ultracheck
مجتمع

ثقافة "الباروداج" في الجزائر.. ماذا كشفت مأساة دار الطفولة المسعفة ؟

18 يوليو 2026
فاجعة مؤسسة الطفولة المسعفة المحمدية
فاجعة مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية
فتيحة زماموش
فتيحة زماموش إعلامية وباحثة من الجزائر

تداولت بعض الصور آخر اللحظات التي شهدتها دار الطفولة المسعفة بمنطقة "المحمدية" بالجزائر العاصمة، بعدما حاصرت ألسنة اللهب قاطنيها إثر الحريق الذي اندلع في مبنى المؤسسة فجر يوم الخميس 16 جويلية/ يوليو الجاري.

وأظهرت الصور نوافذ المبنى المسيجة بحواجز حديدية المعروفة شعبيًا بـ"الباروداج"، وخلفها عددٌ من الأطفال وسط تصاعد النيران التي التصقت بأجسادهم الطرية.

هذه اللحظات المؤثرة والقاسية أثارت موجة واسعة بين الحزن والصدمة، بعد أن أودى الحياة بحياة 11 طفلًا وإصابة 19 شخصًا بحروق متفاوتة الخطورة.

حالات الطوارئ

لقد أعادت هذه الصور السؤال حول الإغلاق الحديدي الذي يستخدم عادة لحماية الأطفال في مثل هذه المؤسسات، ومنع تعرضهم للسقوط أو مغادرة المبنى من دون رقابة، ومدى توافقها مع متطلبات السلامة في حالات الطوارئ.

أكدت تحقيقات المديرية العامة للأمن الوطني أن شرارة كهربائية انطلقت من مكيف هوائي، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام الأخيرة، فإن الجدل الذي أعقب الحادث تناول مدى جاهزية المبنى للاستجابة لمثل هذه الطوارئ.

وفي هذا السياق برزت تساؤلات حول ما إذا كانت بعض وسائل الحماية والتحصين ومنها الحواجز الحديدية، قد أثرت في سرعة عمليات الإخلاء أو الإنقاذ، فضلا عن الظروف التي قد تكون ساهمت في سرعة انتشار النيران أوصعوبة عمليات الإنقاذ.

بعيدًا عن مسببات الحادث الأليم فإن الكثيرين أثاروا معضلة معايير السلامة في المباني عمومًا، من دون تحميل أي عنصر بعينه مسؤولية ماجرى، كما تناول البعض هذه الفاجعة من خلال حدود التوازن بين متطلبات الحماية الأمنية ومتطلبات الإنقاذ في حالات الطوارئ.

ولفت البعض إلى موضوع "البارادوج" الذي حال دون تمكين محاولات المواطنين الساكنين بالقرب من دار الطفولة المسعفة، من النجاح في الدخول للمركز فور نشوب الحريق من خلال فتحات النوافذ المغلقة بإحكام بسبب السياج الحديدي، وإنقاذ القاطنين فيها، علاوةً عن محاولات حثيثة ونداءات للمواطنين لجلب وسائل شحذ الحديد وتقطيعه لإخراجهم، لكن للأسف الفاجعة كانت عظيمة.

بعيدًا عن مسببات الحادث الأليم فإن الكثيرين أثاروا معضلة معايير السلامة في المباني عمومًا، من دون تحميل أي عنصر بعينه مسؤولية ماجرى، كما تناول البعض هذه الفاجعة من خلال حدود التوازن بين متطلبات الحماية الأمنية ومتطلبات الإنقاذ في حالات الطوارئ.

 إرث اجتماعي من سنوات الأزمة

تعيد هذه الفاجعة رواية حكاية الجزائريين المريرة مع "السياج الحديدي" لسنوات طويلة حتى باتت المدن عبارة عن سكنات مغلقة بسياج.. فما سبب ذلك؟

تحول "الباروداج" إلى عنصر مهم في المعمار الجزائري، إذ يقدمه المهتمون بمجال علم الاجتماع العمراني على أنه "ظاهرة اجتماعية وثقافية" نشأت في سياق الخوف والرهاب الاجتماعي الذي عانت منه الأسر في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي.

وفي سياق الظروف الأمنية الصعبة التي عانت منها لسنوات طويلة، تحول "الباروداج" من خيار هندسي إلى ممارسة اعتيادية دفعت كثيرا من الأسر إلى البحث عن وسائل إضافية لحماية مساكنها، قد تتعارض اليوم مع متطلبات السلامة، لكنه أصبح جزء من المشهد العمراني في المدن.

يرى مهتمون بالشأن الاجتماعي أن انتشار "الباروداج" يرتبط بالتحولات التي عرفتها الجزائر،  كما تكرس خلال سنوات العنف والدم والدموع، حيث أصبح تركيب الحواجز الحديدية على التوافذ والشرفات تعبيرا عن الحاجة إلى الأمان أكثر منه كتعديل في تصميم المباني.

وتقول الأستاذة الجامعية الباحثة في علم الإعلام والمجتمع حسينة بن الشيخ إنّ " السياج هو الميراث السيء من العشرية السوداء، فقبل بداية الأزمة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، مازالت ذاكرتي الطفولية تحتفظ بشرفات جميلة تزينها الورود".

وأضافت في إفادة لـ" الترا جزائر" أنه "بعد عشرية سوداء، غرقنا في سنوات من البلطجة واللصوصية جعلت من السياج أول ما ينجز في البيوت؛ قبل السكن ".

ومع مرور الزمن أصبح "الباروداج" ذاكرةً اجتماعيةً تشكلت في سياقات اتسمت بالخوف وانعدام الأمن، حيث تحول الحديد إلى رمز للحماية من السرقة والاعتداءات.

غير أن تغير السياقات يفرض مراجعة مستمرة لهذه الممارسات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمباني التي تستقبل الأطفال أو الفئات الأكثر هشاشة، حتى لا تتحول وسائل الحماية إلى عوائق أمام النجاة في الظروف الاستثنائية.

خيار أمني

خلال فترة العشرية السوداء وما أعقبها انتشرت وسائل التحصين الفردي من قبل العائلات، فصنعت التوافذ والأبواب الحديدية كجزء من الحياة اليومية، ومع مرور الزمن، تحولت من إجراء مؤقت إلى عنصر ثابت في الثقافة العمرانية، واستمر حتى بعد تحسن الظروف الأمنية.

 الباحثة في علم الإعلام والمجتمع حسينة بن الشيخ: أصبح "الباروداج" ذاكرةً اجتماعيةً تشكلت في سياقات اتسمت بالخوف وانعدام الأمن، حيث تحول الحديد إلى رمز للحماية من السرقة والاعتداءات

وكشفت هذه الظاهرة كيف تركت الذاكرة الجماعية آثارها في تصميم المدن والمساكن والعمارات، بحيث تستمر هذه الممارسات بدافع الإحساس بالأمان أكثر من استنادها إلى تقييم دوري للمخاطر.

ووصف الباحث في علم اجتماع العمران عبد الوهاب عجاج أن التحولات العمرانية أثرت كثيرا في الحياة اليومية في الجزائر، بالإضافة إلى جانبها الأمني شملت التحولات التي شهدها المجتمع طبيعة البيئة العمرانية نفسها، فقد امتدت في كثير من المدن إلى المساحات الخضراء والفراغات المفتوحة، وغلبت الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على الجوانب الجمالية والوظيفية، كما أصبح الالتزام بمعايير السلامة الهندسية في بعض الأحيان مسألة ثانوية أمام هاجس التأمين.

وواصل قائلًا إن جودة العمران لا تقاس بقدرته على منع الأخطار الخارجية فحسب، وإنما أيضا بقدرته على حماية السكان عند وقوع الحوادث.

هل يتعارض مع السلامة؟

من خلال بعض الحوادث، يمكن أن نلاحظ وجود فارق جوهري بين الحماية من الأخطار الخارجية والحماية أثناء الطوارئ.

وعليه فإنّ ما يوفر قدرا من الأمان في الظروف العادية قد يتعرض إلى مواجهة تحديات إضافية عند الحاجة إلى الإخلاء السريع أو تدخل فرق الإنقاذ.

 الباحث في علم اجتماع العمران عبد الوهاب عجاج: جودة العمران لا تقاس بقدرته على منع الأخطار الخارجية فحسب، وإنما أيضا بقدرته على حماية السكان عند وقوع الحوادث

لهذا تؤكد المعايير الحديثة للسلامة المعروفة عالميًا على ضرورة ألا تؤدي وسائل الحماية إلى إغلاق منافذ النجاة أو تعطيل عمليات الإنقاذ، بل أن تكون جزءا من تصميم يحقق التوازن بين الأمن وسهولة الإخلاء وذلك من خلال "حلول هندسية مثل المخارج الآمنة، والأنظمة القابلة للفتح السريع" وغيرها من البدائل التي تجمع بين الوظفتين.

الفئة الأكثر هشاشة

بالعودة لفاجعة "المحمدية"، ذكرت المختصة في علم النفس ليلى طوالبية أن " الأطفال من أكثر الفئات احتياجًا إلى بيئة آمنة، لأن قدرتهم على التصرف أثناء الطوارئ محدودة".

وأضافت في تصريح لـ"الترا جزائر" أنهم يعتمدون بدرجة كبيرة على سرعة تدخل البالغين وعلى جاهزية المكان الذي يوجدون فيه.

وأوضحت أنّ الحادث الذي وقع في دار الطفولة المسعفة يتوجب تقييم معايير السلامة سواء تعلّق الأمر بمخارج الطوارئ أو خطط الإخلاء أو وسائل الوقاية.

وأكدت على أن حق الطفل في بيئة آمنة يتجاوز الحماية من الأخطار الخارجية، بل يشمل أيضا ضمان أن تكون المباني التي تحتضنه مصممة على أساس تمنحه أفضل فرصة للنجاة في أوقات الطوارئ والظروف الصعبة.

لقد كشف حادث "المحمدية" أن السياج الحديدي الذي انتشر بكثرة في المباني بالجزائر في مرحلة عصيبة، لكن اليوم باتت حماية الفرد تقتضي مراجعة مستمرة لهذه الخيارات في ضوء المعايير الحديثة للسلامة.

الكلمات المفتاحية

التدريس

من الجامعة إلى المدرسة.. ماذا تكشف مسابقة التوظيف عن التعليم؟

بين البطالة والفرصة مسافة طويلة تقاس بالانتظار وليس بالسنوات... هكذا انتهت مسابقة التوظيف في قطاع التربية الأخيرة للكشف عن مسارات طويلة من الدراسة والانتظار والبطالة، ومحاولات الآلاف البحث عن مكان في سوق العمل والاستقرا الوظيفي.


الألتراس الجزائر

من المدرجات إلى الأحياء.. جدار أشعل الخصومة بنهاية مأساوية

في حي "ديار المحصول" بمنطقة "المدنية" أو "صالومبي" سابقًا بأعالي الجزائر العاصمة؛ لم تكن المنافسة بين أنصار الأندية أمرًا جديدًا، بل تزينت المنطقة بأعلام حمراء وبيضاء كرمز شباب بلوزداد " السيار بي"، وغيرها بألوان بالأخضر والأحمر المرتبط بمولودية الجزائر "الشناوة" إلى جانب جداريات تعكس عشق السكان وخصوصًا الشباب لأنديتهم ومجموعاتهم.


عصابات الأحياء

نشر جرائم عصابات الأحياء عبر مواقع التواصل.. وعي مجتمعي أم تردد في التبليغ؟

تتدوال مواقع التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي مقاطع فيديوهات لجرائم ترتكبها عصابات الأحياء أو صورا لأحد عناصرها، يدعو عبرها أصحاب هذه المناشير للحذر من هؤلاء الأشخاص، في صورة تظهر إدراك المحتمع بحجم الظاهرة من جهة، ونقص ثقافة التبليغ من جهة أخرى بالرغم من الأجراءات الحكومية المتخذة ضد هذه العاصابات.


من يملك حق التقويم

من يملك حق "التقويم" في الجزائر؟.. جدل حول سلطة المجتمع والقانون

من الناحية القانونية، تبرز تشريعات حديثة تشدد على مكافحة خطاب الكراهية والتمييز وصون كرامة الأفراد، لا سيما القاصرين منهم، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى توافق هذا النوع من التعليقات مع هذه الضوابط، وأين يقف الخط الفاصل بين حرية التعبير عن الرأي العام والمساس بالحياة الخاصة للأفراد وأطفالهم.

التدريس
مجتمع

من الجامعة إلى المدرسة.. ماذا تكشف مسابقة التوظيف عن التعليم؟

بين البطالة والفرصة مسافة طويلة تقاس بالانتظار وليس بالسنوات... هكذا انتهت مسابقة التوظيف في قطاع التربية الأخيرة للكشف عن مسارات طويلة من الدراسة والانتظار والبطالة، ومحاولات الآلاف البحث عن مكان في سوق العمل والاستقرا الوظيفي.

قرعة الحج
أخبار

الجزائر.. هذا موعد قرعة الحج لموسم 2027

أعلنت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل إجراء قرعة الحج لموسم 1448هـ/2027م يوم السبت 15 أوت الجاري، وذلك لتحديد القوائم النهائية للمواطنين المقبولين لأداء مناسك الحج.


مقل المسافرين
أخبار

نقل الأشخاص دون رخصة.. غرامات ومحشر في انتظار المخالفين

جدّدت مصالح الدرك الوطني دعوتها لأصحاب مركبات النقل العمومي للأشخاص إلى التقيد الصارم بالأحكام القانونية والتنظيمية، خاصة بالنسبة للناقلين الذين يمارسون نشاط نقل المسافرين باتجاه المدن الساحلية، محذرة من ممارسة النشاط دون التراخيص المطلوبة وما يترتب عنها من عقوبات.

مستشفى نقاش محمد الصغير
أخبار

مستشفى بوهران يرد على فيديو متداول ويتوعد بالمتابعة القضائية.. ماذا حدث؟

وأوضحت المؤسسة، في بيان توضيحي، أن مصور الفيديو تقدم إلى المستشفى بغرض الحصول على شهادة طبية في أمراض الصدر ضمن ملف إداري، قبل أن يقوم بتصوير مقطع داخل أروقة الإدارة، ويدعي، وفق ما جاء في البيان، أن المستشفى كان فارغًا ولا وجود للعمال والأطباء، وهو ما تم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الأكثر قراءة

1
أخبار

كم تبلغ حصة الجزائر في مشروع "كفرا" النفطي بالنيجر؟


2
اقتصاد

المصالحة الجبائية.. هل نجحت الجزائر في استعادة أموال الفارين؟


3
رياضة

الترجي التونسي يكشف مفاجأة بشأن بلايلي.. ما القصة؟


4
أخبار

الجزائر تبدأ حفر بئر "كفرا" الاستكشافية في النيجر.. إليك التفاصيل


5
رياضة

من أطاح بمحرز؟.. مسؤول في الأهلي يكشف الحقيقة