تندوف في مهبّ الإهمال الثّقافيّ

تندوف في مهبّ الإهمال الثّقافيّ

مجسم بولاية تندوف (الصورة: ويكيبيديا)

ما أن حطّت بنا الطّائرة في مطار تتدوف التّي تقع على بعد 1750 كيلومترًا إلى جنوب الجزائر العاصمة، حتّى بدأتُ أشرع في رصد حاجاتها إلى مرافق وبرامج فنّيّة وثقافيّة وترفيهيّة. وحدث أن كان أوّل مشهد واجهني بعد دخولي إلى المدينة التّي تجمع تركيبتها السّكّانيّة ثلاث تنويعات هي السّكّان المحلّيّون والسّكّان الوافدون للتّجارة والوظيفة والسّكّان المنتمون إلى المؤسّسة العسكريّة؛ إذ تعدّ المنطقة قاعدةً عسكريّةً كبيرةً؛ بالإضافة إلى وجود اللّاجئين الصّحراويّين، مشهدَ شابٍّ يرتدي زيَّ المهرّجين يجلس فوق الأرض على قارعة الطّريق وتحيط به نخبة من الأطفال والبنات ليسمعوا منه حكاياتٍ وألغازًا!

لماذا يجد الشّاب المقيم في تندوف الرّاغب في الانخراط في شبكات تبييض الأموال وتهريب السّلع والمتاجرة بالمخدّرات من يأخذ بيده؟

لقد كان مشهدًا مؤثّرًا ودالًّا على غياب أو تغيّب منظومة ثقافيّة وترفيهيّة، رغم وجود مديريّات ومؤسّسات حكوميّة؛ تملك ميزانيات ماليّة لغرض التكفّل الثقافيّ والفنّيّ والتّرفيهيّ بمختلف الشّرائح، خاصةً شريحة الأطفال، مثلما هو الوضع في بقيّة الولايات، لكن يمكن للمقيم في المدينة ولزائرها أن يرصد عشرات الأدلّة على فشلها في القيام بما وجدت من أجله.

اقرأ/ي أيضًا: جراد يدعو إلى الاستثمار في قطاع الثقافة

هنا تطرح هذه الأسئلة نفسها: على أيّ أساس يتمّ تعيين مدراء وإطارات قطاعات الثّقافة والفنون والشّباب والرّياضة في ولايات الجنوب الجزائريّ؟ هل تعبث المؤسّسة العسكريّة ذات الحضور البارز في المنطقة؛ عند تعيين مسؤوليها والقائمين على شؤونها، مثلما تعبث المؤسّسة المدنيّة؟ فلا تتحرّى أصحاب الكفاءات والمالكين لرؤى وبرامج من شأنها الاستثمار في المكان والإنسان؛ ولا تتابع أداءاتهم من موسم إلى آخر؟ ما بال المجتمع المدني في تندوف يؤسّس جمعياتٍ ومنظّمات وهيئاتٍ، ثمّ يترك معظمها حبرًا على ورق؛ رغم تلقّيها دعمًا دوريًّا من الحكومة والسّلطات المحلّية؟ وما يوجد من جمعيات نشيطة وجادّة متروك بلا دعم شعبيّ ولا رفد إعلاميّ؟

لماذا يجد الشّاب المقيم في تندوف الرّاغب في الانخراط في شبكات تبييض الأموال وتهريب السّلع والمتاجرة بالمخدّرات من يأخذ بيده؟ بينما لا يجد ذلك الرّاغب في أن يكون فنّانًا أو رياضيًّا؛ رغم أن الجهات التّي ترعى الأوّل خفيّة وغير معروفة العناوين، في مقابل كون الجهات التّي ترعى الثّاني معروفةً ومعلنًا عنها من طرف الحكومة نفسها؟ لماذا لم يَعنِ لنا شيئًا مرور عقود كثيرة من الاستقلال، من غير أن تتمكّن هذه الجهات من أن تهدي للمشهدين الثّقافيّ والرّياضيّ نجومًا؛ رغم ثراء المنطقة بالشّباب المؤهّلين؟

التقيت نخبةً من هؤلاء. وسمعت منهم ما يثير الاشمئزاز بخصوص الجفاف والجفاء اللّذين يُعاملون بهما من طرف القائمين على بعض المؤسّسات التّي وجدت أصلًا لترعاهم وتحميهم وتمكّنهم من تطوير ذواتهم وأدواتهم. وقد قال لي أحدهم: تندوف ليست منطقة ظلّ؛ في الحقول المتعلّقة بالتّنمية البشرية؛ ذلك أنّ هناك مظاهر تنمية اقتصاديّة، بل هي منطقة جحيم.

سألت نخبةً من الأصدقاء النشطاء الثقافيين: أليس من حق تندوف وهي منسوبة لغزارة الماء (تن: الينبوع. دوف: الغزارة. وورد في كتاب المسالك والممالك للبكري أن اسمها منسوب لبئر ثمندوس) أن تكون غزيرةً ثقافيًا على أيديكم، فتضيف إلى ما تعرفه من تنشيط للمحيط وما يرافقه من مهرجانات وطنية مثل مهرجان المقّار للصناعات التقليدية ومهرجان سباق الإبل ومهرجان موسيقى الديوان، مهرجانًا دوليًّا في فنّ من الفنون، فتصبح معروفةً به؟

لمست ميلهم إلى أن يكون مهرجانًا سينيمائيًّا؛ من زاوية  قدرة السّينما على إغراء الضّيوف والسّكّان معًا بالانخراط والمشاركة، وإغراء الإعلام الدّوليّ بالمواكبة، وإطلاق مشروع مدينة سينيمائيّة في المنطقة الثّرية بالشّمس والماء والهواء تمامًا كما هو الأمر في ورزازات المغربية. بكلّ ما يترتّب عن المشروع من مكاسب ثقافيّة وفنّيّة وتجاريّة ودبلوماسيّة. على أن يكون شراكةً بين المؤسّسة الثّقافيّة الحكوميّة والسّلطات المحلّيّة والمجتمع الثّقافيّ المدنيّ ورأس المال الخاصّ؛ حتّى يستطيع استقطاب الوجوه والإنتاجات العالميّة الوازنة التّي تمنحه الألقَ الكافي.

ويكون ذلك مقدمةً لشروع المنظومات المعنية في استرجاع الملامح المعماريّة للمدينة. فهي توشك على أن تفقد قصباتها الثلاث منها قصبة الرماضين التّاريخيّة؛ وتتحوّل إلى مجرّد كتلة من الإسمنت والحديد اللّذين هيمنا عليها، في ظلّ وفرة المال غير المثقّف، وغفلة السّلطات عن مراقبة عمليات البناء والتّرميم.

زرت مدينة دوز في الجنوب التّونسيّ. ولمست حفاظ التّوانسة على سوق المدينة الذّي شيّدته فرنسا عام 1911. فبقي يلعب دورًا تجاريًّا وسياحيًّا وثقافيًّا يوميًّا. وهو الدّور الذّي يمكن أن يلعبه سوق المقار في تندوف (حملت قاعة الموقار في الجزائر العاصمة اسمه) تمامًا كما لعبه في الماضي. فقد بات فضاءً معطّلًا ومنهوبًا.

لقد كنّا قادرين على أن نجعل معطى كون سكّان مدينة تندوف، عسكريّبن ومدنيّين، من الجهات الأربع للجمهوريّة؛ خادمًا لصالح تكريس مدينة ذات خصوصيّة اجتماعيّة وثقافيّة ومعماريّة، بما يحعل منها حاضرة إشعاعٍ لا اجتماعٍ فقط، حتّى تكون في مستوى تمثيل المصالح الوطنيّة قاريًّا ومغاربيًّا في واحدة من أكثر جغرافياتنا تحدّيًا. ولا ينبغي أن نضيف إلى تأخّراتنا السّابقة عن ذلك تأخّرًا جديدًا.

ما معنى أن تستطيع مدينة نشأت في القرن الخامس عشر أن تفرض نفسها بصفتها فاصلةً مغاربيّة وأفريقيّة مؤثّرة؛ على مدار خمسة قرون؛ ثمّ تصبح عاطلةً عن ذلك

سؤال: ما معنى أن تستطيع مدينة نشأت في القرن الخامس عشر، في طريق الملح وريش النّعام وأنياب الفيلة لدواعٍ تقوم على التّبادل التّجاريّ والحضاريّ والعلميّ والثّقافيّ أن تفرض نفسها بصفتها فاصلةً مغاربيّة وأفريقيّة مؤثّرة؛ على مدار خمسة قرون؛ ثمّ تصبح عاطلةً عن ذلك؛ رغم أنّ حاجتنا الوطنيّة، اليوم، إلى أن تلعب ذلك الدّور باتت أكثر إلحاحًا وضرورةً؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

وزيرة الثقافة: تصنيف مدينة مليانة ضمن القطاعات المحفوظة في الجزائر

وفق برتوكول صحي.. إعادة فتح المؤسسات الثقافية