بعد عام من أوّل إصابة بكورونا.. تفاؤلٌ وحذرٌ في الجزائر

بعد عام من أوّل إصابة بكورونا.. تفاؤلٌ وحذرٌ في الجزائر

معهد باستور أعلن عن تسجيل إصابات بفيروس كورونا المتحوّر (الصورة: سبق برس)

بعد مرور سنة على تسجيل أوّل حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد  في الجزائر، تقف الجزائر أمام تحدٍّ جديد يتمثّل في حماية البلد من دخول السلالة المتحوّرة لكورونا، وسط تساؤلات حول قدرتها في الاستفادة من تجربة عامٍ كامل في مواجه الجائحة بسلبياتها وإيجابياتها.

ضاعفت جائحة كورونا من الوضع الاقتصادي المتأزم للجزائر بسبب تهاوي أسعار النفط

ومع تسجيل عدد إصابات أقل بفيروس كورونا في الأسابيع الماضية، يأمل الجزائريون أن يكون هذا المؤشر بداية لجعل عام من المعاناة صحيًا واقتصاديًا واجتماعيُا من الماضي، وذلك بتفادي انتقال السلالة المتحوّرة للفيروس إلى بلادهم.

اقرأ/ي أيضًا: لأوّل مرّة منذ شهرين.. إصابات كورونا تنزل تحت سقف الـ 400 حالة

 

حرب إجبارية

الجزائر كباقي دول العالم دخلت في مواجهة عدّوٍ غير مرغوب فيه، بالنظر إلى أنها لم تعد العدّة لمواجهته، ففي 25 شباط/فيفري 2020، أعلنت السلطات رسميًا تسجيل أول حالة إصابة بـ"كوفيد-19" تعود لرعية إيطالي يعمل بحقل حاسي مسعود النفطي، إلا أن ذلك لم يدفع بالسلطات إلى غلق الحدود، وهو ما ساهم في بدء تفشيه وسط الجزائريين، لتكون ولاية البليدة أول بؤرة له في 26 شباط/فيفري بعد تسجيل حالات مؤكدة لـ 16 شخصًا من عائلة واحدة بالبليدة أصيبوا خلال وليمة عائلية، بعد أن انتقلت إليهم العدوى من قريب قادم من فرنسا حضر هذا الحفل العائلي.

بعدها حاولت السلطات استدراك الوضع، ففي الـ 12 من شهر آذار/مارس أعلنت وقف الدراسة في جميع المدارس، وفي الـ 19 آذار/مارس أعلنت السلطات إغلاق الحدود وتطبيق حجر جزئي بإغلاق المقاهي والمطاعم، وتعليق كل وسائل النقل العام والخاص داخل المدن وبين الولايات، وكذلك حركة السكك الحديد.

وفي الـ 26 آذار/مارس أعلنت الحكومة الحجر الكلي على ولاية البليدة التي لم يرفع عنها حتى 24 نيسان/أفريل من العام الماضي عشية شهر رمضان.

ورغم اعتمادها رسميًا على المقاربة العلمية في مواجهة الوباء بتشكيل لجنة علمية تتكون من خبراء مشهود لبعضهم بالتفوق في مجال الطب وطنيا ودوليًا، إلا أن حجم الإصابات كان في بعض الأحيان أقوى من كل الإجراءات المتخذة، فقد اكتظت المستشفيات بالمرضى، وعجزت الطواقم الطبية رغم تجندها نهارًا وليليا في احتواء الوباء.

ووسط هذا الفزع ازدادت احتجاجات مهنيي قطاع الصحّة وازداد معها غضب المواطنين عليهم مثل ما حدث في قسنطينة والمسيلة وبسكرة وغيرها، ما جعل الرئيس تبون يعلن سن قانون يُجرّم الاعتداء على مهنيي الصحة.

وخلال عام كامل، نقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صورًا صادمة لمعاناة المصابين في المستشفيات، وللظروف المتدنّية التي تعمل بها الأطقم الصحية، كما نقلت أيضا صورًا للفرحة ولانتصار الأطباء في عدة مستشفيات على الوباء، إضافة إلى صور التضامن التي شهدتها مختلف ولايات البلاد.

انعكاسات اقتصادية

ضاعفت جائحة كورونا من الوضع الاقتصادي المتأزم للجزائر بسبب تهاوي أسعار النفط خلال السنوات الماضية وغياب رؤية ناجعة لبعث اقتصاد البلاد، فعادت إلى البلاد صورا من مشاهد التسعينات، بسبب الندرة المفتعلة في مادة السميد وبعض المواد الغذائية جراء نقص الرقابة اللازمة من وزارة التجارة والطلب المتزايد للمواطنين بسبب الخوف من حدوث أزمة تموين.

وكان لإجراءات الغلق المحلية والدولية تأثير مباشر على العديد من الفئات العمالية، خاصّة العمال اليوميين وأصحاب المهن، فقد تأثر أصحاب المطاعم والمقاهي والناقلون وأصحاب سيارات الأجرة والفنادق بسبب توقيف نشاطهم لعدة أشهر، خاصّة وأن التعويضات التي قدمتها الحكومة لم تكن كافية وأقل من حجم الأضرار القياسية، التي جعلت بعض العمال يدخلون خانة الفقراء بعد التحاقهم بسلك البطالين وفقدهم لمصدر رزقهم.

وتكبّدت المؤسّسات العمومية خاصة في قطاع النقل، كشركتي الطيران الجوية الجزائرية والطاسلي ومؤسسة النقل بالسكك الحديدية والنقل البحري وغيرها خسائر بملايير الدينارات، سيستدعي تعويضها اللجوء ككل مرة إلى الخزينة العمومية، وهذا دون نسيان تأخر مؤسسات أخرى كسونلغاز والجزائرية للمياه من حصول مستحقاتها الموجودة لدى مؤسسات مفلسة أو لدى مواطنين منعتهم تدابير الوقاية من تسوية فواتيرهم.

ورصدت الجزائر كميزانية أولية 3.7 ملايير دينار لمواجهة فيروس كورونا، خاصّة وأن أغلب التجهيزات كانت في بداية الوباء تُقتنى من الخارج، غير أن ندرتها في الخارج وزيادة الطلب عليها داخليًا بعث تصنيعها محليا رغم قلتها سواءً ما تعلق بالكمامات والمعقمات وبعض أجهزة التنفس والكواشف، واللقاح المضاد للوباء الذي وعدت الحكومة بتصنيع النوعية الروسية "سبوتنيك V" بالجزائر بعد نحو سبعة أشهر من الآن.

ورغم ما يقال حول الاقتصاد الجزائري، إلا أن الوضع الذي وضعت فيه أزمة كورونا الحكومة جعلتها تتخذ إجراءات اقتصادية كان من غير الممكن اعتمادها في ظرف آخر حتى ولو كانت لصالح البلاد، كوقف استيراد بعض المواد الممكن إنتاجها محليا كالوقود على سبيل المثال، وتشجيع الإنتاج الفلاحي المحلي الذي بلغ ناتجه لأول مرة 25 مليار دولار،  حسب أرقام الحكومة التي أعلنت توجهها لتشجيع الزراعة الصناعية في عدة ولايات.

تفاؤل وحذر

بالنظر إلى حجم الإصابات اليومي الذي أصبح تحت معدل 200 إصابة مؤكدة يومية بالفيروس، يمكن القول إن الجزائر نجحت في مواجهة الوباء رغم التراخي الحكومي في تطبيق التدابير التي قد تخضع أحيانا لخلفيات سياسية لا علمية وكذا عدم التزام المواطنينة بتطبيق إجراءات الوقاية كارتداء القناع الواقي.

وقال البروفسور كمال جنوحات المختص في علم المناعة ورئيس مصلحة المخبرالبيولوجي بالمؤسسة الاستشفائية العمومية لرويبة شرق العاصمة لوكالة الأنباء الجزائرية إن "الجزائر تحكمت نوعا ما في تسيير الأزمة مقارنة ببعض الدول التي سجلت أرقاما مذهلة للحالات والوفيات".

 ودعا جنوحات الحكومة إلى اتخاذ الجائحة من حيث تسيير جوانبها السلبية بـ"الدرس" الذي يجب التحضير أكثر مستقبلا لمواجهة أزمات مشابهة له، بتوفير المزيد من أسباب الحماية سواء من حيث عدد الأسرّة أوالانعاش وما رافقهما من وسائل بشرية.

ويقول رئيس وحدة كوفيد-19 بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية مصطفى باشا البروفسور كمال حايلو إنه بالرغم من تحسن الوضعية الوبائية نتيجة انخفاض حالات الإصابات بالفيروس والوفيات الناجمة عنه، فإن الحذر واليقظة مطلوبين لتفادي العودة الى الحالة المزرية السابقة.

وببدء عملية التلقيح في كانون الأول جانفي الماضي، ورغم قلة الجرعات التي حصلت عليها الجزائر حتى اليوم، يأمل الأطباء أن تستطيع الجزائر تخطّي هذه الأزمة قريبًا، لكن بالتحذير من التراخي في التزام إجراءات الوقاية، وبالخصوص بعد ظهور سلالات متحورة لـ "كوفيد-19".

ويظهر حتّى اليوم أن الحكومة قد استوعبت بعض الدروس من أخطاء الماضي، بإبقائها لغلق الحدود رغم امتعاض العديد من المواطنين من هذا القرار، ووقفها للرحلات نحو الخارج بعد ظهور إصابات بالسلالات المتحوّرة لكورنا في عدة دول، وهو ما تجسد في منع إقامة مباراة شباب بلوزداد بصان داونز من جنوب إفريقيا المندرجة ضمن دوري أبطال إفريقيا بالجزائر.

 الأرقام المسجلة بالجزائر تبقى أقلّ بكثير من المسجلة في عدة دول تفوقنا بسنوات في الخدمات الصحية

وحتى وإن كانت الأرقام المسجلة بالجزائر تبقى أقلّ بكثير من تلك المسجلة في عدة دول تفوقنا بسنوات في الخدمات الصحية والعلمية، إلا أن فقدان 2970 شخص بسبب الوباء يبقى عددًا كبيرًا بالنظر إلى الأثر النفسي والاجتماعي الذي تسبب فيه فقده على المقربين من المتوفين سواءً كانوا أقارب او أصدقاء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لقاح كورونا يصل الجزائر في الثلاثي الأوّل من 2021

بن بوزيد: الجزائر في مفاوضات متقدّمة لاقتناء لقاح كورونا