جدل غلق الكنائس في الجزائر.. استقطاب سياسي بلا سياسيين

جدل غلق الكنائس في الجزائر.. استقطاب سياسي بلا سياسيين

السلطات الجزائرية أغلقت 12 كنيسة بروستاتنتية (تصوير: رياض كرامدي/أ.ف.ب)

كان يكفي أستاذ علم الاجتماع السياسي الجزائري ناصر جابي، أن يكتب عبارة صغيرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يقول فيها إن "استفزاز منطقة القبائل ومن ورائهم كل الجزائريين مستمرّ. بعد منع الراية، جاء دور الكنيسة. على من يكون الدور يا ترى في الأيّام المقبلة؟"، حتى تنفتح عليه "بوابات جهنّم"، ويتعرّض لانتقادات واسعة من قبل أنصار "الحلّ الانتخابي".

أعاد قرار والي ولاية تيزي وزو إلى الأذهان، الجدل الذي اندلع في الجزائر عام 2006 حول الكنائس

ليس غريبًا أن يرتبط ذلك الموقف بردّ فعل من أنصار تيّار سياسي معيّن، في وقت تشهد فيه البلاد استقطابًا حادًا، بين التيّار المؤيّد لخطة الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية، في إطار الخطّة التي تنتهجها السلطة الحالية، وأنصار استمرار "الحراك الشعبي" إلى غاية رحيل جميع رموز النظام الذي قامت ضدّه الاحتجاجات الشعبية في 22 فبراير/شباط الماضي، وما تزال مستمرة إلى الآن.

اقرأ/ي أيضًا: غلق الكنائس في الجزائر.. إجراءات قانونية أم انتهاك للحرّيات الدينية؟

استغل أنصار "الحلّ الانتخابي" وجود جابي ضمن قائمة الموقعّين على بيان "مجموعة الـ 19" المناوئة للسلطة، حتى أطلقوا على الجميع النار، إذ أعاد الصحافي حسان زهار نشر تعليق ناصر جابي، إلى جانب صور الشخصيّات الموقعة على البيان، وعلّق يقول: "تذكّروا دائمًا.. ولا تنسوا أبدًا.. أن طالب الإبراهيمي وعلي بن محمد.. وضعوا أيديهم في يد ناصر جابي وأمثاله، تذكروا ذلك.. واحكوها للأجيال الصاعدة".

من جهته، ردّ الباحث ناصر جابي على منتقدي موقفه من غلق الكنائس قائلًا: "ما كتبتهُ على صفحتي اليوم، أثار موجة تعليقاتٍ واسعة عبّرت في بعض الأحيان عن انغلاقٍ فكريّ، لم أكن أتوقّع انتشاره بهذا الحجم عندنا، رغم أنّ فكرتي كانت بسيطة، هي تأييد لحقّ الجزائريين، كلّ الجزائريين، مهما كانت قناعتهم الفكرية أو الدينية في العيش المشترك بحرّية وسلام في وطنهم".

وأكدّ جابي في سياق المنشور ذاته "رفض استغلال هذه الاختلافات الموجودة في كلّ المجتمعات، لخلق استقطابات سياسية لا تخدم الجزائر والجزائريين في هذا الوقت بالذات، من قبل سلطة اكتشفت فجأةً، أنّ هناك كنائس غير مرخّص لها في منطقة القبائل فقط، أرادت غلقها في حين أنّها موجودة منذ عقود في كامل التراب الوطني، ترفض السلطات التعامل القانوني معها بالرفض أو القبول".

وكانت السلطات الأمنية وبأمرٍ من والي ولاية تيزي وزو (100 كيلومتر شرق الجزائر العاصمة)، قامت بغلق 12 كنيسة وصفت بـ"الفوضوية" بإقليم الولاية بسبب "عدم حصولها على تراخيص لممارسة نشاطها وفقًا لما ينصّ عليه القانون".

وأعاد قرار والي ولاية تيزي وزو إلى الأذهان، الجدل الذي اندلع في الجزائر عام 2006، عند صدور "القانون المنظم لممارسة الشعائر الدينية"، الذي انتقدته حينها كثير من المنظّمات الدولية بحجّة "التضييق على غير المسلمين"، وردّت السلطة حينها أنها بصدد "تنظيم ممارسة الشعائر وليس منعها"، في وقت قال فيه المنتقدون إنّ "الحصول على التراخيص في هذا الشأن يكاد يكون مستحيلًا مع إدارة غارقة في البيروقراطية".

ومثلما حدث العام 2006، يعود الجدل مرّة أخرى بخصوص القانون المنظّم للشعائر الدينية، لكن هذه المرّة في سياق تاريخي يشهد استقطابًا حادًا.

ومن المؤيّدين لهذا للقانون، الإعلامي والباحث عبد العالي زواغي الذي كتب يقول: "قضية غلق بعض الكنائس غير المرخّصة في تيزي وزو، بعيدًا عن اللغط الحاصل، وبروز أصوات تندّد بالتضييق الديني، وجب القول إن الكنائس مثل المساجد، يجب أن تخضع للقوانين المنظّمة للشعائر الدينية، ولا محاباة في ذلك".

 وأضاف المتحدّث قائلًا إنّ "الجماعة التي افتتحت كنائسها هي حرّة في عبادتها ودينها، لكن ليس لها أيّ حقّ في الإخلال بالأمن العام وتجاوز القانون، الذي يقود، إلى إثارة الفوضى وبثّ العديد من الشكوك الأمنية حول ارتباطات هذه الجماعات الدينية، ويبعث أسئلة عديدة حول تفضيلها للعمل السرّي غير المرخّص من الدولة".

وعلى الطرف الآخر يقول الصحافي ياسين تملالي: "يتألّمون لمقتل أبناء الأقليات المسلمة، ولا يضيرهم أن يُقتل أبناء الأقلياّت القبطية في مصر والكلدانية في العراق، لا لشيء سوى لأنهم مسيحيّون ظنّوا أنهم لم يعودوا (أهل ذمّة)، مثلما ظنّ مسلمو أوروبا أنّهم فيها بشر كاملو الحقوق. يريدون بناء مساجد في كلّ شبر من العالم، فهذه حرّية العبادة يقولون، لكنهم يثورون أيّما ثورة عندما يصلّي مسيحيّون في محلّ صغير بسبب عدم وجود كنيسة يجتمعون فيها".

جدل الكنائس في الجزائر لا يخلو من المناكفات السياسية التي انخرط فيها الإعلاميون والمثقّفون

ومهما كان الموقف من الكنائس في الجزائر ومدى "مطابقتها للقانون"، فإن إثارة موضوعها في هذا السياق، لا يخلو من المناكفات السياسية التي انخرط فيها الإعلاميون والمثقّفون، في وقت تراجعت فيه أصوات السياسيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سلطة الجزائر تطارد أتباع الأحمدية.. من هم الأحمديون؟

رهبان تيبحيرين.. أرواح بريئة أم ورقة سياسية رابحة؟