تافسوت في الأوراس شرق الجزائر.. جدران بألوان الزرابي وأهازيج تغنى للربيع
5 أبريل 2026
في قلب جبال الأوراس، شرقي الجزائر، وتحديدًا بقرية منعة العتيقة، وبلدات أخرى جنوبي وغربي ولاية باتنة، لا يُستقبل الربيع كتاريخ عابر في الرزنامة، بل كحدث جماعي تتواطأ فيه الذاكرة مع الطبيعة، وتُعلن فيه الأرض عن عودتها إلى الحياة بطقوس ضاربة في عمق الزمن.
تمتد احتفالات ثافسوت، أو تافسوت، على مدار ثلاثة أيام، تشرف عليها جمعيات محلية تحرص على صون هذا الموروث.
مع اقتراب هذا الفصل، تتبدّل ملامح القرية التي يزيد عمرها عن ثمانية قرون، فتُعلَّق الزرابي المزركشة على الجدران، في مشهد جماعي مدهش يوحّد البيوت والأزقة في لوحة لونية نابضة، توحي وكأن منعة تحوّلت إلى حدائق معلّقة، تستعيد وهجها بين زاوية بني عباس ومسجدها العتيق، أين ينام في مدافنها جثمانًا نجلي آخر بايات الشرق الجزائري، أحمد باي، الذي آوى إليها عقب سقوط قسنطينة العام 1837.
زينة الخدود
تمتد احتفالات ثافسوت، أو تافسوت، على مدار ثلاثة أيام، تشرف عليها جمعيات محلية تحرص على صون هذا الموروث.
وخلال هذه الفترة، تعود العائلات إلى طقوس قديمة، حيث تخرج النساء والفتيات والأطفال نحو الحقول والمراعي، بحثًا عن أولى نباتات الربيع.
تقول الحاجة ظريفة، مستحضرة ذاكرة المكان: "كان الربيع دومًا موسم فرح، نخرج إلى الحقول لنقطف التالغودة والتمساوت والقرن جدي والتالمة، نأكلها أو نطهوها في حساء هو أول ما يُؤكل لدى البعض تيمنًا بقدوم مواسم الدفء" هذا الخروج الجماعي لا يُختزل في جمع الأعشاب، بل هو طقس احتفالي يعيد وصل الإنسان بالأرض، ويعلن بداية دورة جديدة من العطاء.

ولا يخلو الربيع من مظاهر الزينة، حيث تلجأ الفتيات إلى نبتة التالمة، كما تضيف الحاجة ظريفة، فيستخرجن من قبة رأسها سائلاً داكنًا يُستعمل لرسم علامات جمالية على الخدود، تتخذ شكل شامة أو خانة سوداء في طقس بسيط لكنه عميق الدلالة، يرمز إلى التجدد والبهجة، كما يفضل الفتيان والفتيات جمع تشكيلات من الزهور لتشبيك بعضها بين شعورهم، أو تزيين بوابات وجدران البيوت.
هوية فلاحية
ترى حميدة شوشان، الباحثة في أنثروبولوجيا التراث، في حديث لـ " الترا جزائر":" أن هذه الطقوس تعكس طبيعة المجتمعات الفلاحية في الأوراس، التي جعلت من الأرض المقدسة محورًا للهوية والوجود، فالاحتفاء بالربيع ليس مجرد تقليد، بل هو إعلان رمزي عن بداية موسم الخصوبة".
وتضيف أن "تعليق الزرابي لا يهدف فقط إلى الزينة، والإعلان الرمزي عن استقبال هذا الفصل المزهر بألوانه بل إلى تهويتها وتجديدها، في إشارة رمزية إلى بعث الحياة فيها، تمامًا كما تُبعث الأرض من سباتها، وكما تتجدد الأشجار والنباتات بعد مرحلة بيات شتوي طويل".
اقرأ أيضًا: "منعة آرت".. ألوان الطيف تسكن قرية الألف عام
لا يبدأ الربيع في 21 مارس كما هو متعارف عليه، بل يحلّ مبكرًا، ابتداءً من 28 فبراير، الذي يُعرف محليًا بـ "فورار"، يليه "مغرس" أي مارس، ثم "برير" شهر أبريل، ويتخلل هذا الفصل ما يُعرف بـ "الحسوم"، وهي أيام برد متقطعة، تليها فترة "الفطيرة"، التي تمثل مرحلة انتقالية نحو الاستقرار المناخي. ويختصر السكان هذه التحولات بقولهم الشعبي: "كي تموت لفطيرة ما يبقى في السما طيرة" في إشارة إلى صفاء السماء وانقضاء البرد، وبداية اعتدال المناخ.
أغاني الأطفال
يتيح اعتدال الجو وصفاؤه، على الخروج وتنظيم النزهات، لذا تتحول أزقة منعة إلى ما يشبه متحفًا مفتوحًا، فكل عائلة تخرج أوانيها ومنسوجاتها وأكلاتها قرب عتبات المنازل، في مشهد أقرب إلى كرنفال شعبي عريق، بينما يعرض الحرفيون أدواتهم وعتادهم أمام الزوار الذين يتقاطرون من مختلف المناطق لمتابعة هذه التظاهرة، التي لا تخلو من رقصات "إيرحابن" و"إيسباحن"، وألعاب البارود، ولعبة "ثاكورث" التقليدية.

تنعقد لعبة ثاكورث الخاصة بالربيع، والتي تشبه لعبة الهوكي وسط أهازيج خاصة، أوردها الباحث التراثي سليم سوهالي في كتابه المعنون" لمحة عن الثقافة والفنون الأمازيغية بالأوراس والقبائل وورقلة" وقد كانت هذه الترانيم تغنى من قبل الأطفال في مناطق أيث شليح بباتنة وأيث حركات بالمعذر، وتقول:
أقوس نْ بوقوس/ العصا عند صاحبها
أقبّال يحما ذق أفوس/ الخشبة في اليد تلتهب
ثاكورث ذي بوعروس/ والكرة في بوعروس
أعمــــــار بُو قنسوس/ عمار يا ذو الأنف الدقيق
شامـــــة يا شامــــــــة/ شامة يا شامة
ألغـــــاد إ همامــــــة/ نادي على حمامة
ثاعنونت ذي ثيرعقاي/ قرص الرغيف في الحقول الخضراء
سي محند يسبوغاي/ وسي محند -كنية الذئب-يعوي.
وتصحح الباحثة شوشان معلومة تاريخية بخصوص لعبة ثاكورث قائلة:" تشير الأبحاث أن هذه اللعبة الربيعية بامتياز، ليست رجالية كما يعتقد، بل كان الإناث أكثر ممارسة لها من الذكور".
لعبة ثاعنونت
غير أن أبرز ما يميز هذه الاحتفالات يظل طقس "الخرجة"، وهو موكب جماعي ينطلق في محفل عظيم من بلدة منعة وصولًا إلى الملعب في أقصاها، قبل أن يحط رحاله بوادي تاسريفت، العامر بمنابع المياه، وتتقدمه عجائز مسنّات، يمثلن دلالة البركة، فيحملن فوق ظهورهن حزمة أغصان خضراء، في رمزية عميقة للتفاؤل بعام أخضر دائم، وغلة وفيرة من الحبوب والمحاصيل، حيث يمتزج الدعاء بالفعل الطقسي في مشهد مهيب يختصر فلسفة الإنسان الأوراسي في علاقته بالأرض.

وفي ختام الاحتفالات، تُقام وليمة جماعية لتقاسم البركة، تتصدرها أطباق تقليدية مثل الكسكس والشخشوخة، تعقبها حلويات موسمية كالرّفيس والزيراوي والبراج، وهي مأكولات تُحضّر من السميد والسمن والتمر الرطب والمدقوق، وتحمل في دلالتها إعلانًا صريحًا بحلول الربيع ووفرة خيراته. وتبرز في هذا السياق أكلات خاصة بالمناسبة.
اقرأ أيضًا: "ثاكورث".. رياضة الربيع التي مارسها الجزائريون منذ آلاف السنين
تواصل شوشان: " أبرز هذه الأكلات ودون منازع البْراج، إلى جانب قرصة فطيرة "ثاعنونت" التي تحضّر من السميد والزيت أو السمن وتُضاف إليها بيضة ليكتسب لونًا ذهبيًا، ثم تزيّن بنقوش تُطبع باستعمال حلي النساء مثل الأساور والخواتيم، وتقدَّم هذه الفطيرة كهدية للأطفال، قبل أن تتحول إلى لعبة جماعية، حيث يتسابقون في دحرجتها على الأرض، والفائز هو من يصل قرصه إلى أبعد مسافة، في طقس يجمع بين اللعب والفرح ويمنح اللمة ديناميكية نابضة بالحياة".
ترانيم الطين
تحتل أهازيج الربيع مكانة بارزة في هذا المشهد، خاصة أغاني الأطفال التي تُعد جزءًا أصيلًا من التراث الغنائي الشاوي، إذ ترتبط بالمناسبات الشعبية وعلى رأسها عيد الربيع "تافسوث"، أحد أقدم الأعياد الأمازيغية. هذه الأغاني ليست مجرد ترديد جماعي، بل تعبير حي عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وعن هوية ثقافية تتجدد عبر الأجيال. وفي منطقة "آيث أو جرثن" بسهل بلزمة غربي باتنة، يردد الأطفال أغنية خاصة بهذه المناسبة، تعكس فرحتهم بقدوم الربيع وارتباطهم بالأرض، حيث تقول كلماتها:
أمان إِ بوشال / الماء للتراب
ثافسوث إ بُوملال / الربيع للزهور
أنمسل ايلشثا / فلنصنع أواني الطين
أيمّا يحما أوقيّال / فالجو يا أماه حار
أمان ذي ثالوين / الماء غزير في البرك
أَنتْشار إِيشيِباضْ / فلنعمّر القِرَب.
وهذه الأهازيج، بما تحمله من صور ومعانٍ، حسبما ما يؤكده الكاتب سليم سوهالي، لا تكتفي بالاحتفاء بجمال الربيع، بل تعكس انسجام الإنسان مع بيئته، وتعيد إنتاج منظومة من القيم المرتبطة بالأرض والعمل والحياة اليومية.

كما تحضر صناعة الفخار، المسماة ""ايلشثا- ن - تالخث "، بقوة ضمن هذا المشهد الثقافي، باعتبارها من أقدم الحرف التي تمارسها النساء، حيث يُشكَّل الطين إلى أوانٍ متعددة، كالصحون و الخابيات، تُجفف تحت أشعة الشمس، ثم تُحرق في عملية تقليدية في حفرة مكومة بالتراب و الجمر، تُعرف بـ"أسقذ نْ ايلشثا"، لتُزيَّن بعدها بزخارف أمازيغية تُرسم بمواد طبيعية، في تعبير فني يعكس عمق المعتقدات والرموز المرتبطة بدورة الحياة، يتم رسم هذه الأشكال بمادة حمراء اللون تسمى محليا بـ "أللَّك" تحضر من طين "المغرة" أما الدهن الأسود فيتم تحضيره من مادة أكسيد المنغنيز الرمادي، قبل أن يستعملن قوقعة الحلزون لترطيب سطح الإناء والتخلص من بعض النتوءات البارزة و الزوائد العالقة.
أمل متجدد
وتضيف شوشان:" يشكل الربيع فرصة مواتية لممارسة ماهية التجديد، وبخاصة ما تعلق بصناعة الأواني الفخارية المستعملة في الطهي وتقديم الطعام والشراب، حيث أن سطوع الشمس غير المتاح أيام الشتاء الماطرة والباردة، يساعد في عملية التجفيف الطبيعي للطين المنحوت".
اقرأ أيضًا: "أماڨار نتفسوث".. تراتيل الربيع في منطقة القبائل
وتسود في منطقة الرْحَوات أحد معاقل قبيلة إيحيدوسن بين باتنة ومروانة، أغنية قديمة تبرز مظاهر احتفائي خالصة بالربيع كعنوان كبير لاستيقاظ الحياة، حيث كان يتغنى بها الأطفال صادحين متفائلين بقداسة الأرض وعلاقتها بالحياة:
الخيــر زنق أوشـــال/ الخير يعلو التراب
ايرذن ذي تبعليــــــث/ القمح في الحقول
أمْـجر يســــــــــّـــاوال/ ينطق المنجل
نْسـالس ذي ثرعقيث/ سمعنا صوته في الحقل
إيضّــــللي زاث أُوقيال/ أمس عند الظهيرة
بَغَا يوكي فْ تصبحيث/ وجدي نهض باكرا.
في خلاصة قراءتها لهذا الموروث، تؤكد الباحثة حميدة شوشان أنّ "ثافسوت" ليس مجرّد احتفال عابر بقدوم فصلٍ جديد، بل هو نصّ ثقافي حيّ تكتبه الجماعة كل عام بلغتها الخاصة، حيث تتداخل الطقوس مع الذاكرة لتعيد تعريف علاقة الإنسان بالأرض وتجبره تلك العادة الاجتماعية على إدامتها.

وتضيف: " تتوفر هذه الطقوس الجماعية، على خاصية تتعلق بالضمير الجمعي، الذي يشيع موسمًا قاسيًا إلى مثواه المؤقت ويقيم عرسًا ابتهاجًا بموسم مزهر، يحيي أمل تجديد الحياة في حد ذاتها، ويفيد بأنه رغم تثاقل فصولها وتواتر مشاقها واختباراتها، فهي قادرة دائمًا على أن تبدأ دورة أخرى من جديد".
الكلمات المفتاحية
بشرق البلاد.. الجيش الجزائري ينفذ تمرينين تكتيكيين بصواريخ مضادة للسفن
حسب بيان لوزارة الدفاع الوطني، فقد تضمن التمرين البحري تنفيذ رمي بصاروخ مضاد للسطح نفذه غراب متعدد المهام تابع للواجهة البحرية الشرقية، فيما شمل التمرين الجوي رميًا حقيقيًا لصاروخ مضاد للسفن نفذته مقاتلات جوية متعددة المهام.
هل انتهت رحلة يوسف بلايلي مع الترجي التونسي؟
ومن المنتظر، أن يصبح بلايلي لاعبًا حرًا بداية من 1 جويلية/يوليو المقبل، ما يمنحه حرية التفاوض مع أي نادٍ دون قيود، في حال عدم التوصل إلى اتفاق لتمديد العقد مع فريق الترجي التونسي.
ستورا يحذّر من صعود اليمين المتطرف في فرنسا.. ماذا توقّع بشأن العلاقات مع الجزائر؟
وقال ستورا، إن التحدي الأكبر في المستقبل لن يكون سياسياً أو اقتصادياً فقط، بل ثقافياً بالأساس، في ظل محاولات متزايدة لإعادة قراءة التاريخ الاستعماري من منظور يرفض الاعتراف أو الاسترجاع.
الجزائر تشتري كمية جديدة من القمح.. ماذا عن الأسعار والكميات؟
أشارت التقديرات الأولية إلى أن سعر القمح تراوح بين 284 و285 دولاراً للطن شاملاً تكاليف الشحن إلى ميناء مستغانم، فيما بلغ نحو 292 دولاراً للطن بالنسبة للشحن نحو ميناء تنس،