بعد القطيعة السياسية.. هل تصل الجزائر والإمارات إلى "الطلاق الاقتصادي"؟
15 سبتمبر 2026
بعد سلسلة من الإنذارات والتحذيرات التي أطلقتها الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، بلغت الأزمة مع الإمارات ذروتها بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 10 سبتمبر/أيلول 2026، على خلفية تصاعد التوتر السياسي بين البلدين. ولم يكن القرار معزولًا عن مسار من الإجراءات السابقة، من بينها وقف اتفاقية الخدمات الجوية، لتدخل العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة جديدة عنوانها القطيعة السياسية والدبلوماسية.
غير أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة توقف جميع الروابط بالسرعة نفسها، إذ تستند الملفات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية إلى عقود وشراكات ومصالح متشابكة
غير أن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة توقف جميع الروابط بالسرعة نفسها، إذ تستند الملفات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية إلى عقود وشراكات ومصالح متشابكة، ما يطرح تساؤلات حول مصير الاستثمارات الإماراتية في الجزائر، والشركات والشراكات القائمة، وحركة الطيران والخدمات المرتبطة بها، ومدى انتقال القطيعة السياسية إلى الجانب الاقتصادي.
وبعد إغلاق الباب الدبلوماسي، تتجه الأنظار إلى الخطوة التالية: هل تمتد القطيعة إلى مزيد من الشراكات والملفات الاقتصادية، أم تظل المصالح التجارية والاستثمارية بمنأى عن التصعيد السياسي؟ وبين الاحتمالين، تملك الجزائر هامشًا واسعًا لإعادة تقييم بعض الشراكات وتنويع شركائها، خصوصًا مع اتساع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وأوروبا وآسيا وإفريقيا.
ما تداعيات العلاقات الاقتصادية؟
لا ترتبط الجزائر اقتصاديا بالإمارات إلى درجة تجعل القطيعة السياسية والدبلوماسية بينهما تضعها أمام خيارات محدودة، فالمبادلات مع أبوظبي تمثل جزءا من شبكة أوسع من العلاقات التجارية والاستثمارية التي تربط الجزائر بالصين وأوروبا وآسيا وإفريقيا وشركاء آخرين، في وقت تتوفر فيه السوق الجزائرية على مقومات وموارد تجعلها في حد ذاتها محل اهتمام المستثمرين.
ويؤكد الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة كيبيك الكندية حمزة جرايمي، في تصريح لـ"الترا جزائر"، أنه ينبغي أولا التمييز بين العلاقات الدبلوماسية والسياسية من جهة، والعلاقات الاقتصادية والتجارية من جهة أخرى.
وأوضح أن "قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني بالضرورة أن التجارة ستختفي غدا"، وأن أي قراءة لتداعيات القرار الاقتصادي يجب أن تنتظر أولا التفاصيل الرسمية بشأن الإجراءات التي قد ترافقه.
ويرى جرايمي أن النقطة الأساسية في قراءة الوضع تتمثل في أن "الجزائر ليست مرتبطة ارتباطا أساسيا بالاقتصاد الإماراتي"، كما أنها ليست في وضعية تبعية اقتصادية لهذا البلد، خلافا لما قد يكون عليه الأمر في حالات أخرى تكون فيها العلاقات الاقتصادية أكثر عمقا وتشابكا.
ويضيف أن الإمارات ليست الشريك التجاري للجزائر، في وقت ترتبط فيه المبادلات الجزائرية بشبكة واسعة من الأسواق والشركاء، تشمل أوروبا والصين وآسيا والولايات المتحدة وإفريقيا.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي أن الجزائر، في حال اتجهت مستقبلا إلى إعادة النظر في بعض العلاقات أو الشراكات الاقتصادية، تملك "جانبا كبيرا للمناورة"، بما يسمح لها بإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث اضطراب واسع في النشاط التجاري، ويشدد على أن الأمر يختلف جذريا بين قرار سياسي بقطع العلاقات وبين قرار اقتصادي يستهدف التجارة أو الاستثمارات، وهو ما يجعل الحكم على الآثار الفعلية سابقا لأوانه ما لم تتضح الإجراءات الرسمية.
جرايمي لـ"التراجزائر": الجزائر ليست مرتبطة ارتباطا أساسيا بالاقتصاد الإماراتي"، كما أنها ليست في وضعية تبعية اقتصادية لهذا البلد
أما بخصوص الاستثمارات الإماراتية في الجزائر، فيشير جرايمي إلى أنها تبقى- حسب تقديره- متواضعة جدا مقارنة بحجم الاقتصاد الجزائري والإمكانات التي توفرها السوق الوطنية، لافتا إلى أن الاستثمارات الإماراتية شهدت أيضا تقلصا في الفترة الأخيرة، ويرى أن المستثمر الإماراتي، في المقابل، قد يخسر فرصة الاستفادة من سوق جزائرية واسعة تتمتع بمقومات مهمة، باعتبار الجزائر أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة، وتمتلك موارد طاقوية وطبيعية معتبرة، إلى جانب اقتصاد يتجه تدريجيا نحو تعزيز التصنيع ورفع قدرات الإنتاج المحلي، وطموح متزايد للاندماج في الأسواق الإفريقية.
ويستحضر الخبير في هذا الإطار نموذج الشركات التي تنشط في تسيير بعض المنشآت، ومنها شركة موانئ دبي العالمية، موضحا أن "الميناء جزائري والبنية جزائرية"، وبالتالي فإن تقييم أو تغيير طبيعة بعض الشراكات، إذا تقرر ذلك، لا يعني أن المنشآت أو الأصول الاقتصادية ستختفي، وإنما يمكن، من حيث المبدأ، أن يفتح المجال أمام إعادة تقييم الشراكات والبحث عن متعاملين آخرين، سواء من شركاء دوليين أو حتى وطنيين، وفق ما تقتضيه المصلحة الاقتصادية.
ويؤكد جرايمي أن مثل هذه الخطوة، إن حدثت، ينبغي أن تتم بعد تقييم اقتصادي دقيق لكل شراكة، بما يسمح للجزائر باختيار النموذج والشريك الأكثر ملاءمة لمصالحها، ويشير إلى أن الجزائر أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية وتعزيز سياسة تنويع الشركاء، خاصة في ظل تعدد الجهات التي تبدي اهتماما بالسوق الجزائرية.
وفي قطاع الطيران، يلفت الخبير إلى أن الجزائر كانت قد أوقفت في وقت سابق اتفاقية الطيران مع الإمارات، معتبرا أن هذا القطاع أيضا لا يجعل الجزائر في وضعية تبعية، بالنظر إلى توفر بدائل متعددة يمكن اللجوء إليها، سواء عبر توسيع التعاون مع شركات وأسواق آسيوية، وفي مقدمتها الصين، أو تعزيز العلاقات مع الشركاء الأوروبيين وغيرهم.
ويوضح جرايمي إلى أن قوة الجزائر التفاوضية تكمن في مقومات سوقها وإمكاناتها، قائلا: "عندما تكون لك إمكانيات ومساحة، فأنت لا تبحث عن المستثمر، وإنما المستثمر هو الذي يبحث عنك"، ومن هذا المنظور، فإن التطورات السياسية الحالية، وبعيدا عن استباق القرارات الاقتصادية الرسمية، قد تمنح الجزائر فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها، وتقييم شراكاتها على أساس الجدوى والمصلحة الوطنية، وتعزيز تنوع شركائها الاقتصاديين بما يخدم توجهها نحو التصنيع والانفتاح أكثر على إفريقيا والأسواق الدولية.
قطع العلاقات مع الإمارات.. هل يتأثر اقتصاد الجزائر؟
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات لن تكون له تأثيرات اقتصادية على الجزائر، بالنظر إلى محدودية حجم التعاملات التجارية، سواء من حيث التصدير أو الاستيراد، مقارنة بالشركاء التجاريين الرئيسيين للجزائر.
وأوضح الحيدوسي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن الاقتصاد الجزائري لا يعتمد على السوق الإماراتية في تجارته الخارجية، حيث تتجه نسبة مهمة من الصادرات الجزائرية نحو إيطاليا ودول أوروبية أخرى، في حين تعتمد الجزائر في مجال الاستيراد على أسواق متنوعة، في مقدمتها الصين وأوروبا وتركيا وإسبانيا، وهو ما يعكس تنوع الشركاء التجاريين وقدرة الجزائر على مواصلة مبادلاتها الخارجية دون ارتباط كبير بالسوق الإماراتية.
الحيدوسي لـ"التراجزائر": قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات لن تكون له تأثيرات اقتصادية على الجزائر، بالنظر إلى محدودية حجم التعاملات التجارية
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هناك بعض السلع التي تصل إلى الجزائر عبر هذه الدولة، غير أن حجمها لا يمثل، حسب تقديره، نسبة يمكن أن تؤثر بشكل جوهري على التجارة الخارجية أو الاقتصاد الجزائري ككل، مشيرا إلى أن جزءا من هذه السلع يدخل عبر المنطقة الحرة بميناء جبل علي.
وفي هذا الإطار، أوضح الحيدوسي أن السلع التي تصل عبر المنطقة الحرة بميناء جبل علي هي في الأساس سلع قادمة من جنوب شرق آسيا، وبالتالي فإن وصولها إلى الجزائر لا يرتبط حصرا بالإمارات، باعتبار أن هذه المنتجات متوفرة في مختلف الأسواق الدولية، ويمكن للجزائر الحصول عليها من أسواق ومصادر أخرى، وهو ما يجعل إمكانية تعويضها متاحة.
وبخصوص العقود الاقتصادية المبرمة في وقت سابق أكد الخبير الاقتصادي أن هذه العقود تتمتع بصبغة قانونية وتحتفظ بما يترتب عنها من حقوق والتزامات، وفي المقابل، توقع الحيدوسي أن يعرف حجم التبادل التجاري السنوي بين الجزائر والإمارات تغييرا، بالنظر إلى تداعيات قرار قطع العلاقات، غير أنه شدد على أن ذلك لن تكون له انعكاسات على الاقتصاد الجزائري، بالنظر إلى محدودية حجم المبادلات من جهة، وتنوع الشركاء والأسواق التي تتعامل معها الجزائر من جهة أخرى، فضلا عن توفر بدائل دولية للسلع التي كانت تدخل عبر هذه السوق.
وبحسب الخبير، فإن تركيبة التجارة الخارجية الجزائرية وتعدد وجهاتها ومصادرها تجعل الاقتصاد الوطني أكثر قدرة على التعامل مع هذا النوع من المتغيرات، خاصة أن الإمارات لا تمثل شريكا تجاريا رئيسيا للجزائر، سواء في مجال التصدير أو الاستيراد.
الكلمات المفتاحية
حوار | وفرة وغلاء في الأسعار.. خليل بن عبيد يشرح لـ"الترا جزائر" اختلال سوق الخضر والفواكه
وللوقوف على حقيقة ما يجري، يقدّم القيادي والأمين العام في حزب جيل جديد أستاذ خليل بن عبيد، في حوار لـ «الترا جزائر»، قراءته لأسباب ارتفاع الأسعار ومسبباتها، موضحًا أين تبدأ الأزمة، ومن يتحمل مسؤوليتها، وما الذي يمكن فعله لإعادة التوازن إلى السوق.
أكبر مستوردي النفط الجزائري في 2026.. من يتصدر القائمة؟
تصدرت إسبانيا قائمة أكبر الدول المستوردة للنفط الخام الجزائري المنقول بحرًا خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بمتوسط 64 ألف برميل يوميًا، فيما قفزت كوريا الجنوبية إلى المركز الثاني بعد ارتفاع وارداتها من الخام الجزائري بنسبة 77 بالمائة على أساس سنوي.
مشروع قانون المالية 2027 في 11 نقطة.. تفاصيل الأجور والتوظيف ومشاريع السكن
يقترح مشروع قانون المالية تعديل نظام الضريبة على الثروة، من خلال خفض عتبة الخضوع لها من 100 مليون دينار إلى 80 مليون دينار، إلى جانب مراجعة السلم التدريجي للضريبة.
الجزائر.. أمطار رعدية ورياح تصل إلى 50 كلم/سا بهذه المناطق
تُرتقب أجواء غائمة مع تساقط أمطار على شكل زخات رعدية بعدد من المناطق الداخلية والهضاب العليا، تكون معتبرة بالهضاب العليا الغربية، فيما يُنتظر تسجيل تشكّل خلايا رعدية مصحوبة بأمطار في عدة مناطق جنوبية، حسب توقعات الحالة الجوية.
حرائق جيجل.. 40 مليون سنتيم لكل عائلة لاستئجار مسكن مؤقت
تستفيد العائلات المتضررة من حرائق جيجل، التي صُنفت سكناتها ضمن الخانة الحمراء، من إعانة مالية بقيمة 40 مليون سنتيم لكل عائلة، للمساعدة على استئجار مسكن مؤقت إلى غاية إعادة بناء منازلها، بالتزامن مع إبرام اتفاقية لتمويل إعادة بناء 627 سكنًا متضررًا.
محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟
في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.
أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي
تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.