بنجامين ستورا.. مع الضحيّة والجلّاد

بنجامين ستورا.. مع الضحيّة والجلّاد

المؤرّخ الفرنسي بنجامين ستورا (تصوير: رافييل جيلارد/Getty)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عندما كلّف المؤرّخ بن جامين ستورا بملف المصالحة التاريخية بين الجزائر وفرنسا، قال إنّه يريد الانخراط في إرادة جديدة للمصالحة، لأنّ موضوع الاستعمار، حسبه، أعاق وضع البلدين على مسار مشترك في البحر المتوسّط.

بنجامين ستورا المتّهم من طرف اليمين الفرنسي بانحيازه للمقاربة الجزائرية تعامل سياسيًا مع الملف

ولكن بن جامين ستورا، المتّهم من طرف اليمين الفرنسي بانحيازه للمقاربة الجزائرية، تعامل سياسيًا مع الملف، وبدا من خلال توصياته متخوفًا من الضغوطات السياسية الفرنسية، خاصّة في مسألة اعتذار فرنسا عن جرائمها المرتكبة في الجزائر.

اقرأ/ي أيضًا: رحابي: تقرير ستورا لم يستجب للمطلب الرئيسي للجزائريين

ستورا لم يخف ذلك، وقال إن "توبة فرنسا" عن ماضيها الاستعماري في الجزائر، "فخّ سياسي نصبه جزءٌ من اليمين المتطرّف الفرنسي"، وأضاف أنه "يجب الخروج من الفخّ باتخاذ إجراءات ملموسة".

قبل التطرّق لمضمون التوصيات الـ 22 التي قدّمها ستورا للرئيس الفرنسي، فإنّ أوّل فخّ وقع فيه هو رضوخه للمقاربة السياسية، بدل الاحتكام للمقاربة التاريخية، والتي يجب أن تخضع لضوابط علمية وأكاديمية وليس لضغوطات سياسية؛ إذ لا يمكن كتابة تاريخ مشترك إرضاءً للسياسيين.

أمّا الفخّ الثاني، فهو أنّ ستورا ركّز فقط على فترة حرب الجزائر ما بين 1954 و1962، وأهمل تاريخًا حافلًا بالجرائم يمتدّ لأكثر من قرن ونيف من الزمن، وهو ما يُسقط عن فرنسا سجلًا مليئًا بالاغتيالات وحروب الإبادة، ومصادرة الأملاك، وسرقة التراث والآثار، والتهجير الجماعي والنفي، والاختفاءات القسرية التي حدثت في هذه الفترة. إذ لا يمكن أن نتحدث عن مصالحة في جزءٍ من التاريخ الاستعماري (7 سنوات) ونبقى متصارعين في معظمه ( 125 سنة).

قد يكون المؤّرخ الفرنسي بنجامين ستورا على حقّ، عندما قال إنّه يجب تجاوز فكرة الاعتذار الفرنسي للجزائر عن جرائمها الاستعمارية واتخاذ إجراءات ملموسة، لتجاوز ما وصفه بـ "الفخّ السياسي" الذي نصبه اليمين المتطرّف.

ولكن مراجعة التوصيات الـ 22 التي قدمّها ستورا في ملف المصالحة التاريخية بين الجزائر وفرنسا، لا توحي بذلك؛ فأغلب الإجراءات الملموسة المقترحة، لم تتجاوز فكرة تنصيب التماثيل التذكارية، وترسيم المناسبات التي تؤرّخ لجرائم الاستعمار، وتسمية الشوارع بشخصيات من وراء البحار كما وصفهم، واسترجاع بعض الوثائق والآثار المسروقة.

ما يجب الإشارة إليه هنا، هو أنّه إذا تجاوزنا فكرة الاعتذار الرسمي الفرنسي، فالإجراءات الملموسة التي تُعبّر عن الاعتذار الفرنسي، لا تكون بـ "الفولكلور" وتوزيع باقات الورود على النصب التذكارية.

الإجراءات الملموسة، لا تكون بنصب تمثال الأمير عبد القادر في منطقة أمبواز الفرنسية، ولا الاعتراف باغتيال علي بومنجل فقط، ولا الاكتفاء بإصدار "دليل للمفقودين"، ولا باستعادة الجماجم المعروضة في المتاحف الفرنسية، ولا باستعادة مدفع "بابا مرزوق" أو تنصيب اللجان العلمية، وفتح مراكز ثقافية وإقامة المؤتمرات الدولية، وتوزيع الشهادات على المشاركين.

الإجراءات الملموسة، تكون بتعويض ضحايا جرائم الاستعمار ماديًا ومعنويًا، من ضحايا القتل والتهجير ومصادرة الأملاك والنفي، وضحايا الألغام التي مازالت تحصد الأرواح في جزائر الاستقلال، إلى ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية التي لازال سكان رقان يعانون من أورامها وسرطاناتها بفتح المشافي الفرنسية لهؤلاء لتلقي العلاج.

 لم ينس بنجامين ستورا دفاعه عن الحركى وأبنائهم والتفاوض على تنقلهم إلى الجزائر

وإن لم ينس بنجامين ستورا الدفاع عن الحركى وأبنائهم، واقتراح وجود تفاوض على تنقلهم إلى الجزائر، فإن مسألة الاحتفاء بهم، واقتراح يوم 25 أيلول/سبتمبر يومًا لتكريمهم، لا تُلغي فكرة الاعتذار عن الجرائم الاستعمارية فقط، ولكنها تُسقط وصف الجريمة أيضًا، إذ أن تكريم الحركى (العملاء الجزائريون) الذين ساعدوا الجيش الفرنسي في ارتكاب هذه المجازر، هو اعتراف بأن الاستعمار كان مشروعًا ويستحقّ داعموه الاحتفاء والتبجيل.