بين "المرمة" والحرير.. آخر الدرازين... حراس تراث تلمسان
4 ديسمبر 2025
من بين ثلاثة آلاف درّاز كانوا يملؤون حارات ودروب تلمسان غرب اجزائر بصليل آلات المرمة، ذات النظام الميكانيكي التقليدي، المختصة في نسج الزرابي والأفرشة التراثية، لم يبق اليوم سوى ثلة قليلة يعدّ أفرادها على الأصابع.
تتكون المرمة، أو المَنسج، من المُوتور – المحرك غير الآلي-الذي يرصص الخيوط، والجعب، والنزق، والشبرة، والسارق، والقناطر والشناشن. كلها مكونات يدوية تحتاج مهارة حقيقية
يقاوم هؤلاء الحرفيون بصبر المندثرين كي لا تنطفئ الحرفة، ولا يُركن العتاد الخشبي القديم في محشرة التاريخ.
بين الخشب والخيوط يختبئ تاريخ طويل من الإتقان والصبر، يحكي قصة مدينة كانت فخر الصناعة التقليدية ويقف فيها صناع اليوم حائرين بين أطلال مهنة، كانت صورة مزهرة، وتوشك على السقوط النهائي في العوالم الداكنة.
عوامل كثيرة تقف وراء هذا الانحسار الكبير، منها غياب الإقبال على المهنة بين الشباب، ومحدودية العوائد المالية، وارتفاع تكلفة المواد الخام، واندفاع العولمة الصناعية التي تمد السوق بمنتجات وفيرة لكنها أحالت الحرفيين على التقاعد والموت البطيء.
لعنة الماكينات الكهربائية
الشيخ عبد الحفيظ قداوي، سبعينيّ ما تزال في يده بقايا خفة الدرازة، يتذكّر الفترة الذهبية للمهنة التي هجرتها الأجيال الجديدة بحثًا عن مردودية مالية أسرع. يقول لـ " الترا جزائر" بنبرة متعبة وحنين قاتل:
"قبل سنة ألفين، كنتُ أصنع رفقة زميل لي ما بين أربع إلى خمس زربيات في اليوم، مساحة الواحدة متران في ستة أمتار، وكنا نتخصص أيضا في حنبل البورابح الخفيف. كانت تباع الزربية بــ 3.5 مليون سنتيم، ويباع البورابح ما بين 500 إلى 700 دج. كانت دورة اقتصادية هائلة؛ نجهّز المساجد، ونستقبل زبائن من ولايات الغرب وبشار وأدرار. لكن كل ذلك توقّف منذ العام 2000 بسبب غزو المناسج الإسبانية الكهربائية، فتخلّيت عن العمل الذي رافقني منذ الصغر".
يسترجع ذكرياته ثم يتنهّد:" أمي أو حنّا خديجة، كما نقول بلهجتنا، كانت "غزّالة تغزل الصوف في البيت بالقرداش، وتبيعه لمعلم الدرز الحاج عمر. كانت تجهّز أربعين كيلوغرامًا في اليوم، يذهب مباشرة إلى المرمات الكثيرة في ندرومة. اليوم لم يبق من الدرّازين إلا اثنان، وبعضهم غيّر وجهته نحو الخياطة بحثًا عن مورد رزق، فقد انحسرت المهنة حتى حدود الفناء".
الحرير والرماد
فقد الشيخ قداوي مهنته كما يفقد المرء جزءًا من هويته، ليجد نفسه اليوم متكفّلًا بفرن حمّام قديم كي يستمر في البقاء، بعدما انهار عالم الدرّازين الذي كان يملأ مدن تلمسان من ندرومة حتى مغنية، ومن سبدو إلى الرمشي، وترك الحارات خاوية على عروشها، إلا من صدى خطوات الدرّازين القلائل الذين ما زالوا يحافظون على تقليد أجدادهم، ويقارعون زحف الماكينات الإسبانية التي هجمت على صنعتهم كما ثور كوريدا هائج،
ويضيف القداوي وهو يدس الحطب في فرن الحمام البالي بندرومة: " قبل أربعة عقود كانت هذه الأنامل الملطخة بفحم المجمرة ترسم بدقة زرابي زاهية الألوان، و تنسج ما يفوق الأربعة آلاف خيط، و تتفن في الحرير، و كان ينظر للدراز نظرة تقدير و إجلال، لأنها مصدر ثراء قبل أن تصير اليوم مهنة كفاف، و كانت الأسر لا تتردد ثانية في تزويج البنات بالدرّازين الخاطبين، اليوم تغير الحال، فقد تقبل تلك العوائل ببائع هواتف نقالة وترفض مائة صانع للمنسوج".
حامل التركة
أمّا إبراهيم سي أحمد، أحد أصغر الدرّازين المتبقّين، فيرفض الاستسلام، كما لو أنه آخر سلالة هنود الموهيكان، يداوم على عمله في محله بالطابق الأول بمركز الحرف والصناعات التقليدية قرب باب سيدي بومدين، متمسكًا بالمرمة كما لو أنها سلاحه الأخير ضد النسيان. يعرفها جيدًا؛ فقد أمضى معها أربعة وعشرين عامًا منذ أن دخل المهنة بعد توقفه عن الدراسة، ليتعلم على يد عبد الرزاق العشعاشي الذي كان يملك ما يشبه مصنعًا صغيرًا من ست عشرة مرمة، حيث كان الأجداد ينسجون الزرابي بألوان طبيعية وأشكال هندسية فريدة، ويخدمون بذلك كل طبقات المجتمع، من العائلات الثرية إلى المساجد والمدارس التقليدية، ويبدعون في عُدة العرائس.
يقول إبراهيم لـ "الترا جزائر":"أحببتُ المرّمة لأنها آلة تلمسانية خالصة، ولأنها تنتج صنائع تنتمي لتركة الجدود. إنها جزء من التراث المادي، وكل ما فيها يدوي يدفع للصبر والتركيز. لذلك نستحق أن نحافظ عليها مهما واجهنا من مشاق. كل حركة، من رفع العمود إلى لف الخيط، تحتاج دقة لا يوازيها إلا ّالصبر الطويل، وسعادة الدرّاز هي أن يرى تشكل اللوحة النسيجية بين يديه من العدم تقريبا، أي من صوف صارت خيوطا لا تترابط سوى بإبداعه وبراعته".
كورونا وانقلابات
تتكون المرمة، أو المَنسج، من المُوتور – المحرك غير الآلي-الذي يرصص الخيوط، والجعب، والنزق، والشبرة، والسارق، والقناطر والشناشن. كلها مكونات يدوية تحتاج مهارة حقيقية، تجمع بين خفة اليدين في لفّ الخيوط، ورشاقة القدمين في ضغط الدوّاسات لرفع الأعمدة وتنسيق المنسوج.
يشرح إبراهيم طريقة العمل قائلًا: "المرمة تحتاج لتركيز شديد. هنالك ما يفوق 3840 خيطًا، وعلى الصنايعي أن يرتّبها بدقة للمحافظة على تناسق الكتلة النسيجية وانسجام الألوان. الخطأ غير مسموح، لأن تصفيف الخيوط قد يتطلب يومين من العمل، وخيط واحد في غير موضعه قد يرغمك على إعادة كل شيء من الصفر، وهذا ينعكس على المواعيد والتكاليف ويهدر الجهد والوقت وقد يغضب المعلم صاحب المحل".
يصنع إبراهيم ما يُعرف بـ"المنسوج"، و تسمى مهنته "منسوج المرّمة"، وهو القماش الذي يتحوّل في ورشات الخياطة إلى البلوزة والحزام والمنديل والفوطة والسروال العربي. لكنه يلاحظ أن الطلب لم يعد كما كان؛ فقد تراجعت مكانة هذه المقتنيات في جهاز العروس التلمسانية، وأصبح تجهيز العروس شيئًا يقتصر على القليل من العائلات المقتدرة، بينما يلجأ الغالبية إلى كرائها من النقّافات، اللواتي برزن في الأعوام الأخيرة، ومن محلات تأجير جهاز العروس، فيُختصر هذا التقليد الذي كان علامة على هوية المدينة وفخرها الفني ومكانتها الأرستقراطية، إلى شظايا ذكريات.
يوقف إبراهيم عمله قليلًا، وينظر إلى المرمّة كما لو أنه يطالع قدرها، ثم يقول:"هناك تغيرات ثقافية واجتماعية، فلم تعد العائلات تُقبل على تجهيز العروس كما في السابق. كانت هذه الألبسة شرطًا لاعتبار العروس عروسًا في تلمسان. لكن منذ جائحة كورونا وغلاء المعيشة، أصبح كثيرون يلجؤون للكراء، فانخفض الطلب وانحسر العرض، ووجد كثير من الدرّازين أنفسهم على شفا جرف هار وعلى حواف الانهيار".
جفاف المداخيل
ويضيف الشاب الحريص على تقديم تفاصيل عمله، متحسرا:"كنا نستقبل عشرات الطلبات أسبوعيًا قبل كورونا. اليوم لا نتلقى سوى طلب أو طلبين. الفرق مثل الفرق بين الثرى والثريا. ومع ذلك نستمر في العمل، لا نعرف ماذا يأتي به الغد، والرزق على الله، وكما يقول كبار المدينة، قد لا تجعلك الصنعة غنيا، لكنها تصون كرامتك رغم فقرك، وتستر عورتك الاجتماعية أمام الآخرين".
تبلغ كلفة البلوزة المتقنة حوالي 40 ألف دينار، وقد يزيد أو ينقص السعر حسب نوع النسيج المستعمل: البروكار الفاخر أو الكرادبل الأقل ثمنًا والأكثر غلظة، والمستعمل في القفطان و الكاراكو، أما العائلات فموزّعة بين متوسطة الحال وطالبي المظاهر الفاخرة من الموسرين، ما يجعل المهنة تعتمد على الطلب المحدود، ويجعل كل قطعة عمل فنيًا يُقدّر بشغف.
تراجع الطلب انعكس مباشرة على سوق الصنائعية. يقارن إبراهيم بين الأمس واليوم فيعلق:"كان الصانع يجني 4000 دج في اليوم عندما كانت التجارة مزدهرة، وحتى في الأيام المتوسطة كان دخله يصل 2500 دج. اليوم أفضلنا لا يتجاوز 1500 دج، وفي أحسن الظروف 2000 دج".
ورغم هذا التراجع الحاد الذي بدأ منذ العام 2000 واستفحل منذ خلال خمس سنوات فقط، لا يبدو سي أحمد قلقًا، بل يبتسم وهو يقول: "كل بلوزة أنسجها هي فسحة أمل جديدة وفرصة بقاء للمهنة. كل شيء هنا يدوي، ولا واط كهربائي واحد. المرمة آلة اقتصادية، لا تستهلك الكهرباء، على عكس الآلات الإسبانية الحديثة التي كانت من أسباب ابتلاع المنتج العصري للمنتج التقليدي".
معركة البقاء
هكذا يقف الدرّازون الباقون، في مواجهة الزمن، بين آلة تقليدية لا تستهلك كهرباء ولكنها تطحن العمر ببطء، ولا توفر غير النزر القليل من القوت، وبين سوق لم يعد يطلب منهم سوى الفتات. ومع ذلك، يواصلون الدوس على الأرجل وممارسة ألعاب الخفة مع فتائل الخيوط، كما لو أنهم يطرقون باب القدر عنوة، محافظين على إرث أجدادهم وحلم مدينة كانت تُعرف بصوت المرمة وصدى الخيوط المتشابكة التي كانت تعبّر عن روحها وهويتها، وحتى رونقها الأدبي حينما خلد أديبها الفريد محمد ديب هذه المهنة برواية النول الشهيرة.
يختم إبراهيم بنبرة، العاشق لمهنته والمقاتل في سبيل ألاّ تلفظ أنفاسها الأخيرة، قائلا: "استمرار هذه الحرفة التراثية ليس مجرد مسألة دخل أو عمل، بل هو واجب ثقافي وطني. فكل درّاز يواصل العمل هو حارس لتراث حي يروي تاريخ المدينة وفنونها، ويذكّر الأجيال القادمة بصناعة ظلت قائمة منذ قرون، ومن النكبة الثقافية أن تندثر كما اندثرت مهن جليلة كانت تنتج مشغولات جميلة"
الكلمات المفتاحية
شهيدٌ بلا قبر.. عن القصة المنسية للبطل محمد بن إبراهيم بلقاضي
كان لحياة هذا البطل المجهول أن تظل بلا شاهدة تحمل اسمه، لولا كلمات قليلة أوردها عنه الرائد مصطفى مراردة، الشهير بمصطفى بن نوى، القائد بالنيابة للولاية التاريخية الأوراس النمامشة بين عامي 1959 و1960، في مذكراته الموسومة شهادات ومواقف في مسيرة الثورة بالأوراس، والتي كانت كفيلة بأن تبعث سيرته من طي النسيان.
تافسوت في الأوراس شرق الجزائر.. جدران بألوان الزرابي وأهازيج تغنى للربيع
في قلب جبال الأوراس، شرقي الجزائر، وتحديدًا بقرية منعة العتيقة، وبلدات أخرى جنوبي وغربي ولاية باتنة، لا يُستقبل الربيع كتاريخ عابر في الرزنامة، بل كحدث جماعي تتواطأ فيه الذاكرة مع الطبيعة، وتُعلن فيه الأرض عن عودتها إلى الحياة بطقوس ضاربة في عمق الزمن.
البلوزة الوهرانية.. خيطٌ من الذهب يربط الأندلس بعروس المتوسط
تعرف على تاريخ البلوزة الوهرانية منذ القرن 19، أنواعها (الزعيم، قشر البصل)، ودورها في تصديرة العروس. مقال يجمع آراء الخبراء والمصممين حول سبل الحفاظ على هذا التراث الجزائري الأصيل.
هل احتجّ على غوارديولا؟ .. فيديو آيت نوري يثير ضجة واسعة
ورغم أهمية المباراة، غاب آيت نوري عن النهائي بقرار من المدرب بيب غوارديولا الذي فضّل الاعتماد على الإنجليزي نيكو أورايلي، في قرار أثار استغراب الجماهير الجزائرية التي كانت تنتظر مشاركة الظهير الأيسر في واحدة من أكبر مباريات الموسم.
الجزائر توسّع حضورها البنكي في إفريقيا.. كيف يُمكن تدارك سنوات الغياب؟
وشكل الغياب المصرفي للجزائر في القارة السمراء أحد العوائق التي كانت تصعّب دخول المنتجات الجزائرية إلى أفريقيا، إلا أن هذا الأمر أصبح أحد الملفات التي تعمل الحكومة على تذليله ضمن خططها لرفع الصادرات خارج المحروقات، وذلك بفتح بنكين في موريتانيا والسنغال في 2023، والسعي لتوسيع العملية إلى دول أخرى.
بالصور.. مشاهد صادمة من داخل كبرى المسابح بالجزائر العاصمة
بحسب بيان ولاية الجزائر "شملت الزيارة أحواض المركب المائي بالمركب الأولمبي"محمد بوضياف"، ومسبح المركب الرياضي النسوي ببن عكنون، ومسبح أول ماي، ومسبح المركب الرياضي أحمد غرمول بسيدي امحمد،
أول طائرة شحن تصل إلى قسنطينة محمّلة بأضاحي مستوردة من المجر
أوضح المسؤول، في تصريح لوسائل الإعلام، أن هذه الحصة تمثل "الدفعة الأولى من الأغنام المستوردة من دولة المجر"، مشيرًا إلى تسخير أسطول جوي ابتداءً من يوم السبت وإلى غاية الثلاثاء لضمان سير العملية في ظروف منظمة وسريعة