ultracheck
ثقافة وفنون

ثاني أقدم زيتونة في العالم.. هنا مهد القديس أوغسطين ومحراب خلوته الروحية

14 أبريل 2026
أوغسطين
طاهر حليسي
طاهر حليسي الجزائر

في سوق أهراس شرقي الجزائر، تلتقي الذاكرة التاريخية بالرمز الثقافي عبر ثلاثة مواقع تستقطب الزوار، في مقدمتها مدينة مادور العريقة، موطن أبوليوس المادوري صاحب أقدم رواية في التاريخ "الحمار الذهبي"، وتُعرف أيضًا بأنها مسقط رأس الكاتب الطاهر وطار، أحد أبرز أعلام الرواية الجزائرية، صاحب "اللاز" و"عرس بغل"، كما تضم المنطقة مدينة خميسة، المعروفة تاريخيًا باسم "تيبرسوكوم نوميداروم"، والتي ارتبطت باسم القائد الأمازيغي تاكفاريناس، أحد أبرز رموز المقاومة في شمال إفريقيا خلال الحقبة الرومانية. أما المعلم الثالث، فهو شجرة زيتون عملاقة يُعتقد أن اسمها القديم يعني "سوق الأسود".

أما تلك الشجرة المنسوبة إليه، فقد ظلت على مدار عصور طويلة محجا للزوار، حيث تشير دراسات أمريكية أجريت تزامنا مع ذكرى ميلاد القديس رقم 1600، أنها تعود لزمن موغل في القدم يعود إلى 2900 سنة.

يحتفي سكان ولاية سوق أهراس بالزوار فيوجهونهم إلى زيارة هذه الزيتونة العملاقة التي تعد واجهةً بريديةً، وما من سبب وراء ذلك سوى أن ظلها الوارف كان خلوةً فكريةً ودينية وروحيةً لشخصية عظيمة كانت علامةً فارقةً في منحى الفكر الفلسفي البحت والديانة المسيحية، لذا تسمى زيتونة القديس أوغسطين.

ظل القديس

يقول نجم الدين جوامع مسؤول المواقع الأثرية المصنفة في ولاية سوق أهراس لـ"الترا جزائر": "ولد القديس سان أوغسطين، العام 354 ميلاديا في سوق أهراس التي كانت تسمى قديما تاقست، من أم كاثوليكية وهي سانتا مونيكا وأب وثني تحول للمسيحية في آخر أيامه.

درس أولى مراحل تعليمه هنا، قبل أن ينتقل إلى مدارس مادور الشهيرة للتعمق في الأدب الكلاسيكي واللغة اللاتينية قبل أن يرحل إلى قرطاج في سن السابعة عشرة، ثم إلى ميلانو بإيطاليا، أين بلغ أعلى الدرجات العلمية، وبرع في الفلسفة والديانة المسيحية، وقد عاد إلى إفريقيا أين تولى منصب أسقف هيبون عنابة مدة تفوق ثلاثين عامًا".

لم يكن أوغسطين مجرد لاهوتي مسيحي بارز، بل كان فيلسوفا وخطيبا مفوها، وأسقفا ترك بصمات لا تُمحى على العقيدة المسيحية والفلسفة،

ويضيف متابعًا: "لم يكن أوغسطين مجرد لاهوتي مسيحي بارز، بل كان فيلسوفا وخطيبا مفوها، وأسقفا ترك بصمات لا تُمحى على العقيدة المسيحية والفلسفة، وما زالت كتاباته، وعلى رأسها "الاعترافات" و"مدينة الله"، تشكل حجر زاوية في فهم العلاقة بين الإيمان والعقل، وطبيعة النفس البشرية، ومسار التاريخ الإنساني".

أما تلك الشجرة المنسوبة إليه، الواقعة غير بعيد عن ضريح سيدي مسعود، فقد ظلت على مدار عصور طويلة محجًا للزوار، حيث تشير دراسات أجراها مخبر البروفيسور دوغلاس بولاية أريزونا الأمريكية، العام 1953 تزامنا مع ذكرى ميلاد القديس رقم 1600، أنها تعود لزمن موغل في القدم يعود إلى 2900 سنة، لتكون بذلك واحدة من أقدم زيتونات العالم وبعمر يقارب الثلاثة آلاف سنة، مسبوقة بزيتونة في تركيا هي الأقدم بعمر يناهز 5 ألاف سنة.

وتثبيتا للارتباط بين الفيلسوف وتلك الشجرة التي سبقت ميلاده بزمن، يضيف جوامع: " تحت جذوع هذه الشجرة أمضى الفتى أوغسطين شطرًا من حياته، حيث كان يجلس عند مصطبتها متأملًا ومتبادلًا الرسائل مع أصدقائه، وحتمًا أنجز كل تلك الأفكار، خلال عودته لمسقط رأسه، من وحي موقعها الذي يتربع فوق ربوة تطل على تاقست القديمة".

ويعقب أكرم بوعشة الباحث في التاريخ القديم ومؤلف أربعة أعمال بينها مؤلفان حول أبوليوس المادوري، وماكسيم  المادوري أستاذ أوغسطين قائلًا لـ " الترا جزائر": " علاوة على مرحلة الطفولة، قضى أوغسطين أربعة أعوام كاملة في تاقست امتدت بعد عودته من ميلانو، بين 387 حتى 391 ميلاديا، وتحت تلك الشجرة كتب رسائله لماكسيم المادروي، وأدار سجالات فكرية و محاورات عقائدية على أربع جبهات ضد خصومه من طوائف المانويين و الدوناتيين و البيلاجيين و الأكاديميين المتشككين". 

البابا تحت الزيتونة

ألّف القديس الذي مر بمرحلة مجون خلال شبابه بقرطاج قبل أن يعيد اكتشاف ذاته لاهوتيا، ما يربو عن 200 كتاب، أنجز بعضها وخاصة رسائله مع ماكسيم المادوري عالم النحو المقيم بمداوروش المجاورة، تحت ظلالها الوارفة وأغصانها العتيقة.

دأب سكان مدينة سوق أهراس منذ عقود طويلة على مشاهدة سياح أجانب يداومون على زيارتها في تتبع لمسار أوغسطين الخالد عبر هذه الربوع المقدسة لديهم، والممتدة عبر الزيتونة المباركة، وتاورة، ومادور

دأب سكان مدينة سوق أهراس منذ عقود طويلة على مشاهدة سياح أجانب يداومون على زيارتها في تتبع لمسار أوغسطين الخالد عبر هذه الربوع المقدسة لديهم، والممتدة عبر الزيتونة المباركة، وتاورة، ومادور، و بين هؤلاء بابا الفاتيكان الحالي ذو الأصول الأمريكية، ليون الرابع عشر الذي زارها قبل أعوام خلاله إشرافه على تمثيل الأوغسطينيين، في ملتقى دولي أقيم بسوق أهراس، وكانت تلك ثاني زيارة له للبلاد حيث حط أيضًا بعنابة في زيارة شخصية لكنيسة القديس أوغسطين، قبل ترفيعه لسدة الفاتيكان. ويروي سكان من مدينة سوق أهراس لـ "الترا جزائر"، أن كثيرا من السياح الكاثوليكيين كانوا يقتطعون تبركًا، أغصانًا من زيتونة أوغسطين، بغرض زراعتها في مواطنهم الأصلية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وبخاصة في مدينة أوستيا الإيطالية التي ترتبط بعلاقة وجدانية معه.

استثمار دبلوماسي

ركزت السلطات الجزائرية بخاصة في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الاستثمار الدبلوماسي في ابن مدينة سوق أهراس، فأقيم له ملتقى دولي في العاصمة وعنابة العام 2001، بالتعاون مع جامعات سويسرية، وأنشأت بالقرب من تلك الشجرة متحفًا يحتوي لوحات نحاسية جلبت من تيبازة تروي مراحل من حياته مثل جلوسه مع والدته القديسة مونيكا ووفاته، فضلًا عن جدارية فسيفسائية عمرها 10 قرون، و يضم متحف الزيتونة أيضًا شواهد تعريفية لأقربائه و تلامذته و شخصيات منتمية لمجاله الثقافي والجغرافي مثل أفلوطين وأبوليوس المداوروشي.

وخلال العام 2025 شهد الموقع إعادة تأهيل واسعة أطلقتها ولاية سوق أهراس، عبر ميزانية تزيين و تجميل، لاستقبال السياح المتقاطرين من كل أنحاء العالم، و شكل انتقاله من ملكية البلدية إلى مديرية الثقافة نقلة نوعية، أتاحت له اكتساب الصبغة الثقافية، و تبعًا لذلك يوضح جوامع لـ " الترا جزائر": " ثمة اهتمام متزايد بالموقع نظرا للقيمة الفكرية والدينية والفلسفية للرجل على صعيد العالم، و قد قامت لجنة ولائية بإعداد ملف لتصنيفه ضمن سجل الجرد الإضافي بغرض تقديمه للجنة الوطنية للممتلكات الثقافية و الهدف تصنيفه معلمًا وطنيًا".

غصن سلام

شهدت سنوات أوغسطين الأخيرة حدثًا كارثيًا، وهو غزو الوندال لشمال إفريقيا. ففي عام 429م، عبر الوندال، وهم قبيلة جرمانية تتبع المذهب الآريوسي، مضيق جبل طارق واجتاحوا المقاطعات الرومانية. وفي عام 430م، حاصروا مدينة هيبون.

عاش أوغسطين، الذي كان يبلغ من العمر 75 عامًا، أشهره الأخيرة وهو يشهد انهيار العالم الروماني الذي عرفه. وبحسب تلميذه وكاتب سيرته بوسيديوس، فقد قضى أيامه الأخيرة في الصلاة والتوبة، طالبًا أن تُعلّق مزامير التوبة على جدران غرفته ليقرأها ويبكي.

 توفي القديس أوغسطين في 28 أغسطس عام 430م، خلال الشهر الثالث من الحصار، رافضًا عروضًا بمغادرة أرضه، مفضلًا الموت بين أهله، لكن تلك الشجرة لم تمت، بل لا تزال خضراء وارفة تنبض بالحياة.

شهدت سنوات أوغسطين الأخيرة حدثا كارثيا، وهو غزو الوندال لشمال إفريقيا. ففي عام 429م، عبر الوندال، وهم قبيلة جرمانية تتبع المذهب الآريوسي، مضيق جبل طارق واجتاحوا المقاطعات الرومانية

وفي قراءةٍ رمزيةٍ جامعة، يختم مسؤول المواقع الأثرية في سوق أهراس قائلًا:" تنتصب هذه الزيتونة المباركة شاهدًا حيًّا على عراقة ثاغست، وحارسًا أمينًا لذاكرة المدينة الضاربة في الزمن. تُجسّد هذه الشجرة، في موروثنا الثقافي، صلةً حميمةً بذلك العصر الذي عاش فيه أوغسطينوس، فيلسوف الإنسانية، الذي انطلقت أفكاره من هذه التربة لتُضيء دروب المعرفة عبر القرون، كما تمثّل الزيتونة امتدادًا حضاريًا يربط جذور الماضي بآفاق المستقبل، وتعبيرًا رفيعًا عن قيم السلام والحكمة التي نادى بها ابن ثاغست. إنها ميراث إنساني يجمع البشر على محبة الجمال والحقيقة، ويستحضر عبقرية المكان الذي أهدى للتاريخ أحد أعظم العقول، بخاصة وأن غصن الزيتون هو رمز كوني للمحبة والسلام بين شعوب البحر المتوسط".

سياحة دينية

وفي استثمارٍ لافت لهذا الإرث الفكري والروحي، بادرت السلطات الجزائرية، عبر وزارة الثقافة، منذ أيام، إلى اقتراح "المسارات الأوغسطينية" على منظمة اليونسكو عبر لجنة خبراء متخصصة، وهي مسالك ثقافية تمتد على نحو 1500 كلم. وتتموقع سوق أهراس، بزيتونتها المعمّرة، ضمن هذا الدرب بين خميسة ومادور، في خطوة واعدة لتعزيز السياحة الدينية واستقطاب آلاف الحجاج الكاثوليك سنويًا، على غرار مسارات حجيج سانتياغو دي كومبوستيلا الواقعة شمال غرب إسبانيا، والتي يزورها سنويا ما يناهز نصف مليون حاج مكمل للمسار، فيما يقدر عدد السياح الإجمالي 1.5 مليون شخص، يدرون مدخولا يفوق مليار يورو.

وبحسب ملاحظين، تكرس مبادرة الاستثمار في الإرث الأوغسطيني الجزائر أرضًا للعراقة والتسامح، وفضاءً حيًّا لحوار الديانات، حيث تلتقي الجذور الروحية مع آفاق الانفتاح الإنساني، وتصنع لها صورة ذهنية جذابة في مخيال العالم.

 

الكلمات المفتاحية

معارض

الجزائر.. دار "الكتاب" تفجّر جدلًا حول اختيار الناشرين للمعارض الدولية

وأشارت دار الكاتبللنشر إلى وجود "تمييز في إبلاغ الناشرين" بخصوص هذه التظاهرات الثقافية، حيث – بحسب البيان – لم يتم إعلام سوى عدد محدود من الناشرين المقربين


عبد المجيد مسكود

رحيل عبد المجيد مسكود.. صوتُ الجزائر الشعبية يترجّل بعد نصف قرن من الغناء

توفي، اليوم الخميس، عبد المجيد مسكود، أحد أبرز أعمدة الأغنية الشعبية العاصمية، عن عمر ناهز 73 سنة، بعد صراع طويل مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا ارتبط بذاكرة العاصمة الجزائرية وأحيائها الشعبية، وبصوتٍ ظلّ لعقود يروي حنين المدينة وتحولاتها.


كمال زرارة

كمال زرارة.. فنان زرع البسمة 35 عامًا وغادر الحياة بطريقة صادمة

الراحل كمال زرارة كان بصدد أداء دوره في فيلم "مفاتيح"، قبل أن يطلب فسحة قصيرة لسحب مبلغ مالي وإرساله إلى عائلته بباتنة، غير أن القدر باغته داخل البنك،


نبيل عسلي

حوار | نبيل عسلي: قصة "الرباعة" انتهت.. وأنا مع منح قاعات السينما للخواص

في هذا الحوار، مع "الترا جزائر" يتحدث الممثل نبيل عسلي، نجم الكوميديا الأول في الجزائر، عن حضوره لمهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، ورؤيته لدور المهرجانات في دعم الثقافة والسينما، كما يتطرق إلى واقع الصناعة السينمائية في الجزائر وأسباب نجاح الأعمال الدرامية الحديثة.

مناورات الجيش الجزائري
اقتصاد

بشرق البلاد.. الجيش الجزائري ينفذ تمرينين تكتيكيين بصواريخ مضادة للسفن

حسب بيان لوزارة الدفاع الوطني، فقد تضمن التمرين البحري تنفيذ رمي بصاروخ مضاد للسطح نفذه غراب متعدد المهام تابع للواجهة البحرية الشرقية، فيما شمل التمرين الجوي رميًا حقيقيًا لصاروخ مضاد للسفن نفذته مقاتلات جوية متعددة المهام.

يوسف بلايلي
رياضة

هل انتهت رحلة يوسف بلايلي مع الترجي التونسي؟

ومن المنتظر، أن يصبح بلايلي لاعبًا حرًا بداية من 1 جويلية/يوليو المقبل، ما يمنحه حرية التفاوض مع أي نادٍ دون قيود، في حال عدم التوصل إلى اتفاق لتمديد العقد مع فريق الترجي التونسي.


بنجامين ستورا
أخبار

ستورا يحذّر من صعود اليمين المتطرف في فرنسا.. ماذا توقّع بشأن العلاقات مع الجزائر؟

وقال ستورا، إن التحدي الأكبر في المستقبل لن يكون سياسياً أو اقتصادياً فقط، بل ثقافياً بالأساس، في ظل محاولات متزايدة لإعادة قراءة التاريخ الاستعماري من منظور يرفض الاعتراف أو الاسترجاع.

القمح
أخبار

الجزائر تشتري كمية جديدة من القمح.. ماذا عن الأسعار والكميات؟

أشارت التقديرات الأولية إلى أن سعر القمح تراوح بين 284 و285 دولاراً للطن شاملاً تكاليف الشحن إلى ميناء مستغانم، فيما بلغ نحو 292 دولاراً للطن بالنسبة للشحن نحو ميناء تنس،

الأكثر قراءة

1
أخبار

بحضور أحمد عطاف.. القاهرة تحتضن اجتماعًا جزائريًا-مصريًا-تونسيًا بشأن ليبيا


2
أخبار

الأضاحي المستوردة.. إليك تفاصيل الشحنات والسفن من 6 دول نحو الجزائر


3
أخبار

بعد "هانتا".. استنفار صحي في الجزائر لمواجهة فيروس جديد


4
أخبار

وزيرة فرنسية سابقة تنتقد تأخر باريس في مراجعة علاقتها مع الجزائر


5
أخبار

لا استيراد يتجاوز القدرات المالية.. بنك الجزائر يشدد الرقابة على تمويل الواردات