بقّار حدّة.. صوتُ الأوراس الرّيفيّ الّذي انطفأ وحيدًا
15 نوفمبر 2025
يُعتبر الشّرق الجزائريّ من أكثر المناطق الّتي حافظت على ثَرائِها الشّفويّ وتنوّعها الغنائيّ، حيثُ ظلّت جبال الأوراس ومناطق الهضاب العُليا فضاءً يلتقي فيه الموروث الأمازيغيّ بالتّأثير العربيّ، ليعبّر فيه الإنسان عن تجربته اليومية بالصّوت والإيقاع. كما شكّل الغناء التّراثيّ هناك امتدادًا للحياة الرّيفية، فتغذّى من يومياتِ النّاس ومواسمهم، وجسّد علاقتهم بالأرض والذّاكرة، حيث اعتُبِرَ الغناءُ سلوكًا اجتماعيًا جماعيًا حفظ التّقاليد ووثّق العواطف والأحداث بعيدًا عن التّدوين والكتابة.
مع مرور الأعوام، أصبح صوت بقّار حدّة حاضرًا في الاحتفالات القروية، إذ تميّز بحِدّةٍ دافئةٍ عبّرت عن الطّبيعة الجبلية الّتي نشأت فيها. وقد أدّت الأغاني باللّهجة الأوراسية الّتي مزجت العربية بالأمازيغية، لتحافظ بذلك على تنوّعها اللّغويّ والثّقافيّ
في هذا السّياق، بَرزت أصواتٌ نسائيةٌ استطاعت التّعبير بعُمقٍ بالغٍ عن حساسية المكان وطبيعته، أبرزها صوت الفنّانة الجزائرية بقّار حدّة، ذات الصّوتِ المُحمَّل بالنّبرات الصّادقة والفريدة، حيث عبّرت من خلال رصيدها الغِنائيّ عن الحياة اليومية في الأوراس، وعن المشاعر، وكذا الجوانب الإنسانية للمرأة الرّيفية وهواجسها.
من هنا، عكس أداؤها الكثير من الصّلابة والحنين في آن واحد، كما جسّد مثالًا حيًّا على كيفية خلق التّراث الموسيقيّ للمنطقة من خلال صوتها المميّز، ليشهد على اتّحاد قويّ جمع بين الغناء، التّمسك بالأرض والافصاح عن المشاعر، والتّأريخ الثّقافي والاجتماعيّ لأحوال المرأة داخل بيئتها الصّعبة.
ولادة صوتِ بقّار حدة الشّجيّ
وُلدت بقّار حدّة المدعوة لدى محبّيها ب"الخنشة" خلال سنة 1920 في منطقة تيڤّاش القريبة من سوق أهراس، وهي من عرش بني بلبار، حيث نشأت داخل فضاءٍ جبليٍّ ريفيٍّ تقاطعت فيه العادات والتّأثيرات الثّقافية، في بيئةٍ بسيطةٍ تعتمد بالأساس على الزّراعة والأعمال الجماعية الشّاقة.
هناك، احتلّ الصّوت مكانةً أساسيةً في الحياة اليومية، بدايةً من أهازيج الحصاد إلى أغاني الأعراس والمواسم، وفي هذا المناخ، انبثقت موهبتها منذ الصّغر، حيثُ كانت تُنصت إلى النّساء وهنّ يردّدن الأغاني الشّعبية، لتستعيدها بطريقتها الخاصّة، متأثرةً بإيقاع البندير وشجن القصبة.
مع مرور الأعوام، أصبح صوت بقّار حدّة حاضرًا في الاحتفالات القروية، إذ تميّز بحِدّةٍ دافئةٍ عبّرت عن الطّبيعة الجبلية الّتي نشأت فيها. وقد أدّت الأغاني باللّهجة الأوراسية الّتي مزجت العربية بالأمازيغية، لتحافظ بذلك على تنوّعها اللّغويّ والثّقافيّ.

خلال ذلك، اتّسع صيتها تدريجيًّا لتغدو من أبرز الأصوات النّسائية في الشّرق الجزائريّ خلال مُنتصف القرن العشرين، وقد استطاعت أن تحوّل الغناء إلى مجالٍ للتّعبير الشّخصيّ والاجتماعيّ، حيث أَنصت فيه النّاس إلى تجربة المرأة وهمومها اليومية، وإلى تفاصيل ذاكرة البيئة الّتي أتت منها.
تحدّيات البيئة والمجتمع
نشأت حدّة في زمنٍ كانت فيه كلمة المرأةِ مُحاصرة، والأنوثة خاضعة لقيودٍ اجتماعيةٍ صارمة. لكنّها من دون إعلانٍ أو قصدٍ أيديولوجيّ منها، فتحت بصوتها أُفقًا جديدًا للمرأة الرّيفيّة، فكان غناؤها سُلوكًا فنيًا خالصًا، ونوعًا من محاولة البقاء ضدّ تغييب المرأة وحشرها في زوايا ضيقة.
تمّ تزويجها في سنّ مبكرة، حيث عاشت وهي في سنّ الثانية عشرة مع رجل أكبر منها بكثير، في خطوةٍ عكست واقعًا اجتماعيًّا تقليديًّا تُقيّد فيه حرّيّة المرأة مبكرًا.
مع مرور الوقت، لم تستطع حدّة الانسجام مع هذا الزّواج، حيث اتّخذت قرارًا نادرًا في ذلك الزّمن، وغادرت بيت الزّوجية لتختار الغناء والعمل الفنّي علنًا، في مجتمعٍ لم يكن يتقبّل استقلالية المرأة. وفي بداية العشرينات من عمرها، التقت بالعازف ابراهيم بن دبّاش الّذي أصبح شريكها الفنّي والحياتيّ، وكان هذا اللّقاء بمثابة نقطة تحوّل لقدرتها على الاشتغال بالأغاني الاحتفالية والمناسبات، وحضورها العام أيضًا.
لكن رغم الشّهرة الّتي بدأت تتنامى، تأرجحت حياتها بين النّجاح الفنّي والمُعاناة الشّخصية، حيث عاشت تجربةً مريرةً مع العقم، ومرّت مع بطلاقين مُتتاليين، ما ألحق بها أعباءً نفسية واجتماعية إضافية في مجتمعٍ يُقيّم المرأة غالبًا كأمّ أو زوجة، ويحتقرها وحيدةً.
نشأت حدّة في زمنٍ كانت فيه كلمة المرأةِ مُحاصرة، والأنوثة خاضعة لقيودٍ اجتماعيةٍ صارمة. لكنّها من دون إعلانٍ أو قصدٍ أيديولوجيّ منها، فتحت بصوتها أُفقًا جديدًا للمرأة الرّيفيّة، فكان غناؤها سُلوكًا فنيًا خالصًا، ونوعًا من محاولة البقاء ضدّ تغييب المرأة وحشرها في زوايا ضيقة.
تحمّلت حدّة في تجسيدها للصّوت الشّعبي تبعات اختيارها الّذي تمثّل في التنقّل الدّائم وغياب الاستقرار، وانتقادات المجتمع وضغط الأعراف، لكنّها رغم كلّ ذلك، غدت مثالًا للمرأة الّتي احتملت كلّ شيء، وبقيت تصدح بصوتها الفريد رغم كلّ الصعاب، ورغم المجتمع الّذي اعتبر الغناء مصدر عارٍ للمرأة، فأعادت له معناه المتمثّل في التّعبير عن الوجود، عن الألم والرّغبة، وعن الحياة الّتي استمرّت وتجلّت رغم كلّ شيء.
خصوصية صوت حدّة وخياراتها الغنائية
جمعت نبرة حدّة "الخنشة" بين الحزن والعناد، فكانت أشبه بصرخةٍ آتيةٍ من عمق الأرض. من كان يسمعها يدرك سريعًا أنّ صوتها لم يصدر من حنجرتها وحسب، بل من تاريخٍ طويلٍ من الكبت والقهر والحنين. فكانت تغنّي للحبّ الممنوع، وللفقد، وللشّوق الّذي لا يزول.
لم تحمل قصائد حدّة عناوين في معظم الأحيان، فقد توارثتها النّساء كما تتوارثن الأغاني القديمة التي لا يُعرف لها أوّل من آخر، غير أنّها حين تغنّيها تصبح ذات عبقٍ خاصّ يشبه رائحة الدِّفء والتّحدّي.

تميّزت بقدرتها على نقل الانفعال الصّادق في أدائها، فغدت أغانيها وثيقةً حيةً عن الحياة الرّيفية في الأوراس، وعن التّحولات الّتي عرفتها المنطقة خلال الاستعمار وما بعده، كما بقيت وفيةً لِلُغتها الموسيقية الأولى، لتلجأ إلى البوح بصوتٍ حمل صدق البيئة الّتي خرجت منها، فتحوّل فنّها إلى مرآةٍ لواقعٍ اجتماعيٍّ مُعقّد، وإلى علامةٍ فريدةٍ في الذّاكرة الغنائية الجزائرية.
فلسفةُ الغناء لدى بقّار حدّة
لم تكن أغاني بقّار حدّة مجرّد محاولاتٍ للغناء والمواكبة، لأنّ ما ميّز تجربتها في الحقيقة، كان ذلك الصّدق الّذي اختزن فلسفةً كاملة عن الإنسان وأقداره، حيث كانت ترى في الغناء خلاصًا من حالها الّذي كان يقتل روحها ببطء.
وتقول إحدى النساء اللّواتي عاصرنها: " لقد كانت حدّة تغنّي فتجعل النّساء يبكين، لأنّها تذكّرهنّ بما يحاولن نسيانه في صمت".
لم تحمل قصائد حدّة عناوين في معظم الأحيان، فقد توارثتها النّساء كما تتوارثن الأغاني القديمة التي لا يُعرف لها أوّل من آخر، غير أنّها حين تغنّيها تصبح ذات عبقٍ خاصّ يشبه رائحة الدِّفء ولالتّحدّي.
استطاعت حدّة أن تُحوّل صوتها إلى وسيلةٍ لتخليد الذّكرى وللنّجاة منها كذلك، فردّدت في أغانيها صدى يوميات الفلّاحين والعمّال والنّساء المنسيّات في القرى النّائية، فغنّت عن العطش الّذي لا يرتوي، وعن الحبّ الّذي لا يُباح به، وعن الحنين الّذي ربط الإنسان بأرضه رباطًا روحيًّا. وبما أنّ تلك الأغاني لم تُكتب، فقد سُجّلت في ذكريات العديد ممّن ألِفوها، وظلّت تنتقل من جيلٍ إلى آخر، لأنّها حملت في داخلها صدقًا لا نظير له.
ثيمات أغاني بقّار حدّة
كانت أغاني بقّار حدّة بمثابة مرآةٍ صادقة لحياة سكّات الشّرق الجزائريّ، حيث امتزجت الحياة الفردية بالجماعية، والعيشُ اليوميّ بالكفاح الاجتماعيّ، فكانت أغانيها لغةً للتّعبير عن الحزن والفرح، العمل والحبّ، النّضال والحنين.
من بين أشهر أغانيها يا جبل بوخضرة الّتي ارتبطت بتاريخ منجم بوخضرة ونضالات العمّال في المنطقة، وقد غنّتها بصوت جبليّ صريح مُعبّرةً عن صفات الشّجاعة والكرامة في مواجهة قسوة الطّبيعة والعمل، لتصبح رمزًا لصوت الأرض والصّمود الشعبي. أمّا أغنية بابا سيديفهي تنقل الحنين إلى الوطن والأهل والم الفراق، مع مزجٍ بين الدّارجة العربية واللّهجة الشّاوية بما يجعل المستمع يعيش التّجربة الإنسانية للمرأة الرّيفية.
أمّا أغنية راكب لزرق فقد حملت رمزية السّفر والرّحيل والبحث عن الحرية، حيث تمّ ترديدها غالبًا في الأعراس والمواسم لنقل المشاعر الجماعية إلى صوت فرديٍّ امتلك قوة التّعبير عن الانتماء والحنين للأرض.
من الأغاني الّتي عكست حياة الرّيف وعادات القرى، برزت طيري لخضرالّتي مزجت بين الاحتفال واللّوعة، وأبرزت قدرة حدّة على المزج بين الأداء الموسيقي التّقليدي والتّجربة الشّخصية، حيث كانت الأغنية غالبًا في الجلسات النّسائية وسيلةً لتدوين الخبرة الحياتية والحفاظ على التراث الشفوي.
يضمّ رصيد بقّار حدّة أيضًا أغنية دمّو سايحالّتي جاءت في سياق وطنيّ مرتبط بالمقاومة والنّضال، لتصبح صوتًا يوصل رسالة الحرية والصّمود، وتبرهن على قدرة الفنّانة الرّيفية على التّعبير عن الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ من خلال الغناء الشّعبي.
موسيقى منسوجةٌ من ذاكرةٍ مبتورة
تميّز غناء بقّار حدّة بطابعه الأوراسيّ الخالص، وكانت الإيقاعات الّتي تستعملها متأتّية من الطّبل والبندير والقصبة، وهي أدواتٌ تعود إلى قرونٍ عديدة من تطوّر التّراث الشّاويّ. ولم تمثّل الأغنية لديها قالبًا موسيقيًا مُعيّنًا بقدر ما كانت طقسًا من طقوس الانتماء، فكانت تهزّ بصوتها الأفئدة، فتردّد الجبال صداه، كما أشعلت بنبرتها نار الحنين في صدور السّامعين.
إنّ غناء بقّار حدّة يعدّ وثيقةً لغويةً واجتماعيةً في آنٍ واحد، لأنّه يُظهر كيف استطاعت المرأة الأوراسية أن تحتفظ بلسانها وهويتها رغم الاستعمار ورغم التّهميش المجتمعيّ، وهكذا، تمكّن صوتها من نحاوز حدود الفنّ ليغدو حارسًا للهوية والمكان في وجه التّناسي الثقافيّ.
اليوم، تُدرَس تجربتها ضمن سياق أوسع للغناء النّسويّ الشفهيّ في شمال إفريقيا، بوصفها مثالًا على القوّة التعبيرية للمرأة في المجتمعات التّقليدية، وعلى قدرتها على إنتاج معرفةٍ صوتيةٍ بديلةٍ عن المعرفة المكتوبة.
مع بداية الخمسينيات، حين بدأت الجزائر تدخل مرحلة الغليان الثّوريّ السّياسيّ والاجتماعيّ، وكانت حدّة قد بلغت نضجها الفنّيّ، وأصبحت تُدعى إلى الأعراس الكبرى والاحتفالات القبلية، وصار النّاس يتناقلون أخبارها كرمزٍ للمحبّة والفرح، لكنّها بقيت وفيةً لأصلها، ورفضت الانتقال إلى المدن أو التّسجيل في الإذاعة رغم العروض الكثيرة، مفضّلةً أن تبقى صوتًا شعبيًا حرًّا، حيث كانت تقول لمن يسألها عن الشّهرة: "صوتي وُلد هنا، في التُّراب، ولا يعيش إلّا بين أهله".

من هنا، كانت تلك البساطة ما جعل منها أسطورةً محلية لا تُنسى، وحتّى بعد رحيلها في القرن العشرين، ظلّ اسمها حاضرًا في المخيال الشعبيّ.
تراثٌ يتحدّى النّسيان
تزايدت في السّنوات الأخيرة دراسات تسعى إلى إعادة الاعتبار للأصوات النّسائية المنسيّة في تاريخ الموسيقى الجزائرية، ومن بينها صوت بقّار حدّة، ففي أرشيف المركز الوطني للبحث في ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا، نجد تسجيلاتٍ نادرة أُعيد اكتشافها لفنّانين عدّة، حيث حملت نبرتها الأصلية كما كانت في الأعراس القديمة، كما تُظهر هذه التّسجيلات مدى عمق إحساسها بالإيقاع وباللّغة، وكيف استطاعت أن تحوّل التّجربة الشّخصية إلى لغةٍ فنيّةٍ غنائية رغم بساطتها.
اليوم، تُدرَس تجربتها ضمن سياق أوسع للغناء النّسويّ الشفهيّ في شمال إفريقيا، بوصفها مثالًا على القوّة التعبيرية للمرأة في المجتمعات التّقليدية، وعلى قدرتها على إنتاج معرفةٍ صوتيةٍ بديلةٍ عن المعرفة المكتوبة.
بين الإنكار والفقر والذّكرى المُغيّبة
لطالما اشتعلت سيرة بقّار حدّة بقوة في عالم الموسيقى التّراثية الجزائرية، لكنّها انتهت في صمتٍ قاسٍ يذكّر بالقسوة الّتي عرفتها منذ ولادتها. لقد اعتُبِرت تلك المرأة صوت الأوراس بلا منازع ، لكنّها أمضت العقود الأخيرة من حياتها في فقرٍ مدقع وغربة شبه كاملة، بعيدًا عن صخب المناسبات الّتي كانت تملأها حياةً يومًا ما.
استقرت حدّة في مدينة عنابة بعد وفاة رفيقها وشريكها الفنّي ابراهيم بن دبّاش في أواخر الثّمانينيات، حيث بدأت حياة الانحدار الجسديّ والمعنويّ، كما فقدت الدّعم الماليّ والمعنويّ، وعاشت في ظروفٍ صعبة في أحد أحياء المدينة الشّعبية، إلى أن انتهى بها الأمر وهي تتجوّل في الشّوارع بلا وجهة، وبحسب عدّة شهود، عانت حدّة من مرضٍ مرتبط بالتّقدم في السّن وتراكم التّعب النّاتج عن حياة التنقّل الطّويلة.
خلال ذلك، شهدت الجزائر في التّسعينيات، في خضمّ الأزمة السياسية والعشرية السّوداء تغييبًا واسعًا للثّقافة الشّعبية وخاصّةً صوت المرأة الريفية، فأصبحت بقّار حدّة غير مرئية، فقدت وسائل الإعلام والمتابعة الرسمية، بينما اختفى رعاة موسيقاها الأوائل وتخلّوا عنها.
توفيت بقّار حدّة في عنابة يناير 2000 في ظروف مؤلمة لا توصف، حيث أُبلغ أنّ وفاتها كانت في عزلة تامّة، بعد أن قضت سنواتها الأخيرة في الشّوارع والفقر.

لم تُكرّم رسمياً، ولم يُوضَع لها نصبٌ تذكاري على قبرها، رغم الأثر الكبير الّذي تركته في ذاكرة الشّعب، ما يكشف عن فجوة تتمثّل في إهمال التّراث الشّعبي من قبل المؤسّسات الرّسمية، حيث صارت شخصيات مثل بقّار حدّة رمزًا للمكابدة والضّياع في عالم الفنّ دون حماية أو تقدير، وهو ما يجسّد الهوة الكبيرة بين المكانة الشّعبية والاعتراف المؤسّسي.
توفيت بقّار حدّة في عنابة يناير 2000 في ظروف مؤلمة لا توصف، حيث أُبلغ أنّ وفاتها كانت في عزلة تامّة، بعد أن قضت سنواتها الأخيرة في الشّوارع والفقر.
تُجسّد بقّار حدّة لحظةً نادرةً في التّاريخ الثّقافيّ للجزائر، إذ حملت نبرة الأرض الّتي تعبّر عن البساطة والعبقرية، كما أنّ صوتها ما زال يعبر الزّمن لأنّه لم يكن مُتصنّعًا، بل ولد من تجربةٍ صادقةٍ ومريرة لامرأةٍ لم تطلب المجد، لكنّ الصّدق خلّدها، لتبقى راسخة في ذاكرة الأوراس كرمزٍ للمرأة الشّجاعة والوفية للأصل، وكجسرٍ آمنٍ بين الأجيال.
إنّ دراسة سيرتها ليست استعادةً لماضٍ غنائيّ فحسب، لأنّها في الواقع مُساءلةٌ لذاكرة الجزائر الثّقافيّة وكيفيّة تعاملها مع رموزها الشّعبيّة، فقد غنّت حدّة للحياة والحبّ والكرامة في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُحجب عن النّساء، وحوّلت الألم إلى أغانٍ خالدة مثّلت شكلاً من أشكال الحرّيّة، كملا حملت رسالة الفنّ بوصفه مقاومةً ضدّ الفناء، ورسّخت صوتها كرمزٍ دائمٍ للتّعبير الأنثويّ الحرّ في الجزائر. وفي ظلّ غياب الإنصاف المؤسّسيّ، يبقى واجب الباحثين والنقّاد إعادة قراءة تجربتها بوصفها جزءًا من تاريخ الثّقافة الوطنيّة كجذرٍ من جذور الهوية الجمالية الجزائرية.
الكلمات المفتاحية

موسيقى "الرّشوق" في الجزائر.. نغمة الجماعة وشاهدٌ على هوّية فنّية
في قلب النّسيج الثّقافي والموسيقيّ الجزائريّ المُتنوًع، يبرز فنّ وسيقى الرّشوقكأحد أشكال التّعبير الموسيقيّ الفريدة جنوب الجزائر. هذا الفنّ الّذي يعدّ موسيقى احتفالية منتشرة بشكلٍ كبير في الوسط الرّجاليّ في المنطقة، إضافةً إلى أنّه تجربةٌ جماعيةٌ تعكس هوية مُجتمعية وروح تضامنٍ فريدة بين النّاس.

أحمد عوابدية.. النّفَسُ الحيُّ للمالوف القسنطينيّ
اشتهرت شخصية الفنّان الرّاحل أحمد عوابدية كأيقونةٍ فريدةٍ ومثيرةٍ للجدل في عالم موسيقى المالوف القسنطينيّ، هذا الفنّ الّذي يشكّل روح مدينة قسنطينة العتيقة شرق الجزائر، حيثُ تتعانق الأزقّة الضّيقة، ويضمّ صخرها وجسورها وأبنيتها أصداء التّاريخ المتنوّع، لتتشكّل سيمفونيةٌ متجددةٌ لا تموت بين المكان والزّمان.

الفنان جيمي مازيغ… صوتٌ إنساني من الأوراس شرق الجزائر لم تُنصفه الأضواء
بين بساتين "تينيباوين" الدانية بفاكهة المشمش الذهبية، وخرير مياه عينها الجارية قرب بلدية "تاكسلانت" بدائرة "أولاد سي سليمان "غرب الأوراس بباتنة، شرقي الجزائر، وُلد وترعرع هذا الصوت الهش، كما لو أن قدره كان حماية الأرض والهوية والقيم الإنسانية.

وزارة الري تحصي أكثر من 13 ألف نقطة سوداء مهددة بالفيضانات في الجزائر
كشف مدير التطهير والوقاية من مخاطر الفيضانات بوزارة الري، شريف عيسيو، عن إحصاء نحو 13.500 نقطة سوداء عبر مختلف ولايات الوطن، وهي مناطق تشهد تجمعًا للمياه وقد تشكل خطرًا حقيقيًا على السكان والبنية التحتية خلال فترات تساقط الأمطار الغزيرة.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية معتبرة على عدة ولايات إلى غاية فجر الإثنين
أفادت مصالح الأرصاد الجوية بتسجيل تساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا على عدد من ولايات الوطن، نهار اليوم الأحد، وفق تنبيهين حذّرا من استمرار الاضطراب الجوي إلى غاية فجر يوم غد الإثنين.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تتجاوز 50 ملم مرفوقة بالبرد بعدة ولايات
أعلنت مصالح الديوان الوطني للأرصاد الجوية عن تساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة، تكون مرفوقة محليًا بحبات البرد، على عدد من ولايات الوطن نهار اليوم السبت.

النطاق الجمركي.. وزير المالية يكشف أهم التسهيلات لسكان المناطق الحدودية
كشف وزير المالية، عبد الكريم بوالزرد، عن أهم التسهيلات المرتبطة بتعديل حدود النطاق الجمركي، مؤكدًا أن استحداث هذا النطاق يأتي في إطار تنظيم النشاط التجاري وضبط حركة البضائع في المناطق الحدودية، بما يحدّ من التهريب والغش.

