ultracheck
مجتمع

تحوُّل صامت في توجّهات الطلبة.. من رمزية الطب إلى واقع التكنولوجيا

5 أغسطس 2025
طلبة الطب في الجزائر
طلبة الطب في الجزائر (صورة: أرشيف)
دليلة بلغربي
دليلة بلغربي كاتبة من الجزائر

عرفت توجهات الطلبة الجدد تغيرًا ملحوظًا هذا العام، حيث بدأت تخصصات التكنولوجيا تُزيح الطب من مكانتها التقليدية، في تحوّل صامِت يفرضه الواقع وطموحات المتحصلين على شهادة الباكالوريا، في مقابل ما تعكسه مطالب سوق الشّغل في الجزائر.

يعتقد الكثيرون أنّ المتفوق لا يختار سوى الطب، و أنّ دراسة الإعلام الآلي تقتصر على التكوين المهني فقط

لطالما كان الطب في الجزائر مرادفًا للنجاح والتفوق، وأحد طموحات الطلبة والعائلات على حدّ سواء. لكن مشهد اختيارات المتفوقين في بكالوريا 2025 بدأ يكسر هذا القالب النمطي، ويكشف عن تحول هادئ في نظرة الجيل الجديد. 

من مدارس الذكاء الاصطناعي إلى الإعلام الآلي والرياضيات، يتّجه بعض الطلبة الجدد لاختيار ما يعكس شغفهم لا ما يُنتظر منهم.

توجه نحو التخصصات التقنية

بدأ واقع الاختيارات الجامعية بالنسبة للمتحصلين الجدد على شهادة الباكالوريا يشهد تحولًا تدريجيًا، حيث تتجه أعداد متزايدة من المتفوقين نحو التخصصات التقنية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي، رغم أنّ حلم دراسة " الطب" يراود كثيرًا من الطلبة وأسرهم، باعتباره رمزًا للنجاح والمكانة الاجتماعية الرفيعة.

فتح هذا التغيّر نقاشًا حول أهمية التوفيق بين الميول الشخصية وفرص العمل المستقبلية، إذ يتكرر سؤال في أوساط مختلفة سواء بين الأسر وفي منصات التواصل الاجتماعي: ما هو معدل القبول في الطب؟.

التوجه نحو المدارس العليا للأساتذة يشهد إقبالًا ملحوظًا بسبب ما توفره من مناصب عمل، إذ اختارت المتحصلة على المرتبة الأولى وطنياً في بكالوريا 2025، رونق زاني من ولاية سوق أهراس الالتحاق بـالمدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله، وهو ما يعكس توجهاً جديداً بين النخب الطلابية نحو التخصصات التقنية المتقدمة. 

تجربة عبد الصمد صديقي.. الإعلام الآلي والضغط الدراسي

هذا الخيار لم يكن معزولاً، بل تلته اختيارات مماثلة في القطب التكنولوجي نفسه، حيث فضّل عدد من المتفوقين الالتحاق بـالمدرسة الوطنية العليا للرياضيات والمدرسة العليا للإعلام الآلي، ما يشير إلى تحوّل تدريجي في تصورات الطلبة حول التخصصات "النخبوية"، حيث لم يعد الطب وحده يحتكر الطموحات العليا للمتفوقين.

عبد الصمد صديقي (الأول وطنياً في بكالوريا 2020) لـ" الترا جزائر": الطب لا يناسب الجميع، كما أنّ الرياضيات أو التخصصات التقنية ليست للجميع أيضًا... يجب أن يختار كل طالب التخصص الذي يناسب ميوله وقدراته

في حديث لـ "الترا جزائر" حول اختيارات المتفوقين في البكالوريا في الجزائر، قال صديقي عبد الصمد، الأول وطنياً في بكالوريا 2020 والمتخرج حديثًا من المدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي، إنّه لم يكن يرى في نفسه أي ميول نحو التخصصات الطبية. 

وأوضح أنّه لم يختر شعبة العلوم التجريبية في الثانوية لأنه لم يكن يميل إلى دراسة العلوم الطبيعية، وبالتالي لم يكن الطب ضمن اهتماماته أو طموحاته بعد نيله شهادة البكالوريا.

وأضاف صديقي أنّه تعرّف على المدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي خلال مرحلة الثانوية، وبحث كثيرًا عن طبيعة الدراسة فيها واستشار طلبة سبقوه، فاختار شعبة الهندسة الكهربائية باعتبارها الأقرب لهذا المجال. 

وبعد عامين من الدراسة، قرّر مواصلة التكوين في تخصص تقني، ووقع اختياره في النهاية على الإعلام الآلي.

وعن تجربته داخل المدرسة، أكد عبد الصمد أنّها كانت تجربة مُميّزة رغم الصعوبات، مشيرًا إلى أن المؤسسة تضم طلبةً ذوي مستوى علمي وأخلاقي رفيع، ما جعل من الحياة الطلابية داخلها تجربة فريدة. 

وأوضح أن وتيرة الدروس كانت سريعة، وكميات المعلومات ضخمة، ما يتطلب اجتهادًا مستمرًا، وتنظيمًا جيدًا للوقت لتجنب التراكم والضغط، خصوصًا في السنوات المتقدمة حيث تصبح بعض الامتحانات معقدة للغاية.

وحول المهارات التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة، أشار عبد الصمد إلى أن أهمها كانت القدرة على التعامل مع الضغط، وتنظيم الوقت، واتخاذ القرارات بشكل مستقل، خصوصًا بالنسبة للطلبة المقيمين بعيدًا عن عائلاتهم.

عبد الصمد صديقي: وتيرة الدروس بالمدرسة العليا للإعلام الآلي سريعة، وكميات المعلومات ضخمة، ما يتطلب اجتهادًا مستمرًا، وتنظيمًا جيدًا للوقت

وفي ردّه عن نظرة المجتمع لاختياره، قال عبد الصمد إنه واجه في البداية بعض الاستغراب، حيث يرى كثيرون أن المتفوقين لا يختارون سوى الطب، مضيفًا هناك من يقول: يمكنك دراسة الإعلام الآلي في التكوين المهني، فلماذا تدرس خمس سنوات فقط من أجل تصليح الحاسوب؟ 

وفي ختام حديثه، شدد عبد الصمد على أهمية أن يختار كل طالب التخصص الذي يناسب ميوله وقدراته، مؤكدًا أن “الطب لا يناسب الجميع، كما أن الرياضيات أو التخصصات التقنية ليست للجميع أيضًا”، مشيرًا إلى ضرورة الموازنة بين الشغف وآفاق العمل بعد التخرج.

نظرة المجتمع وأثرها على توجهات الطلبة

من الجانب الاجتماعي، يرى البروفيسور أحمد قوارية، المختص في علم الاجتماع، أنّ توجه المتفوقين في شهادة البكالوريا إلى دراسة الطب يعود إلى جملة من العوامل النفسية والاجتماعية التي تتجذر منذ الطفولة. 

فمهنة الطبيب، كما يقول، تُعتبر “حلم كل طفل متمدرس"، إذ غالبًا ما يصرّح الطفل عند سؤاله عن مهنته المستقبلية برغبته في أن يصبح طبيبًا أو معلمًا. 

وعليه، فإنّ الكثير من الطلبة يسعون إلى تحقيق هذا الحلم بمجرد حصولهم على المعدلات التي تؤهلهم لدراسة الطب، فيكون اختيارهم نابعًا من إرادة داخلية متجذرة في الطفولة، ومن تصورات مثالية لمهنة الطب، باعتبارها مهنة تحقق الذات وتمنح الإحساس بالفخر والنفع.

غير أن هذا الدافع الشخصي، كما يوضح قوارية، لا يكون دائمًا العامل الوحيد. إذ تلعب الأسرة دورًا كبيرًا، وأحيانًا ضاغطًا، في توجيه أبنائها نحو هذا التخصص دون مراعاة حقيقية لميولاتهم. فالكثير من الأولياء، بحسبه، “يريدون فقط أن يروا أبناءهم أطباء"، دون أن يدركوا أن الأمر قد يكون ضد رغبة الطالب نفسه. 

المختص في علم الاجتماع، البروفيسور أحمد قوارية لـ" الترا جزائر": مهنة الطب حلم لكل تلميذ، والأسرة تضغط على أبنائها لاختيارها، وغالبًا ما يتم تجاهل ميولات واهتمامات الطلبة الحقيقية

هذا الإلحاح الأسري كثيرًا ما يكون مدفوعًا بنظرة اجتماعية نمطية ترى في الطبيب شخصًا متميزًا وفوقيًّا، وتحصر النجاح الاجتماعي في هذا المسار وحده، متجاهلة بقية التخصصات العلمية.

ويعتبر قوارية أنّ هذه النظرة المثالية للمجتمع نحو الطبيب، والتي يتبنّاها الأولياء، تساهم في ترسيخ توجه غير متوازن في اختيارات الطلبة المتفوقين، وقد تتحول إلى “إملاءات خارجية” تفرض على الطالب ما لا يريده حقًا. 

التحديات النفسية

بعض الطلبة يختارون الطب فقط إرضاءً للأب أو للأم، لا لقناعة داخلية. وهو ما يُعد، حسبه، خطأً تربويًا واستراتيجيًا في بناء المستقبل، لأن كل مهنة، بما فيها التخصصات التقنية والعلمية الأخرى، لها قيمتها ودورها الحيوي في المجتمع.

ويُحذّر قوارية من أن الانسياق وراء الصورة الاجتماعية للتخصصات قد يؤدي إلى اختيارات غير واعية، يدفع ثمنها الطالب لاحقًا، خصوصًا إذا دخل مسارًا لا يتماشى مع ميولاته وقدراته. فالمجتمع، كما يقول، "ينشغل اليوم بقضية، وغدًا بأخرى، وسرعان ما ينسى"، بينما يتحمل الطالب وحده عبء قراراته. 

وفي هذا السياق؛ وجه دعوة للمتفوقين إلى التفكير بهدوء في مستقبلهم، واختيار ما يتناسب مع طموحاتهم الحقيقية دون الانصياع لضغوط محيطهم.

أحمد قوارية: بعض الطلبة يختارون الطب إرضاءً للأهل وليس لقناعة داخلية، وهذا خطأ تربوي واستراتيجي في بناء المستقبل

ويؤكد أنّ التوجيه القسري نحو تخصص لا يحبه الطالب قد يؤدي إلى فشل أكاديمي، وتراجع في التحصيل العلمي، وحتى إلى التسرب الجامعي. لأن غياب الشغف يجعل من التعلم عبئًا، لا مشروعًا شخصيًا. ويرى أن بعض الطلبة الذين خضعوا لهذا النوع من التوجيه الإجباري قد غيّروا لاحقًا تخصصهم، أو عاشوا سنوات جامعية متعبة نفسيًا، بلا طموح حقيقي.

وفي ختام حديثه، شدد البروفيسور قوارية على ضرورة ترسيخ ثقافة الاختيار الحر للتخصصات الجامعية، انطلاقًا من الشغف والقدرات الذاتية، وليس بناءً على ما يرضي الآخرين. لأن الدراسة الجامعية، حسب وصفه، "مشروع حياة"، ولا ينبغي أن تُبنى على رغبات مفروضة أو على صور اجتماعية نمطية قد تؤدي إلى مسارات مغلقة وواقع مهني غير منسجم مع الذات.

الكلمات المفتاحية

أكتوبر الوردي

حملات أكتوبر الوردي في الجزائر.. إعادة قراءة في واقع صحة المرأة

يكتسي شهر أكتوبر اللّون الورديّ كلّ عام عبر مختلف أنحاء العالم. وفي الجزائر، تجتاح حملات التوعية وسائل الإعلام والعيادات والمساحات العمومية، كما تنتشر المنتجات الغذائية والتّجميلية الّتي يتسابق أصحابها على وسمها بحملات التّوعية والوقاية من سرطان الثّدي لدى النّساء.


معهد الحياة

معهد الحياة بالقرارة.. مدرسة صانت الهوية في زمن الاستعمار وخرّجت نوابغ الجزائر

يكفي أن تدخل إلى معهد الحياة، هذه الثانوية المهيبة، حتى تشعر أن المكان يحمل أكثر من عمر بناياته. هنا مرت أجيال من الطلبة، وتعاقبت أسماء المعلمين، وتبدلت المناهج والظروف السياسية، لكن فكرة واحدة ظلت تعود في كل مرحلة: التعليم بوصفه مشروعا لبناء الإنسان، بشعار يجمع بين التربية للفرد، والتعليم للجميع، وكلاهما في خدمة: الوطن والمجتمع.


جامعة الجزائر

الجامعة الجزائرية حتى التاسعة ليلًا.. من يؤطر الطلبة ومن يضمن عودتهم؟

أكدت الوزارة وفق الوثيقة أن الهدف من هذا الإجراء هو "ترشيد استغلال الهياكل البيداغوجية والعلمية وتنشيط الحركة البيداغوجية والعلمية والحياة الثقافية في الوسط الجامعي"


مراكز العناية الجسدية

مراكز العناية الجسدية في الجزائر.. طب بديل أم احتيال على المرضى؟

في مركز للعناية الجسدية بمدينة القليعة في ولاية تيبازة، ينتظر عدد من الزبائن دورهم للاستفادة من بعض العلاجات التقليدية التي يقدمها هذا المركز والتي تتمثل غاليا في الحجامة والتدليك والإبر الصينية، في مشهد يمكن ملاحظته في عدة ولايات من البلاد التي أصبحت تغص بهذه المراكز التي تثير التساؤل إن كانت تقدم علاجا بديلا حقيقيا أم أنها مجرد احتيال صحي يستثمر في معاناة المرضى؟.

طقس الجزائر
أخبار

الجزائر.. أمطار رعدية ورياح تصل إلى 50 كلم/سا بهذه المناطق

تُرتقب أجواء غائمة مع تساقط أمطار على شكل زخات رعدية بعدد من المناطق الداخلية والهضاب العليا، تكون معتبرة بالهضاب العليا الغربية، فيما يُنتظر تسجيل تشكّل خلايا رعدية مصحوبة بأمطار في عدة مناطق جنوبية، حسب توقعات الحالة الجوية.

حرائق جيجل
أخبار

حرائق جيجل.. 40 مليون سنتيم لكل عائلة لاستئجار مسكن مؤقت

تستفيد العائلات المتضررة من حرائق جيجل، التي صُنفت سكناتها ضمن الخانة الحمراء، من إعانة مالية بقيمة 40 مليون سنتيم لكل عائلة، للمساعدة على استئجار مسكن مؤقت إلى غاية إعادة بناء منازلها، بالتزامن مع إبرام اتفاقية لتمويل إعادة بناء 627 سكنًا متضررًا.


محمد غرينية
منوعات

محمد غراينية.. كيف صار أسير حرب جزائري بطلًا قوميًا في رومانيا؟

في مقبرة الأبطال بمدينة سلوبوزيا، عاصمة مقاطعة يالوميتسا جنوب رومانيا، يرقد 214 جزائريًا ممن قضوا خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب أسرى ومقاتلين من جنسيات مختلفة، وجدوا أنفسهم في هذه البقعة من أوروبا بعدما اقتلعتهم الحرب من بلدانهم البعيدة.

أنيس حاج موسى
رياضة

أنيس حاج موسى يتوج بجائزة لاعب شهر سبتمبر في الدوري الهولندي

تُوّج الدولي الجزائري أنيس حاج موسى بجائزة أفضل لاعب لشهر سبتمبر في الدوري الهولندي، وفق ما أعلنته رابطة الدوري، الجمعة، بعد عروض قوية قدمها مع ناديه فينورد روتردام.

الأكثر قراءة

1
رياضة

بعد مشادته في لقاء المولودية.. لحسن بوزيان يوضّح لـ"الترا جزائر" كواليس الحادثة


2
أخبار

في قضية مشروع سكني.. التماس عقوبة ثقيلة في حق عبد الحكيم بطاش


3
قول

الولي الشرعي في المدارس الجزائرية.. معضلةٌ إداريةٌ تُهمّش دور الأمهات


4
سياسة

اجتماعات جزائرية أمريكية متوالية.. بحث توسيع التعاون خارج الأمن والطاقة


5
سياسة

محليات 28 نوفمبر.. من يجتاز غربال سلطة الانتخابات؟