ثلاثة عقود بلا تنفيذ.. لماذا ترفض أحزابٌ سياسية جزائرية عقوبة الإعدام؟
6 سبتمبر 2026
كلما هزّت الجزائر جريمة مروعة، عاد النقاش حول عقوبة الإعدام بقوة، فبين مطالب شعبية وسياسية بتنفيذ الأحكام باعتبارها شكلًا من أشكال القصاص والردع، تقف أحزاب سياسية على الضفة المقابلة، رافضة العودة إلى تنفيذ العقوبة القصوى، وإن اختلفت في خلفياتها وحججها السياسية والحقوقية.
تمنح خصوصية الوضع الجزائري بعدًا إضافيًا لهذا الجدل، فمنذ آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام سنة 1993، مرت البلاد بتحولات سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة، وظلت العقوبة موجودة في النصوص القانونية، لكن دون تنفيذ فعلي.
ويكتسب الجدل خصوصيته في الجزائر التي لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ سنة 1993، رغم بقاء العقوبة ضمن المنظومة القانونية واستمرار المحاكم في النطق بها في عدد من القضايا الخطيرة. وبعد أكثر من ثلاثة عقود من وقف التنفيذ، تجد البلاد نفسها أمام مفارقة قانونية واضحة: عقوبة موجودة في النص، وأحكام تصدر بها، لكنها غائبة عن التطبيق الفعلي.
وفي خضم النقاش الذي تجدد مؤخرًا حول العودة إلى تنفيذ الإعدام، برزت أربعة أحزاب سياسية رافضة لهذا التوجه، هي حزب العمال، وجبهة القوى الاشتراكية "الأفافاس"، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية "الأرسيدي"، وحزب جيل جديد.
ورغم اختلاف مرجعياتها السياسية، تلتقي هذه الأحزاب عند رفض العودة إلى تنفيذ العقوبة، لكن كل طرف يقدم مقاربته الخاصة للسؤال الذي ظل يثير جدلًا واسعًا: هل يمكن مواجهة الجريمة بالقتل؟
لا يمكن محاربة القتل بالقتل
يُعد حزب العمال من أبرز القوى السياسية التي تتمسك بموقف تاريخي رافض لتطبيق عقوبة الإعدام، وجددت الأمينة العامة للحزب، لويزة حنون، رفضها العودة إلى تنفيذ العقوبة، معتبرة أن الإعدام لم يثبت قدرته على القضاء على الجريمة أو الحد منها، حتى في الدول التي ما تزال تطبقه.
وتنطلق حنون من مقاربة تقوم على أن تنفيذ الإعدام لا يمثل حلًا للجريمة، بل يعكس، بحسب تصورها، فشل الدولة والمجتمع في حماية أنفسهما والوقاية من أسباب الجريمة.
ويلخص هذا التوجه الموقف الذي عبّرت عنه حنون في مناسبات سابقة بعبارة: "لا يمكن محاربة القتل بالقتل".
اقرأ أيضًا: حرائق جيجل تفتح ملفًا مؤجلًا منذ 1993.. هل تُفعّل عقوبة الإعدام في الجزائر؟
وبذلك، يضع حزب العمال النقاش في سياق أوسع من العقوبة نفسها، إذ يدفع نحو البحث عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تقف وراء الجرائم، بدل التركيز على العقوبة بعد وقوعها.
فبالنسبة للحزب، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن مرتكبي الجرائم أو الدعوة إلى التساهل معهم، بل بالتشكيك في فعالية الإعدام باعتباره وسيلة للردع، والبحث عن سياسة جنائية تقوم على الوقاية ومعالجة الجذور.
الحق في الحياة لا يخضع للغضب
من جهتها، أعلنت جبهة القوى الاشتراكية "الأفافاس"رفضها العودة إلى تنفيذ عقوبة الإعدام، مؤكدة تمسكها بموقف مبدئي مناهض للعقوبة.
ويركز موقف الحزب على البعد الحقوقي، إذ يرى أن التشريع في القضايا المرتبطة بالحق في الحياة لا ينبغي أن يكون رد فعل على الغضب الجماعي أو نتيجة للصدمة التي تخلفها الأحداث المأساوية.
وفي هذا السياق، شدد الأمين الوطني الأول للأفافاس، يوسف أوشيش، على أن رفض تنفيذ الإعدام لا يعني بأي حال من الأحوال تبرئة المجرمين أو السماح لهم بالإفلات من العقاب.
ويطرح الحزب هنا تمييزًا بين أمرين، رفض العقوبة القصوى من جهة، وضرورة ضمان عقوبات صارمة وفعالة من جهة ثانية.
كما ينطلق موقف الأفافاس من تخوف مرتبط بالطبيعة النهائية لعقوبة الإعدام، إذ لا يمكن تصحيح نتائجها في حال وقوع خطأ قضائي، مهما ظهرت لاحقًا أدلة تثبت براءة الشخص الذي نُفذ فيه الحكم.
وبالنسبة للحزب، فإن حماية المجتمع لا تستوجب بالضرورة منح الدولة حق إنهاء حياة المدان، خصوصًا في ظل وجود عقوبات بديلة، مثل السجن المؤبد، يمكن أن تحمي المجتمع وتضمن عدم إفلات مرتكبي الجرائم الخطيرة من العقاب.
معارضة مبدئية ومطلب قديم بالإلغاء
أما التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية "الأرسيدي"، فيتبنى واحدًا من أكثر المواقف وضوحًا وقدَمًا في رفض عقوبة الإعدام.
فالحزب لا يكتفي برفض العودة إلى تنفيذ العقوبة، بل يؤكد أن موقفه مبدئي، وسبق أن ترجم سياسيًا من خلال مبادرة برلمانية لإلغائها.
ويذكّر الحزب بأن نائبًا عنه تقدم سنة 2008 بمقترح قانون يرمي إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ما يعكس أن موقفه لا يرتبط فقط بالظرف السياسي الحالي أو بالجدل الذي يرافق الجرائم الأخيرة.
وفي موقفه المتجدد، اعتبر الأرسيدي أن طرح عقوبة الإعدام أو تشديدها في سياق الكوارث والحرائق يمثل ردًا غير ملائم، لأن مثل هذه المآسي تتطلب، حسب رؤيته، سياسات وقائية واستباقية، وحماية أفضل للسكان، وتحديدًا دقيقًا للمسؤوليات، إلى جانب جبر أضرار المتضررين، ويرى الحزب أن تشديد العقوبات لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن السياسات العمومية.
وهنا يختلف الأرسيدي عن المقاربات التي تجعل العقوبة محورًا رئيسيًا لمواجهة الأزمات، إذ يدفع نحو مساءلة منظومات الوقاية والاستباق والجاهزية، بدل حصر النقاش في مصير الأشخاص المتورطين بعد وقوع الكارثة.
وبذلك، يجمع موقف الحزب بين البعد الحقوقي الرافض للإعدام والبعد السياسي الذي ينتقد الاعتماد على العقوبات المشددة بدل معالجة الاختلالات التي تسمح بوقوع الكوارث والجرائم.
الإبقاء على التجميد والحوار الوطني
بدوره، أعلن حزب جيل جديد رفضه العودة إلى تطبيق حكم الإعدام، لكنه يقدم مقاربة مختلفة نسبيًا عن الأحزاب الأخرى.
فالحزب يدعو إلى الإبقاء على تجميد تنفيذ العقوبة، ويرى أن مسألة بحجم عقوبة الإعدام لا ينبغي أن تحسم في سياق ظرفي أو كرد فعل مباشر على أحداث مأساوية.
وبحسب موقف الحزب، فإن قضية الإعدام تستوجب حوارًا وطنيًا جادًا يشرك المجتمع بأكمله، ويأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد القانونية والأخلاقية والسياسية المرتبطة بفلسفة الدولة والجمهورية.
ولا يتوقف موقف جيل جديد عند السؤال التقليدي حول الردع والعقاب، بل يطرح مسألة أوسع تتعلق بكيفية اتخاذ القرارات الكبرى التي تمس الحق في الحياة.
فمن وجهة نظر الحزب، لا يمكن أن يكون تعديل السياسة الجنائية في قضية بهذا الحجم استجابة لضغط اللحظة أو لمشاعر الغضب الشعبي، بل ينبغي أن يكون نتيجة نقاش مجتمعي عميق.
وهنا يلتقي الحزب مع بقية الرافضين للإعدام في رفض العودة إلى التنفيذ، لكنه يمنح الحوار الوطني مكانة مركزية في تحديد مستقبل هذه العقوبة.
هل يحقق الإعدام الردع؟
يبقى الردع من أبرز الحجج التي يقدمها المدافعون عن تنفيذ عقوبة الإعدام. فأنصارها يرون أن بعض الجرائم تبلغ من الخطورة درجة تجعل العقوبات السجنية غير كافية، وأن وجود العقوبة القصوى يمكن أن يمنع آخرين من التفكير في ارتكاب جرائم مماثلة.
لكن الأحزاب الرافضة تطرح سؤالًا معاكسً، هل أثبت الإعدام فعلًا قدرته على منع الجريمة؟، فبالنسبة إلى حزب العمال، لم تثبت التجارب أن تطبيق العقوبة أدى إلى القضاء على الجريمة، وهو ما يجعل التركيز على تنفيذ الإعدام، وفق هذا المنطق، حلًا بسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا.
كما يرى الرافضون للعقوبة أن كثيرًا من الجرائم لا يرتكب بعد حساب عقلاني للعقوبة، بل يقع في لحظات غضب أو اضطراب أو تحت تأثير المخدرات أو في ظروف اجتماعية ونفسية معقدة.
ثلاثة عقود من التجميد
تمنح خصوصية الوضع الجزائري بعدًا إضافيًا لهذا الجدل، فمنذ آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام سنة 1993، مرت البلاد بتحولات سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة، وظلت العقوبة موجودة في النصوص القانونية، لكن دون تنفيذ فعلي.
وبالنسبة للأحزاب الرافضة، فإن استمرار التجميد لأكثر من ثلاثة عقود يطرح سؤالًا منطقيًا: إذا كانت الدولة والمجتمع قد استمرا كل هذه السنوات دون تنفيذ الإعدام، فما الذي يجعل العودة إليه ضرورة اليوم؟
أما المدافعون عن العقوبة، فيرون أن تجميد التنفيذ لا يعني التخلي عنها، وأن الإبقاء عليها في القانون ضروري للتعامل مع الجرائم الاستثنائية والخطيرة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود بلا تنفيذ، يبدو أن الجدل حول عقوبة الإعدام في الجزائر لم يعد يتعلق فقط بمصير المحكوم عليهم بها، بل بالسؤال الأوسع حول شكل العدالة التي يريدها المجتمع، وحدود العقاب الذي يمكن أن تمارسه الدولة باسم القانون.
الكلمات المفتاحية
رياض راني.. شاب من أصول جزائرية في واجهة احتجاجات فرنسا
لم يعد الشاب يواجه فقط الحكومة الفرنسية في ملف التعليم، وإنما وجد نفسه أيضًا هدفًا لانتقادات وهجمات مرتبطة بمواقفه وبخلفيته العائلية
العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر.. مقرّران أمميان يوجّهان 6 أسئلة
دخلت آليات الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة على خط النقاش حول قرار السلطات الجزائرية استئناف تنفيذ أحكام الإعدام، في وقت صوّت البرلمان على قانون يوسع نطاق العقوبة.
قبل 48 ساعة من غلق قوائم المحليات.. الأحزاب في سباق مع الزمن لمواجهة عزوف المترشحين
لم تعد الأحزاب تملك سوى 48 ساعة لحسم قوائمها الانتخابية وإيداع ملفات الترشح لمحليات 28 نوفمبر، في وقت تتقاطع فيه تصريحات قيادات سياسية مع مؤشرات ميدانية حول صعوبة استقطاب المترشحين، خصوصًا الشباب والإطارات والكفاءات.
حوار| عبد العالي حساني: أزمة الثقة وصلت إلى المترشحين.. والمنتخب ليس موظفًا
وربط حساني، في حوار خاص مع "الترا جزائر"، هذه المخاوف بما وصفه بسوء تطبيق المادة 200 في التشريعيات والمادة 184 المقابلة لها في المحليات، مؤكدًا أن الترشح حق دستوري، وأن معالجة هذه التخوفات لا تتوقف عند النصوص القانونية، وإنما تستدعي إرادة سياسية تعيد الثقة في القرارات والممارسات الانتخابية.
فيات غراندي باندا تدخل مرحلة التسويق في الجزائر.. هذه آخر المستجدات
دخلت سيارة فيات غراندي باندا مرحلة التسويق في السوق الجزائرية، بالتزامن مع التحضيرات الجارية لإطلاق إنتاجها المحلي بمصنع "ستيلانتيس" في طفراوي بولاية وهران.
طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة على الولايات الشمالية اليوم
تشهد الولايات الشمالية للوطن، بداية من منتصف نهار اليوم الخميس، تساقط أمطار رعدية غزيرة، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية في تنبيه جوي.
من بينهم جزائرية.. 3 قتلى و36 مصابًا في اعتداءين على مطارين سعوديين
قُتل 3 أشخاص وأصيب 36 آخرون، في اعتداءين استهدفا مطاري أبها والملك خالد الدوليين في السعودية، يومي الثلاثاء والأربعاء، وفق ما أعلنته الهيئة العامة للطيران المدني السعودية.
ثانوية بولاية جزائرية تحدد شروط استقبال الأولياء.. من يحق له ذلك؟
أصدرت ثانوية المجاهد بحري بكار بولاية الوادي (نوب الجزائر) تعليمة بشأن تنظيم استقبال الأولياء الشرعيين للتلاميذ، حددت فيها الحالات التي يمكن فيها للأم تولي إجراءات متابعة شؤون أبنائها داخل المؤسسة،