بعد المعقمّات الكحولية.. المخابر الجزائرية تدخل الحجر

بعد المعقمّات الكحولية.. المخابر الجزائرية تدخل الحجر

ميزانية البحث العلمي لا تتجاوز نسبة 1% من الموازنة السنوية (تصوير: بلال بن سالم/Getty)

لا تتجاز ميزانية البحث العلمي نسبة 1% من الموازنة السنوية للدولة الجزائرية، إذ تُعتبر موازنةً ضئيلةً أقلّ بكثير من موازنة نادي كرة قدم، وتعطي مؤشّرًا مهمًا بأن البحث العلمي ليس ضمن أجندة الأولويات في السياسات الحكومية، خاصّة في المنظومة السابقة، وغياب استشراف للمستقبل، ويفسر ذلك بوضوح غياب أيّ أثرٍ لمخرجات الابتكار والإبداع العلمي والاختراعات في بلد يعد في خريطته البحثية 140 جامعة و40 مركز بحث، إذ أنّ الجزائر ضمن أكثر الدول استيرادًا للأدوية والوسائل والأغراض التكنولوجية البسيطة.

انتقلت كل الدول من معارك الساسة والسياسة إلى معركة العلم والخبراء بسبب فيروس كورونا

قبل نهاية سنة 2019، بدأت الأخبار تتحدث عن فيروس قاتل، وبدأ العلماء يتدارسون جزيئاته وأسبابه وآثاره، وقتها كان العالم يحتفل بنهاية سنة وبداية أخرى جديدة، وقتها كانت المخابر العالمية تنتصر للبحث وتتحرّك في سلسلة من الإبتكارات التي لا تتوقف، لكن في غمرة السياسة والحروب والمفاوضات، كان للعلم النصيب الأقل من الاهتمام، لأن السياسة كانت دومًا الصورة المستحوذة على مجمل الأخبار والمشاهد المهمّة في واجهة الإعلام.

اقرأ/ي أيضًا: الجامعة الجزائرية تفقد المزيد من النقاط.. الأكاديميون في خانة الاتهام

معارك العلم

في الجزائر بدأ العام الجديد بالكثير من القلق، بعد عام من الحراك الشعبي والتغيير السياسي، محملًا بجرعة من الأماني وكمٍّ هائل من الوعود، في وقت كانت فيه العدوى تنتقل بشكل بطيء ثم سريع ثم أسرع، رجع معها الاهتمام بالعلم والبحث العلمي والاختراعات.

في غمرة الجائحة، انتقلت كل الدول من معارك الساسة والسياسة إلى معركة العلم والخبراء، إذ أعادت جائحة كورونا ترتيب هيبة الطبيب وكانته الاجتماعية خصوصًا في الجزائر، وصولًا إلى إقرار عقوبات مشدّدة ضدّ كل من يعتدي على الأطباء لفظيًا أو جسديًا.

إلى وقت قريب ظلّ البحث العلمي في الجزائر في أسفل الأولويات، ليتحول مع أزمة "كورونا" إلى صدارة الاهتمامات، إذ كشفت الأزمة الصحيّة "العطب الأساسي للمجتمعات التابعة أو المتخلفة"، مثلما قال الأستاذ في الاقتصاد السياسي  محمد الهادي سعداوي، لـ "الترا جزائر" لافتًا إلى أن هنا عوامل عدة "جعلت منّا في منظور الدول التابعة التي تنتظر ما ينتج الآخر"، موضحًا "هناك ضعف في استغلال مقدرات الذكاء المحلي واستغلال المقدرة العلمية في صناعة المعرفة".

إضافة إلى ذلك، تحدث الأستاذ سعداوي عن "الإخفاق في الإحاطة بالمبادرات الفردية"، إذ وببساطة شديدة "لا يُمكن للفرد أن يصنع دواءً بمفرده، بل يحتاج إلى مخابر متيقّضة دومًا".

خلال الأشهر الأخيرة، برزت مبادرات علمية من طرف مجموعة من الطلبة الجامعيين، استحسنها الجميع، نحو تجهيز ممرّات للتعقيم  لفائدة مؤسسات استشفائية وغيرها، تبقى مبادرات تستحق التشجيع، يقول الأستاذ سعداوي، إضافة إلى ربط المستشفيات بأرضية رقمية وغيرها من المبادرات التي كشفت لنا مع مرور الوقت مدى إهمالنا للمبادرات والأفكار التي بقيت حبيسة المخابر والورق وجدران الجامعات فقط.

واقع البحث مرّ

علميًا دائمًا، كثيرة هي الكوادر الجزائرية التي غرّدت بصوت فريد، وليس جماعة، حول أملها في المشاركة الجزائرية بمخابرها البيولوجية والبيوتكنولوجية في الجهود الدولية لاكتشاف أو تطوير لقاح لوباء كورونا، حيث عبر البروفيسور المختصّ في القانون عبد الحفيظ ميلاط عن أمله في ذلك، متأسفًا عن حقيقة مرّة، أن "مخابرنا تم إخلاؤها وسكنتها العناكب عوض الباحثين، حتى معهد باستور بفروعه المنتشرة في الكثير من ولايات الوطن اكتفى بدور تحليل (بي سي أر)، التي يمكن لأي مركز تحليل القيام به، دون أن تكون له أي مبادرة لتشكيل فريق بحث علمي للبحث عن لقاح للوباء"، حسب تعبيره.

ونشر الأستاذ ميلاط في تدوينة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه في كل دول العالم التحق العلماء والبيولوجيون بمخابرهم التي تحوّلت لخلايا نحل تعمل ليل نهار على أبحاث للتعرف على الفيروس، وعلى اكتشاف أمصال ولقاحات للتصدّي له".

وتساءل الأستاذ ميلاط، حول جدوى مئات مخابر البحث العلمي ومراكز البحث العلمي، وفائدة آلاف الباحثين المتخصّصين إن لم تجدهم البلاد في مثل هذه الظروف؟".

يجيب البعض على هذه الإشكالية، بأطروحات واقعية، مثلما تحدّث الدكتور في البيولوجيا من جامعة قسنطينة، عبد المجيد حريتي لـ "الترا جزائر"، قائلًا، إن المخابر الجزائرية لا تمتلك القدرة المالية والمادية والعلمية لإنتاج اللقاح، معلّلا ذلك أن "الأمر يتطلّب استثمارات كبيرة تتجاوز ملايين الدولارات، والمخابر الجزائرية ليست لها هذه القدرة".

وشدّد الباحث حريتي، إلى أن الأزمة الحالية، أعطت بعض الدفع نحو الانتباه إلى ضرورة رفع ميزانية البحث العلمي في مجالات وتخصّصات عدة، لافتًا في ذلك إلى أن "الجامعات الجزائرية أنتجت محاليل ومساهمات علمية بسيطة لكنها بعيدة عن مسارات إنتاج اللقاحات تمامًا".

لا فرق بين العلوم

في خضمّ أزمة وباء كورونا، آلاف التقارير اليومية، تناولت هذا الضيف غير المرغوب فيه، من شتّى الجوانب، صحيًا، واجتماعيًا واقتصاديًا وعلميًا وسياسيًا وتجاريًا أيضًا.

يعتبر الكثيرون أن الأزمة الصحّية، دفعت بعض البلدان إلى التوجه نحو الاهتمام بـ "اللا متوقع"، ليس درءًا للمخاطر فحسب، وإنمًا لاستغلال الفرص المرافقة لهذا اللامتوقع، بإعادة اكتشاف ذاتها وتقييم وجودها، وتثمين البحث العلمي من خلال دفق ملايير الدولارات في شرايين المخابر والمراكز العلمية والاستشرافية، في سباق محموم نحو ابتكار لقاح للفيروس القاتل، الذي سيحقق حتمًا، موردا ماليًا هائلًا في حالة نجاحه، و سيمنع الارتهان إلى الابتزاز والمقايضة التي ستفرضها الدول الأخرى المنتجة للقاح بتركيبة مختلفة، خلال هذا السباق.

اجتماعيًا، انهمك الكثير من الباحثين  بمختلف تخصّصاتهم العلمية والإنسانية، على ملاحقة ورصد وقراءة التغيرات المستقبلية المصاحبة لمشهد  ما بعد الجائحة، والتقاط إشارات علمية صادقة، عن الوجه الذي سيكون عليه العالم، اقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا وتقنيًا وفلسفيًا، و البحث عن الحلول المثلى والاستراتيجيات الفعالة لمواجهة هذه التغيرات المحتملة و التأقلم معها، تأثيرًا وتأثرًا، في سعي حثيث نحو إعادة التموضع عالميًا وفرض الوجود مستقبلًا.

في النسيج الأكاديمي الجزائري، لم يكن للجائحة أي وقع يذكر، بشقيه العلمي والإنساني، حيث قال الباحث في علوم الإعلام الأستاذ عبد العالي زواغي أن "الزخم العالمي غير المسبوق، لم يكن قوّة دافعة لتحريك واستنهاض العقول من أجل الانخراط في المجرى التاريخي الذي بدأ ينحفر بعمق، و يولي أهميّة كبيرة للمنجز العلمي والطبّي، واستشهد المتحدّث في تصريح لـ "الترا جزائر"، بغياب شبه كلي لمراكز البحوث الطبية والعلمية، "التي لم تكلف نفسها عناء الإنهمام بمحاولة البحث عن لقاح للفيروس أو إجراء دراسات جادة لفهم سلوكه الباثولوجي وطبيعته وتركيبته الجينية".

باستثناء بعض المبادرات التي قام بها عدد قليل جدًا من الجامعات، بتصنيع المطهرات الكحولية وبعض الواقيات الطبية، يرى الباحث زواغي، أن "النخبة الأكاديمية انكمشت ودخلت في حجر علمي يتماهى تمامًا مع الحجر المنزلي الذي خضع له الجزائريون"، إذ  لم يكن لـ "الأكاديميا الجزائرية أي جهد يُذكر في احتواء الجائحة معرفيًا، والرمي بثقلها في تحليل الظاهرة واستجلاء أبعادها وانعكاساتها". وبذلك تساوى خلال فترة الجائحة، الباحث والمواطن العادي في طريقة التعاطي مع الظرف الصحّي، خصوصًا على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي.

إعادة سلّم الأولويات

مع الأزمة الصحية، اتضحت معها أزمات أخرى، من بينها أزمة الأكاديميا الجزائرية التي برأي العارفين بخبايا الجامعة الجزائرية، عبارة عن أزمة متعددة الرؤوس، ومركّبة لأنها "نِتاج سياقات مختلفة و تفاعلات سياسية، وسوسيولوجية واقتصادية وتاريخية مصطنعة، جعلتها تفقد بريقها وإشعاعها العلمي والحضاري"، حيث تحوّلت بفعل هذه الكيمياء، من عنصر مولِّد للتغيير الإيجابي على جميع المستويات، وصانع حقيقي للإنسان الواعي المستنير المُساهم في نشر المعرفة وتحقيق المنجز العلمي، وارتقاء الذوق والفهم العميق للمشكلات، إلى مجرّد آلة تصنّع متخرجين جامعيين سنويًا بعشرات البحوث في المكتبات الجامعية وبمختلف الشهادات، وغياب صارخ للإضافة العلمية والمعرفية.

كريمة نواصرية:  الوباء كشف بوضوح بالغ منظومات الحكم في الدول التابعة والنامية

أزمة الوباء المستمرة، أشاحت الغطاء عن حاجة المجتمعات الماسة إلى "مسألة التنظّم"، فالدول التي تحترم القانون هي من ستفوز بحماية شعوبها، اقتصاديًا واجتماعيًا، عكس ما حدث في الجزائر مثلًا، حيث طغت مظاهر الإهمال واللامبالاة بإتباع أساليب الوقاية فضلا عن تجاوز للقانون"، واكتشفنا مع كورونا تضيف الباحثة في اتصال الأزمات كريمة نواصرية لـ "الترا جزائر"، أن الوباء كشف بوضوح بالغ منظومات الحكم في الدول التابعة والنامية، وهي "منظومات حكم فاشلة عاجزة عن التدبير وضعيفة القدرة على التحكم في أوضاع طارئة وأظهرت فقرًا في إبداع الحلول".

 

اقرأ/ي أيضًا:

النقاط السوداء في الجامعة الجزائرية

مسابقات التوظيف في الجامعة الجزائرية.. جدل حول نظامي الـ "أل.أم.دي" والكلاسيكي