تمثال شاشناق.. يوحّدنا أم يفرّقنا؟

تمثال شاشناق.. يوحّدنا أم يفرّقنا؟

مجسم للفرعون شاشناق بولاية تيزي وزو (يوتيوب)

تسعى حركية المجتمعات الحديثة، إلى طرح صيغة مقبولة تجمع بين الذاكرة الجماعية المتعدّدة والتكيّف مع الثقافات الكونية، حيث تشهد الثقافات في العالم، تطورًا وتجديدًا في اتجاه إحداث تكامل داخل الكيانات الإقليمية، وتُحقق توازنًا بين المكونات المجتمعية، وهو السبيل الذي تسعى إليه أيّة ثقافة في تعاملها مع الموروث الإنساني والحضاري، إذ تُوسّع مجال فضاءات الاجتماع وتقلّص الهوّة بين أفراد الكيان الواحد، وتضييق المساحات على المتطرّفين والمتشدّدين. 

لقد أدخلنا تمثال شاشناق بمناسبة احتفالية يناير في سجالات أنثروبولوجية وتاريخية

لكن اليوم انقلبت الصورة وأضحى التطرّف والتشدّد هما سادة المواقف، وأمست كل مجموعة تدّعي امتلاك الحقيقة والتفوّق، والاكتفاء الذاتي ثقافيًا وفكريًا ولغويًا. هذه الوضعية جعلت من المكتسبات الثقافية محلّ خصومات وصراعات بدل صناعة جسور التعايش والتوافق.

اقرأ/ي أيضًا: احتفالات ينّاير.. مآل الهوية الأمازيغية بين الأسطورة والتاريخ

على صعيد الأمن الثقافي والانتمائي، نجد أن تحدّيات الدولة الوطنية كثيرة، على غرار الهويّات المذهبية والتعدد اللغوي خارج السياقات التاريخية التي صنعت التنوّع اللساني والتعدّد الثقافي.

باتت الأقلية الإثنية واللغوية والدينية محلّ ابتزاز وضغطٍ دولي، وصناعة استخباراتية تُعرّض كيان الدولة الوطنية إلى سلب قدراتها الطبيعية واغتصاب جغرافيتها ونهب لثرواتها، تحت مسميّات الحماية والانفصال والاستقلال وحقّ الشعوب في تقرير المصير.

إنّ الهوّية التي تشكلت عبر مسارات تاريخية معينة لم تكن يومًا ثابتة جامدة، بلّ كل الهويات عرفت نشاطًا إنسانيًا قابلًا للتغيير، وشهدت تنوّعات وتشكّلات إضافية ساعدت على الانسجام والحفاظ على الذاكرة الثقافية والإرث الإنساني، هذا الكلام قد نُسقطه على البعد الأمازيغي في شمال أفريقيا، ودور الثقافة العربية الإسلامية في تماسك الوجدان الثقافي الأمازيغي، إذ لا توجد خطيئة تاريخية إلا في نظر أهل التشدّد والتطرّف.

لقد أعاد الفرد الجزائري صياغة المكوّنات المشرقية والمتوسيطية والأفريقية، ليصنع مناعة ومقوّمات استمراره كفرد متمسّك بأرضه رغم حملات التصفية والاستئصال.

لقد عطلّت الأيدولوجيات الضيقة بكل ألوانها وأصنافها، مسار تحقيق الدمقرطة والانتقال من دائرة الخصومة والسجالات إلى جوهر التعايش والبناء.

لقد صنعت الأيديولوجيات الكثير من العمى، وعملت على خلق المناضل المتسلّط بدل المواطن المتوازن والمتنوّر والمعتدل. إن إحدى التحديات الكبرى اليوم هي تحقيق حدٍّ من التوزان والمساواة بين المواطنين، بدل التباهي بالمكتسبات الثقافية محل الإلغاء والتمييز والإقصاء.

على النخبة الوطنية اليوم، العمل جماعيًا على صياغة مشروع وطني إصلاحي يأخذ بالتنوّع اللساني والثقافي والتراثي ضمن السياقات التاريخية التي صنعته، وشكّلت مصدر تماسكه الداخلي، وتقوية كيان المجتمع الذي انصهر في التعدّد واختار التجدّد دون الذوبان والنسيان.

لقد أدخلنا تمثال شاشناق أو شيشناق بمناسبة احتفالية يناير في سجالات أنثروبولوجية وتاريخية، أعادت الحشود إلى مواقع القذف والرمي لتمتد هذه المرة إلى القاهرة، وتبلغ إلى مستوى استدعاء السياسة في قراءة التاريخ.

نعلم أن الطغيان السياسي أفسد كلّ الهويّات، وجعلها محلّ إقصاء ومطية للتسلط والحكم، لنهدر طاقتنا ومساهمتا في جعل احتفالية يناير إرثًا ثقافي متكاملًا لا يقتصر على منطقة، بل يتوسّع مضمونه الرمزي والمادي إلى كافة أنحاء الوطن حيث نتشارك في القيم والمبادئ.

لقد مرّ النضال من أجل الاعتراف الرسمي بالهوية واللغة الأمازيغية بمحطات عسيرة

 لقد مرّ النضال من أجل الاعتراف الرسمي بالهوية واللغة الأمازيغية بمحطات عسيرة، هي اليوم محل تجسيد وإقرار دستوري، والرهان  اليوم هو الانتقال إلى توحيد الناس لا تفرقهم.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

احتفالات رأس السنة الأمازيغية.. طقوس تاريخ معتّق

الجزائر تقر رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا.. نهاية الجدل؟