد والخدمات الحيوية مثل: الخبز، الزيت، القمح، الكهرباء، النقل، التعليم، السكن، وغيرها، سواء عبر تسقيف الأسعار أو دعم المؤسسات المعنية.
في تقدير الحزب، التوجه نحو الدعم الموجه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما أظهرت التجارب الدولية، بما فيها تجربة إيران، التي عادت لاحقًا إلى النظام المعمم بعد فشل التجربة.
وعليه، فإن خطةً واضحةً لتحقيق المساواة الضريبية بين المواطنين، مع الحفاظ على الدعم المعمم، تبقى السبيل الأمثل لضمان العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوت الاقتصادي.
التكلفة المالية الباهظة
في تصريح لـ "الترا جزائر"، أكد زهير رويس، القيادي في حزب جيل جديد، أن مسألة توجيه المساعدات الاجتماعية والدعم المالي، التي تم تأجيلها لسنوات، عادت مجدداً إلى طاولة النقاش.
وأوضح أن هذا الملف، الذي تم إدراجه بشكل محدود في قانون المالية 2022، يُعاد تداوله حالياً ضمن النقاش البرلماني حول مشروع قانون المالية 2026، قبل أن يتطرق إليه رئيس الجمهورية يوم السبت 7 فبراير 2026.
وأضاف رويس أن الهدف المعلن من هذا التوجه هو العدالة الاجتماعية، لضمان وصول الأموال العامة إلى من يحتاجها فعلاً، وليس إلى الطبقات الغنية والفقراء على حد سواء.
أشار إلى أن أسباب هذا التحول، هو الضغوط المالية أكثر من كونه خيارًا أيديولوجيًا.
وأفاد بأن قانون المالية 2026 صُمم في ظل اختلالات هيكلية واضحة، مع ميزانية إنفاق قياسية تجاوزت 17.636 مليار دينار، أي نحو 42% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما لا تتجاوز الإيرادات 8.009 مليار دينار، مع اعتماد كبير على قطاع المحروقات.
وتابع رويس أن هذا الوضع يؤدي إلى عجز مالي مرتفع جداً يُقدّر بـ5.186,6 مليار دينار، أي حوالي -12.4% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم افتراض سعر برميل نفط يبلغ 60 دولاراً.
هير رويس: توجيه الدعم المالي يجب أن يكون أداة لتحسين النفقات العامة وضمان دور الدولة التضامني تجاه الفئات المستهدفة، وليس مجرد خفض ميزانية ضخمة بهدف تغطية العجز الناتج عن إدارة غير حكيمة
وأكد المتحدث أن استمرار الدعم العام لجميع المواطنين بلا استثناء أصبح غير مستدام، مشيراً إلى أن هذا النموذج مكلف وغير فعال، ولا يكسر منطق الريع بل يزيده هشاشة.
وأوضح أن الدعم العمومي، من المحروقات إلى المواد الاستهلاكية الأساسية، تعود بالنفع على الجميع، بما في ذلك الشركات المربحة والتجارة غير المشروعة، دون تحقيق أثر اجتماعي محدد.
وأضاف زهير رويس أن السبب وراء هذه الضغوط الحالية يعود إلى أن الإيرادات النفطية لم تعد تكفي لإخفاء الاختلالات الهيكلية، وأن اللجوء المفرط إلى التمويل الداخلي أو "طباعة النقود" سيكون محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية والسياسية، مثل التضخم، تراجع القدرة الشرائية، انخفاض الاستهلاك والإنتاج، وارتفاع البطالة والتوترات الاجتماعية.
وتابع محدثنا أن ما يُسمى اليوم بـ"الإصلاح التقني" عبر الرقمنة وتحديد الاحتياجات الحقيقية، هو في الواقع التزام محاسبي واستراتيجي أكثر من كونه خياراً أيديولوجياً.
وأوضح رويس أن التأجيل السياسي والاقتصادي لتوجيه الدعم على مر السنوات كان يهدف إلى الحفاظ على نوع من السلام الاجتماعي المؤقت، مشيراً إلى أن التغير الحالي في الخطاب لا يعني أن المسألة أصبحت سهلة، إذ أن الدعم المالي يشكل خطاً أحمر اجتماعياً، وما حدث مؤخراً بشأن أسعار المحروقات دليل واضح على أن الإصلاح لا يمكن أن يكون بلمسات صغيرة وصامتة.
واختتم زهير رويس تصريحه بالقول إن توجيه الدعم المالي يجب أن يكون أداة لتحسين النفقات العامة وضمان دور الدولة التضامني تجاه الفئات المستهدفة، وليس مجرد خفض ميزانية ضخمة بهدف تغطية العجز الناتج عن إدارة غير حكيمة، مؤكداً على ضرورة خطة واضحة، لآليات تعويضية، ونقاش سياسي واسع وشفاف لضمان العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
الكلمات المفتاحية
لقاءات الثلاثية تعود.. قطيعة مع الممارسات السابقة واحتواء لانشغالات الجبهة الاجتماعية؟
قرّرت الحكومة العودة إلى تنظيم اجتماع الثلاثية الذي تلتقي فيه مع ممثلي العمال وأرباب العمل لدراسة مختلف الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بعد انقطاع لسنوات بسبب الأخطاء التي ارتكبت في هذا الاجتماع خلال العقدين الماضيين.
من الجامعة إلى سوق العمل.. هل يكفي التكوين لدخول عالم المقاولات بالجزائر؟
تُواجه المبادرات التي أطلقتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الخاصة بمشاريع المقاولاتية تحديات عديدة، حيث تم التساؤل عن جدوى تحضير أصحاب الشهادات العليا قبل التخرج لدخول عالم المقاولات بشكل ميداني وفعلي.
الجزائر توقع اتفاقات مع عدة دول.. دبلوماسية الطاقة لتعزيز الشراكة الاقتصادية القارية؟
تتحرك الجزائر في السنوات الأخيرة على كل الجبهات لتعزيز علاقاتها مع شركائها الأفارقة، لتدارك ما تم تضييعه خلال العقدين الماضيين، ومواجهة التغيرات التي تشهدها المنطقة والتكيف مع تفاصيلها، خاصة وأن بعضها حاول ويحاول التأثير على الدور الذي يجب أن تلعبه الجزائر قاريا، لذلك بات ظاهرا في المدة الأخيرة أن الدبلوماسية الاقتصادية أصبحت من بين أهم الأدوات التي تستثمر فيها الحكومة للذهاب بالشراكة القارية إلى…
قطارات ليلية لضواحي الجزائر خلال رمضان.. رحلات إضافية إلى غاية الواحدة والنصف صباحًا
أعلنت الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية عن تخصيص برنامج رحلات ليلية عبر خطوط ضواحي العاصمة الجزائر طيلة شهر رمضان، في خطوة تهدف إلى تسهيل تنقل المواطنين بعد الإفطار وخلال السهرات الرمضانية، مع تمديد الخدمة إلى غاية الساعة الواحدة وخمس وثلاثين دقيقة صباحًا.
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مرتقبة عبر عدة ولايات
حذّر الديوان الوطني للأرصاد الجوية من تساقط أمطار معتبرة على عدد من ولايات الوطن، إلى غاية يوم الجمعة، وفق نشرية خاصة صنّفت في مستوى التنبيه البرتقالي.
هل ينتقل حاج موسى إلى الدوري الإنجليزي الممتاز في الميركاتو القادم؟
كشفت تقارير إعلامية أن إدارة نادي "سندرلاند" الإنجليزي، دخلت رسميا سباق التعاقد مع الدولي الجزائري أنيس حاج موسى نجم "فينورد" الهولندي، تحسبًا لفترة الانتقالات الصيفية المقبلة.